دامبودزو ماريتشيرا: بيت الجوع
ترجمة وتقديم: وائل عشري
وُلِد دامبودزو ماريتشيرا Dambudzo Marechera عام 1952، لأسرة فقيرة في تاونشيب فينجيري، روسابي، بمستعمرة روديسيا، التي ستصير زيمبابوي بعد الاستقلال. كان أبوه سائق شاحنة، وأمه عاملة منزلية. التحق ماريتشيرا بمدرسة مبشِّرين ثانوية داخلية، مدعومًا بمنحة، ثم بجامعة روديسيا، التي طُرِد منها عام 1973 في أعقاب مظاهرة احتجاجية. أخذته منحة دراسية إلى جامعة أوكسفورد عام 1974. خلال السنوات الثماني التالية، بقي ماريتشيرا في المنفى في إنجلترا، من دون مسكن أو دخل ثابت. واجه مشاكل عديدة مع الشرطة؛ ممَّا أدَّى إلى تعرُّضه للاحتجاز والحبس. كانت عودته إلى زيمبابوي عام 1982 مؤلمةً وصادمة. لم تكن زيمبابوي، التي أنهت حكم الأقلية البيضاء عام 1980، أكثر تقبُّلًا له من روديسيا إيان سميث. توفي ماريتشيرا عام 1987، وهو في نحو الخامسة والثلاثين من عمره، بسبب مضاعفات مرض الإيدز.
صدرت «بيت الجوع» The House of Hunger، التي ضمَّت رواية قصيرة وعددًا من النصوص القصيرة الأخرى، عام 1978. نالت استحسانًا نقديًّا واسعًا، وفازت بجائزة الجارديان للقَصِّ في العام التالي. تبعتها، عام 1980، رواية «نور الشمس الأسود» Black Sunlight، ثم «انفجار عقل» Mindblast عام 1984. صدرت له عدة أعمال بعد وفاته، منها رواية The Black Insider، المكتوبة عام 1978، وكذلك أعماله الشعرية، التي صدرت عام 1992، وحملت عنوان: «مقبرة العقل» Cemetery of Mind.
***
يُعتبر ماريتشيرا أحد أهم كُتَّاب إفريقيا الجنوبية؛ عبَّرت «بيت الجوع»، بصراحتها، وعنفها، وبنيتها الشذرية، وانتقالاتها السريعة التي تعتمد على التداعي الحر، عن الجيل الذي نشأ في جيتوهات روديسيا في ظل نظام الفصل العنصري. كما مثَّلت، وما تزال، مصدر إلهام كبير لأجيال ما بعد الاستقلال، وخيبة أملها في الدولة. تخلو هذه الرواية الأيقونية من أي حبكة واضحة. لا توجد فصول. لا تقسيم إلى مقاطع. يسترسل الراوي، وينتقل من موضوع إلى آخر.
تبدأ أحداثها بالراوي (لن نعرف اسمه) يغادر بيت أسرته، «بيت الجوع» كما يسميه، بعد أن شهد تعرُّض زوجة أخيه لضرب مبرح بسبب علاقتها به. وبينما يجلس في حانة قريبة (أو هكذا يبدو الأمر)، يهيم السرد من قصة إلى أخرى، متنقلًا بين أماكن كثيرة وأزمنة متعددة. عبر هذه التنقُّلات نرى حياة الراوي، وماضيه. نعرف أنه كاتب، ينحدر من أسرة فقيرة، أنهى دراسته الجامعية، لكنه بلا عمل. كما نرى حياة أسرته، وحياة الجيتو بعنفه وقسوته.
في المقتطف التالي، يُضرب الراوي ضربًا شديدًا. يحدث ذلك في إطار دوائر العنف، والعنف المضاد، التي تحدد مصائر قاطني الجيتو. كان الراوي يحاور «نستار»، وهي «واحدة من أشهر العاهرات في البلد بأكمله»، ويستمع إلى قصصها عن زبائنها البيض، حين يكتشف أن ابنها «ليزلي» هو المسؤول عن الاعتداء على أخت أحد أقرب أصدقائه، فيليب. يتصل بذلك الأخير، الذي يأتي ويوسع ليزلي ضربًا.
