رحلة البحث عن «الحريف» في ملاعبنا.. من الكرة الشراب إلى النجيل الصناعي
هل عدمت مصر «الحريفة»، وعقمت عن ولادة مواهب كروية استثنائية؟ وما هي مواصفات «الحريف»؟ هل هو ذلك اللاعب الذي يمتلك مهارات خاصة وموهبة فارقة، أم أن للحريف مواصفات مختلفة في زمننا الحالي؟ فعبر مختلف العصور، عرفت ملاعبنا مجموعة من الفنانين الذين جعلوا من كرة القدم متعة بصرية، وخطفوا القلوب، وأبهروا الجماهير بمهاراتهم الفريدة وهم يداعبون الكرة.
الكرة الشراب واللعب على التراب بأقدام حافية
كانت كرة الشراب، واللعب في الشوارع وساحات المدارس، بيئة خصبة لظهور ذلك النوع الفريد من المواهب. فالقدرة على السيطرة على الكرة المصنوعة من الأقمشة، والتحرك بمهارة في ملاعب اكتست أرضيتها بالتراب وأحيانًا بالأسفلت، كانت تكشف عن مهارات استثنائية، ومن يملكها يستحق لقب “الحريف”.
ومع تطور اللعبة وتحولها إلى صناعة واقتصاد ضخم، تراجع عدد هؤلاء الحريفة، وسيطر اللعب الخططي أو “المعلب”، وأصبح الفوز هو الهدف الغالب على طبيعة اللعبة، وربما على حساب المتعة نفسها.
هذا السؤال طرحناه على عدد من لاعبينا السابقين الذين عرفوا معنى “الحريف”، وعاصروا زمن الكرة الشعبية والموهبة الفطرية، ويعيشون اليوم عصر المواهب المصنوعة واللعب المنظم. فهل يعود هذا الغياب إلى تنامي ظاهرة “البزنس الرياضي”، وانتشار أكاديميات كرة القدم مدفوعة الأجر، وغياب الكشاف الذي كان يجوب القرى والشوارع بحثًا عن موهبة تستحق الدعم والمساندة دون مقابل؟
في البداية، أكد الكابتن صفاء رجب، المدير الفني الأسبق لفريق دمنهور، أن اختفاء اللاعب الحريف من الملاعب ليس سببه الأكاديميات وحدها، وإنما مجموعة من العوامل التي طرأت على المجتمع والرياضة خلال السنوات الماضية. وقال إن كرة القدم في الماضي كانت تُمارس بشكل يومي في الشوارع والحارات والقرى، وكانت كرة الشراب وسيلة أساسية لصقل مهارات اللاعبين، وهو ما ساهم في ظهور أجيال تمتلك مهارات متميزة.
اقرأ أيضًا: كرة القدم بين «الظواهر الأنثروبولوجية» و«الفرجة الشعبية»
تراجع ثقافة اللعب أحد أسباب اختفاء المواهب
أضاف الكابتن صفاء رجب أن الموهبة الحقيقية تظهر غالبًا في الشارع واللعب الحر، مشيرًا إلى أن المواهب لم تختف تمامًا، لكنها أصبحت أقل بسبب تراجع ثقافة اللعب في الشارع وتغير نمط الحياة عمومًا. وأوضح أن طبيعة الحياة واختلاف أساليب المعيشة والتغذية ومستويات النشاط البدني لدى الأطفال أثرت بشكل مباشر على تكوين اللاعبين مقارنة بالأجيال السابقة، مؤكدًا أن الكرة المصرية لا تزال تزخر بالمواهب، لكن اكتشافها وصقلها يحتاجان إلى بيئة مناسبة وعمل منظم.
وأشار إلى أن بعض الأكاديميات تقع في أخطاء فنية تؤثر على تطوير المواهب، من بينها تدريب الأطفال الصغار باستخدام الكرة رقم (5)، رغم أن المراحل السنية الصغيرة تحتاج إلى كرات تتناسب مع أعمارهم وقدراتهم البدنية، مؤكدًا أن استخدام الأدوات المناسبة عنصر أساسي في بناء اللاعب الموهوب وتنمية مهاراته بشكل صحيح.

نقص الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة
عن دور العلم والتكنولوجيا في عالم كرة القدم، قال الكابتن صفاء رجب إن العلم أفاد اللعبة كثيرًا، لكن المشكلة ليست في نقص المعلومات أو الدورات التدريبية، وإنما في مدى الاستفادة منها وتطبيقها على أرض الواقع. وأوضح أن بعض المدربين يمتلكون المؤهلات والشهادات، لكنهم لا يحرصون على التطوير المستمر والاطلاع على أحدث أساليب التدريب.
