«ورد على فل وياسمين».. حين يرفض الجمهور النهايات الواقعية
أعيتنا محاولاتنا، كمشاهدين أن نبقى بعيدين رغم كوننا متورطين، ولا يمكن أن يكون هناك أي إحساس مطمئن بـ(الانتماء إلى جانب ما)؛ الضحكة في لحظة، ثم الألم في اللحظة التالية. وأثناء التواجد في هذا الموضع القَلِق بين الواقع والخيال، ينهمك الكاتب في تَمدِيد واختزال تلك الفجوة الهامة بين عالم ممثليه وعالم جمهوره، بين خيال الإبداع والحياة.
إن عليه مزج قدر من الواقع للحفاظ على تصديقنا، بقدر كافٍ من عالم اللاواقع لجعلنا نتقبل ألم الآخرين. وعند نقطة التماهي نشعر نحن أنفسنا بالألم؛ ليصبح العمل الفني ذا معنى.
مع انتهاء الحلقة الأخيرة من مسلسل “ورد على فل وياسمين”، أصيب المشاهد بصدمة الرجوع للواقع المتعايش معه آناء الليل وأطراف النهار، بعقلانيته وأحزانه، والذي وجد في أحداث هذا المسلسل وبين طيات شخوصه متنفساً له، حمله إلى عالم الأحلام، وإدراك -ولو لبعض الوقت- أنه من الممكن تفسيرها.
***
حكاية تقليدية بسيطة من قصص الحب الجميلة المستحيلة؛ للتباين الشديد بين طرفيها: “إلهام” السيدة الجميلة، الذكية، خفيفة الروح، المطلقة، الفقيرة، المعيلة لطفلها وأمها، المهمومة بكل محيطها، المثقلة بقسوة الحياة وبمسؤوليات تفوق قدرة جسدها المريض على استمرار تحملها، و”طارق” الطبيب الميسور المتفوق المهموم فقط بتنفيذ خطط والده لمستقبله. ليحدث التقاء العالمين المتوازيين لإلهام وطارق بالصدفة؛ لتعيد تشكيلهما وإتاحة فرصة جديدة قلما تجود بها الحياة لهما.
ويحمل المسلسل اسم الأغنية الشهيرة «يا ورد على فل وياسمين»، والتي تنتمي للتراث الموسيقي المصري، من كلمات بديع خيري، وألحان سيد درويش؛ اتساقاً مع حالة البهجة التي طرحها صناع العمل وائل حمدي وعمرو سمير عاطف في كتابة القصة والسيناريو، والمخرج محمود عبد التواب، برغم قسوة الأحداث، والأمل رغم النهاية الصادمة التي رفضها المتفرجون.
نجح العمل في الابتعاد عن المبالغة والافتعال، سواء في المشاعر -وإن كانت تحتمل لقسوة ما يمر بالأبطال- بدءًا من معاناة إلهام وقصتها الرئيسية في المسلسل، مرورًا بتفاصيل أزمات ومشاعر الشخصيات المشاركة، والتي طرحت عدة قضايا هامة على هامش القصة الرئيسية بذكاء دون أن تتحول لبكائيات، بل على العكس؛ لمسنا كل المشاعر الإنسانية الطيبة بقرب وحميمية وإيجابية أصحاب تلك القصص، أو في الأحداث، فكان إيقاعها مرسومًا بدقة وانسيابية، ولم ينزلق إطلاقًا إلى التطويل أو التكرار.
لم تكن لتنتهي الحدوتة بالنهاية السعيدة المبتغاة من المتفرج، إن كانت تلك النهاية شفاء إلهام والاستقرار الدائم، والسعادة المطلقة، وأن يعيش البطل والبطلة في “تبات ونبات”. فنحن على علم منذ البداية أنها مريضة مرض الموت، ولن يتبقى لها من العمر إلا قليلاً، ومع هذا تغافلنا وانتظرنا النهاية السعيدة. لكن، ألم تكن الفترة الأخيرة من حياتها بعد وجود الحب والاهتمام اللذين افتقدتهما نهاية سعيدة؟! ألم يكن اختبار طارق لقدراته على التمرد والاختيار الحر فرصة مستحقة؟!
