دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

إزالة «مئذنة» مسجد المجذوب.. خسارة جديدة في سجل تراث أسيوط

من جديد يتكرر الهدم ويُمحى التاريخ داخل محافظة أسيوط، المدينة التي تختلط فيها الحكايات القديمة بالمباني التاريخية. ففي قلبها اختفى أحد أبرز الشواهد المعمارية المرتبطة بذاكرة أبناء المدينة، بعد إزالة مئذنة مسجد المجذوب التاريخية، التي يرجع تاريخها إلى العصر العثماني، لتنضم إلى قائمة المعالم التي فقدتها أسيوط على مدار السنوات الماضية.

تاريخ المسجد

يُعد مسجد المجذوب أحد أشهر المساجد التاريخية الموجودة في قلب مدينة أسيوط، وسُمي بهذا الاسم نسبة إلى الشيخ محمد المجذوب، أحد أشهر أولياء الله الصالحين بالمحافظة. وعلى مدار عقود طويلة، ظل المسجد وميدان المجذوب جزءًا أصيلًا من الهوية التاريخية والعمرانية للمدينة، وعلامة بارزة في ذاكرة أبناء أسيوط، وأحد ملامحها البصرية المميزة.

ولا توجد حتى الآن وثائق تؤكد تاريخ إنشاء المسجد على وجه الدقة، إلا أن سجلات محكمة أسيوط الشرعية تضمنت حجة مؤرخة تشير إلى إنشائه في شهر ربيع الأول عام 1104هـ، الموافق 1692م، كما تضمنت الحجة الإشارة إلى بيع منزل تابع لوقف محمد المجذوب.

ويطل المسجد بواجهته الشرقية، التي يبلغ طولها نحو 19 مترًا، على ميدان المجذوب، بينما تطل واجهته الجنوبية، البالغ طولها 12 مترًا، على شارع بورسعيد. وتتكون الواجهة من دخلتين مستطيلتين، يتجاوز عرض كل منهما مترين، وتضم كل دخلة شباكين مزينين بمصبعات من خشب الخرط تعلوهما قنديلية بسيطة.

اقرأ أيضًا:قصر «ميخائيل لوقا الزق».. الحقيقة الكاملة وراء شائعات الهدم والشطب

مئذنة المجذوب

يقول مصدر بآثار أسيوط الإسلامية والقبطية واليهودية- فضل عدم ذكر اسمه- إن المئذنة ليست مسجلة ضمن الآثار، وإنما تتبع هيئة الأوقاف المصرية وتشرف عليها مديرية أوقاف أسيوط.

وأضاف أن قرار الهدم كان مفاجئًا للجميع، متسائلًا: كيف تُزال مئذنة تاريخية بهذا الحجم والأهمية؟ مشيرًا إلى أنه كان من المفترض إدراجها ضمن المباني ذات الطابع المعماري المتميز، خاصة أن عمر المسجد يتجاوز 400 عام.

وأوضح أن مئذنة مسجد المجذوب لم تكن مجرد عنصر معماري يُرفع منه الأذان، بل كانت شاهدًا على حقبة تاريخية امتدت لقرون، وعلامة يستدل بها أهالي المدينة وزائروها، كما أنها تحمل بين أحجارها طرازًا معماريًا عثمانيًا نادرًا بمحافظة أسيوط، يوثق جزءًا مهمًا من تاريخ المدينة.

وأشار المصدر في تصريحاته لـ«باب مصر» إلى أنه كان من المفترض الاستعانة بلجنة هندسية متخصصة من كلية الهندسة لتقييم مدى خطورة المئذنة وإمكانية ترميمها، مع تدعيمها إذا لزم الأمر، كما حدث في عدد من الوكالات الإسلامية بأسيوط، ومنها وكالة شلبي.

مئذنة مسجد المجذوب بأسيوط.. تصوير: أحمد مصطفى
مئذنة مسجد المجذوب بأسيوط.. تصوير: أحمد مصطفى
فقدان المئذنة

يقول سيد عبد السلام، مدرس تاريخ بالمعاش وأحد أبناء مدينة أسيوط، إن فقدان المئذنة لا يعني خسارة مبنى فقط، بل يمثل فقدان جزء مهم من الهوية البصرية للمدينة، فالمعالم التاريخية تمنح كل مدينة شخصيتها وهويتها الممتدة عبر الزمن.

وأضاف أن هذه المعالم تختفي تباعًا دون توثيق أو حتى محاولة للحفاظ على عناصرها المميزة، مؤكدًا أن أسيوط تنزف بسبب الهدم المستمر لمعالمها، وتفقد جمالها وهويتها وذاكرتها شيئًا فشيئًا.