وعن أبرز المواهب التي عاصرها في نادي دمنهور، قال إن هناك أسماء تركت بصمة كبيرة في تاريخ النادي، من بينها الكابتن أحمد القزاز، الذي يُعد واحدًا من أعظم الموهوبين في تاريخ نادي دمنهور، إلى جانب الكابتن علي التيتي، والكابتن حامد الجرواني، والكابتن رجب عبد السلام، والكابتن محمود القزاز، وغيرهم الكثير من اللاعبين الذين ساهموا في تحقيق إنجازات مهمة للنادي.
وأضاف أن نادي دمنهور عاش فترات مميزة شهدت الصعود إلى الدوري الممتاز أكثر من مرة، مؤكدًا أن تلك الأجيال كانت تضم عناصر موهوبة تركت بصمة واضحة في تاريخ الكرة بمحافظة البحيرة.
وعن تجربته الشخصية، تحدث الكابتن صفاء رجب قائلًا إنه كان من الحالات النادرة التي جمعت بين اللعب والتدريب في الوقت نفسه، حيث بدأ مشواره التدريبي عام 1976، وهو العام نفسه الذي أنهى فيه مسيرته لاعبًا، مشيرًا إلى أنه كان يتولى تدريب بعض اللاعبين الناشئين بينما لا يزال لاعبًا بالفريق.
كما استعاد ذكرياته مع نجوم الكرة المصرية، مؤكدًا أنه عاصر أجيالًا كبيرة من اللاعبين، وفي مقدمتهم الكابتن حسن شحاتة، أحد أبرز الأسماء التي خرجت من محافظة البحيرة، وأحد أهم المواهب في تاريخ الكرة المصرية. وشدد على أن الاهتمام بالمواهب الصغيرة وتوفير البيئة المناسبة لها هو الطريق الحقيقي لاستعادة اللاعب الحريف الذي طالما تميزت به الكرة المصرية.
ارتباط اللعبة بالاستثمار حرم
من جانبه، قال الكابتن أشرف جمعة، لاعب والمدير الفني السابق لفريق غزل كفر الدوار، إن المشكلة الأساسية في كرة القدم المصرية حاليًا هي ارتباط اللعبة بالاستثمار والأموال، وأن الموهبة وحدها لم تعد كافية. وأضاف أن اللاعب الذي لا يمتلك دعمًا ماديًا أصبح من الصعب أن يجد فرصة للعب أو الظهور، موضحًا أن الأكاديميات أصبحت تعتمد على الإمكانيات المادية، بينما لا يحصل الموهوبون غير القادرين ماديًا على الفرص نفسها، وهو ما يؤثر سلبًا على اكتشاف المواهب الحقيقية.
وأشار إلى أن هناك عوامل أخرى تؤثر على اللعبة، مثل العلاقات والوساطة، معتبرًا أن جزءًا من العمل الحالي في كرة القدم أصبح يبحث عن المكاسب أكثر من خدمة اللعبة.
اقرأ أيضًا: أبرزهم “الحريف” و”الدرجة الثالثة”.. سيرة كرة القدم في 48 فيلم مصري

الملاعب الصناعية لا تمنح فرصة للظهور
عن اختلاف الكرة بين الماضي والحاضر، قال جمعة إن كرة القدم في السابق كانت تعتمد على اللعب في الشارع، وكانت كرة الشراب والملاعب البسيطة جزءًا أساسيًا من إعداد الناشئين، أما الآن فأصبحت تعتمد على ملاعب النجيل الصناعي والتدريب المنظم منذ الصغر.
وأشار إلى أن هناك فارقًا كبيرًا في الالتزام بين الأجيال، حيث كان لاعبو الماضي أكثر التزامًا داخل الأندية. وأضاف أنه رغم وجود مواهب كثيرة، فإن المشكلة تكمن في طريقة اكتشافها وتطويرها، مشيرًا إلى أن بعض اللاعبين المهرة في الشوارع لا يجدون فرصة للظهور بسبب ارتفاع تكلفة اللعب في ملاعب النجيل الصناعي، مما يجعل كرة القدم أقل إتاحة للفئات البسيطة.
وأضاف أن الدورات والبطولات أصبحت تعتمد بشكل أكبر على الإمكانيات المادية، وهو ما يحد من فرص اللاعبين الذين لا يملكون المال رغم امتلاكهم الموهبة.