***
هنا يحاول صانع العمل الفني التحكم في متفرجين متباينين إلى حد بعيد لفرض طرحه، وذلك باشتباك العقل والعاطفة؛ وجعل أحدهما يخدع أو يشجع أو يناقض الآخر، بينما النهايات السعيدة المتاحة والقابلة للتحقق كثيرة خارج الإطار النمطي والمألوف.
من المفترض أن يستقبل المتفرج العرض التمثيلي منذ لحظاته الأولى وهو محتفظ في داخله بدرجة أو بأخرى من الوعي تنبهه دائمًا بأنه حيال مجرد عرض يحاكي الواقع، وأنه ليس الواقع نفسه، ولكنه يتعامل مع الحياة المعروضة أمامه بدرجة أو بأخرى من توحد المشاعر، وبالتالي -ومن وجهة أخرى- يكون مستعدًا ومنذ اللحظة الأولى أيضًا للتعامل مع مثل هذه المحاكاة للواقع باعتبارها الواقع، مما يجعل المتفرج في جدلية تضاد تجمع بين وعيه وبين رغبته.
ولكن مهما بلغت درجة محاولات إيهام المتفرج وإدماجه في الحياة التي يعرضها العمل الفني عليه، إلا أنه يظل طوال الوقت محتفظًا بنسبة من الوعي بأنه حيال مجرد عرض فني. ما حدث هنا هو أن المتفرج جمد وعيه واستغرق في رغبته بالحلول الحالمة الخيالية؛ رغبة منه في الهروب من الواقع وإدراك السعادة حتى ولو على شاشة التلفزيون من خلال أبطاله، ورفض الحلول الواقعية التي طرحها العمل بالنهاية.
اقرأ أيضًا: «القضية 68»: هل يمكننا تخطي الهزيمة؟
***
كسر صناع العمل حاجز الإيهام وجعلوا المتفرج جزءًا حاضرًا في الأحداث، ومتنبئًا بالآتي منها، ومـبارِكًا لما يتوافق مع المزاج النفسي لأمانيه من خلال هذا الصوت المتماهي الذي يسمعه، وفي الصورة التي يراها، والتي أكدها امتلاك الممثلين جميعًا بلا استثناء: صبا مبارك، أحمد عبد الوهاب، وليد فواز، إسماعيل فرغلي، فدوى عابد، ياسر عزت، سلوى محمد علي، والراحل محمد مرزبان، والقديرة ميمي جمال، لانسيابية الأداء العفوي الطبيعي، ومن خلال شعور المتفرجين بأن الشخصيات تشبههم، وأن الأحداث قريبة من تفاصيل عاشوا مثلها في حياتهم.
إن العمل الفني، بدلاً من أن يدّعي أنه قطعة من الواقع، يتطور وينمو أمام المتفرج على اعتبار أنه خواطر عن هذا الواقع، ولا يحاول أن يخفي طابعه الدرامي بالضرورة عندما يقدم نفسه على أنه قصة مُعاشة.
وأننا كمشاهدين علينا في النهاية أن نتوارى بين أوهامنا أو أحلامنا التي كدسناها داخلنا دون إلقاء اللوم على صناع العمل أو اتهامهم بخذلان ما انتظرنا أن نشاهد؛ فالعمل ملك صناعه وتمضي أحداثه وفق رؤيتهم وحسبما تيسر لهم فيه من إبداع، وتتفاوت حدود التلاقي بين ذاك ورؤى المشاهدين القابلة لتأويلات ولامتدادات لا حصر لها.
اقرأ أيضًا: 30 عاما على رحيله: «عاطف الطيب».. والعمر، لو تدري، قصير