وأكد أن التطوير العمراني ضرورة لا خلاف عليها، لكن قيمته الحقيقية تتحقق عندما يكون هناك توازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الشواهد التاريخية، خاصة في مدينة عريقة مثل أسيوط، التي تضم عددًا كبيرًا من المساجد والمنشآت والمباني ذات القيمة التاريخية.

وأشار إلى أن الحفاظ على التراث ليس رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على هوية المدينة وذاكرة المجتمع، مطالبًا المسؤولين بوضع رؤية تحقق التنمية دون التفريط في الشواهد التاريخية التي توثق تاريخ أسيوط للأجيال المقبلة.

 المباني التاريخية

يقول الدكتور منصور المنسي، العميد السابق لكلية الفنون الجميلة بجامعة أسيوط، إن المباني التاريخية ليست مجرد أحجار أو منشآت قديمة، وإنما تمثل جزءًا من الهوية البصرية والثقافية للمدينة، فكل مئذنة أو قبة أو واجهة تاريخية تحمل قيمة فنية تعكس الطراز المعماري لعصرها، وتُعد وثيقة معمارية لا يمكن تعويضها إذا فُقدت.

وأضاف أن الأصل عند الحاجة إلى التدخل بسبب عوامل الزمن أو المشكلات الإنشائية هو اللجوء إلى الترميم وفق الأسس العلمية، بما يحافظ على أكبر قدر ممكن من العناصر الأصلية، وليس إزالتها بالكامل.

وأوضح أن الترميم يهدف إلى إطالة عمر المبنى، والحفاظ على قيمته التاريخية والجمالية، مع ضمان سلامة المواطنين، مشيرًا إلى أن المدن التي تحافظ على تراثها تمتلك شخصية وهوية مميزة، بينما يؤدي اختفاء معالمها التاريخية إلى فقدان جزء من ذاكرتها البصرية، مؤكدًا أن الحفاظ على المباني التراثية يُعد استثمارًا في الثقافة والهوية.

اقرأ أيضًا: قرار وزاري يغير مصير «فيلا جمال الدين» ومنزل «دانيال مكسيموس» في منفلوط.. ما القصة؟

رد الأوقاف

يقول الدكتور علي خليفة، وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط، إن إزالة مئذنة مسجد المجذوب جاءت حرصًا على سلامة الأهالي، وحفاظًا على أرواح المصلين والمواطنين، وانطلاقًا من مسؤولية المديرية في إعمار المساجد والمحافظة عليها وفقًا لمعايير السلامة الإنشائية. وأضاف أن المديرية تناشد المواطنين ورواد المسجد التعاون مع الجهات المختصة، والالتزام بالإجراءات الاحترازية المصاحبة لأعمال إزالة المئذنة، حفاظًا على السلامة العامة.

وأوضح أن المئذنة تعرضت لميلان شديد، الأمر الذي استدعى اتخاذ الإجراءات الفنية والقانونية اللازمة، حيث بدأت الإجراءات بمذكرة مقدمة من إدارة أوقاف غرب مدينة أسيوط، أعقبها إجراء معاينة ميدانية للتأكد من حالتها الإنشائية، والتي انتهت إلى أن استمرار المئذنة على وضعها الحالي، يمثل خطرًا جسيمًا على حياة المصلين والمارة، الأمر الذي استدعى إزالتها بصورة عاجلة للحفاظ على الأرواح والممتلكات.

وأضاف أنه، بناءً على التقارير الفنية، رُفعت المذكرات إلى الجهات المختصة، وصدرت موافقة الإدارة العامة للهندسة بديوان عام وزارة الأوقاف، كما استُكملت جميع الإجراءات القانونية والإدارية والفنية اللازمة، تمهيدًا لتنفيذ أعمال الإزالة وفق الضوابط الهندسية المعتمدة، وبالتنسيق الكامل مع الجهات التنفيذية.

وأكد وكيل وزارة الأوقاف لـ«باب مصر» أن أعمال الإزالة تقتصر على مئذنة المسجد فقط، ولا تمس مبنى المسجد أو إقامة الشعائر الدينية به، موضحًا أن هذا الإجراء جاء تنفيذًا لتوصيات اللجان الفنية المختصة، وتقديمًا لحفظ النفس، والذي يُعد من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، مؤكدًا أن سلامة المواطنين والمصلين تظل فوق كل اعتبار.

اقرأ أيضًا:«مسجد اليوسفي» في أسيوط.. أربعة قرون من التاريخ انتهت تحت الجرافات

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.