وعن دور المدارس في اكتشاف الموهوبين، أشار إلى أن كثيرًا من المدارس لا تحتوي على ملاعب، وأن الطلاب بعد اليوم الدراسي يذهبون إلى تدريباتهم في أندية مختلفة، وهو ما يضع ضغوطًا كبيرة عليهم وعلى أسرهم.
وأكد أن كل ذلك يؤثر على مستوى كرة القدم في مصر مقارنة بدول أخرى، مشيرًا إلى وجود فارق كبير بيننا وبين بعض الدول الإفريقية والعالمية في الاهتمام بالناشئين وتطويرهم، داعيًا إلى إعادة النظر في منظومة الناشئين وتوفير بيئة أفضل لاكتشاف المواهب دون عوائق مادية.
تراجع دور قطاعات الناشئين داخل الأندية الجماهيرية
أكد الناقد الرياضي أحمد القصاص أن السبب الرئيسي لاختفاء “الحريف” من ملاعبنا هو تراجع دور قطاعات الناشئين داخل الأندية الجماهيرية، التي كانت لعقود طويلة المصنع الحقيقي للمواهب.
وأوضح أن هذه الأندية أصبحت تحت ضغط اقتصادي وتسويقي كبير في ظل المنافسة مع أندية الشركات والمؤسسات القادرة على إنفاق عشرات ومئات الملايين في سوق الانتقالات. ونتيجة لذلك، تراجعت أندية عريقة كانت تمثل مناجم للمواهب، مثل دمياط والمنيا ودمنهور والأولمبي ومنتخب السويس وغيرها، بعدما أصبحت غير قادرة على منافسة الإمكانيات المالية للأندية الحديثة.
وأضاف أن الأخطر من ذلك أن كثيرًا من الأندية بدأت تتعامل مع قطاعات الناشئين باعتبارها عبئًا، فتم تحويل بعضها إلى مشروعات استثمارية أو تسليمها لمستثمرين، بينما يكون الهدف الأساسي للمستثمر تحقيق عائد مادي سريع، وليس صناعة لاعب موهوب يخدم النادي والكرة المصرية مستقبلًا.

تقلص المساحات المفتوحة واختفاء الكرة من المدارس
كما أكد أحمد القصاص أنه لا يمكن تجاهل اختفاء النشاط الرياضي المدرسي بالشكل الذي عرفناه سابقًا، فالمدرسة كانت أحد أهم مصادر اكتشاف المواهب، ومع تراجع دورها تقلصت قاعدة الاختيار بشكل كبير.أما كرة الشراب، التي كانت تخرج أجيالًا كاملة من أصحاب المهارات الفطرية، فقد اختفت تقريبًا بعدما تغيرت الأحياء وتقلصت المساحات المفتوحة، وحلت ملاعب النجيل الصناعي محلها، بما تمثله من مخاطر على الناشئين.
وعن أبرز الموهوبين في كرة القدم، أشار القصاص إلى أسماء كبيرة خرجت من هذه الأوساط الشعبية البسيطة، بداية من حسن شحاتة، مرورًا بأجيال عديدة من اللاعبين المهاريين، مثل شريف عبد الرازق، وكمال فريد في دمنهور، وحسين الكومي، وكابتن الجارم، وشحتة الإسكندراني، وصولًا إلى محمد أبو تريكة.
الضغوط الانتخابية والمصالح
يرى الناقد الرياضي أحمد القصاص أن الحل يبدأ بإعادة الاعتبار لقطاعات الناشئين، وتوفير كوادر فنية مؤهلة للعمل فيها، مشيرًا إلى أن الماضي شهد تولي نجوم كبار وأصحاب خبرات مهمة تدريب الناشئين.
كما طالب بإبعاد قطاعات الناشئين عن المجاملات والضغوط الانتخابية، وأن يكون معيار الاختيار هو الموهبة فقط، لا العلاقات أو المصالح، وأكد أن بعض المسؤولين في الأندية يدفعون فواتير انتخابية على حساب الكرة والموهبة، مشددًا على أهمية عودة النشاط الرياضي المدرسي. واختتم حديثه بالتأكيد على أنه إذا أردنا عودة “الحريف”، فعلينا إعادة بناء منظومة اكتشاف المواهب من جذورها، لا الاكتفاء بالبحث عن حلول مؤقتة.
اقرأ أيضًا: بين الملعب والحارة.. رحلة «الكرة» في السينما والدراما المصرية