بدوره، يتعرض الراوي للضرب على يد صديقين من أصدقاء ليزلي. يُترك على الرصيف، فاقد الوعي. حين يستعيد وعيه، يحاول الاستنجاد بسكان البيت المجاور. يدخل إحدى الشقق. يجدها خالية تمامًا. يهذي. لا يعرف إن كان يتخيَّل البيت الخالي، أم أن البيت هو ما يتخيَّله: «لسبب ما بدأت في التساؤل إن كنت أنا نفسي موجودًا هناك فعلًا، ربما كنت فقط كائنًا خلقته الغرف ذاتها». يغادر الراوي، يفر «من ذلك البيت مثل مجنون رأى دواخل هذيانه». وفي النهاية يجد تليفونًا عموميًّا. يتصل بعربة إسعاف. في المستشفى، نعرف أن حالته حرجة. يُترك هناك، ويعود السرد إلى تفاصيل عن الأسرة، تحديدًا الأب (الذي تتدهور صحته الجسدية والعقلية في نهاية حياته) وحكاياته غير المكتملة؛ شذرات من هنا وهناك، في أسلوب يشبه أسلوب الكتاب نفسه.
و. ع.
أقدم ذكرياتي هي عن السماوات تتأرجح بميل، وأنا أسقط من شجرة تفاح. لم يُصِبني السقوط سوى بكدمات في يدي وركبتي. نظَّفَتهم الوالدة بماء دافئ مملح، وأتذكَّر وجهها الماكر يسترق نظرات قلقة على الفِراش الصغير حيث رقدت أتأمَّل لقائي الأول مع العالم الحقيقي. ثم أصابتني مشاكل في العينين؛ تحرقانني بألم شديد عبر كُرَيَّات رائقة من ضوء الشمس الدوار. والحُمَّى الأولى التي لم يستطع تهدئتها لا الأسبرين ولا الكافينول؛ ذلك كان حين تعلَّمتُ أن آخذ حذري من خيالي ومن عقلي. ما زلت لا أعرف تمامًا إن كان الفيضان قد علا حينها أم أنه جسدي ما كان يهبط في الهول العظيم لتلك المياه. بعدها تعيَّن أن يُوصَد الباب بإحكام، وأن يؤمَّن ضد سيري أثناء النوم. استُدعي النجانجا. صنع شقوقًا في جميع أنحاء جسدي بعمق نصف بوصة، وفرك مسحوقًا أسود في الجروح الدقيقة. طُهِي قِدر به شيء يشبه العصيدة، وبينما يحتدم غليانه جعلني أميل فوقه وأستنشق البخار، وألقى فوقي بطانية وأنا أفعل ذلك.

الشيء الآخر الذي أتذكَّره بوضوح من طفولتي هو كلب ضخم يحدِّق فيَّ من مقعد سيارة خلفي مُسيَّج. كان والداي قد أخذاني لزيارة شخص ما في المستشفى الإفريقية وتجوَّلتُ بطريقة ما إلى ساحة انتظار السيارات؛ وتوقَّفت كي أنظر مشدوهًا إلى البهيم الأشعث في إحدى السيارات. عيناه كانتا سوداوين وصافيتين. كان صفاءً لا يخالطه أدنى عمق، وجعلني ذلك أثق فيه تلقائيًّا. أنفه كان ناعمًا وأسود، أذناه تتدليان على نحو مُرتَّب كي تغطِّيَا فكَّين هائلين. شعرت بذلك البهيم داخلي بشغف. وبينما يضغط نفسه على الزجاج ويدع عينيه الكبيرتين تخترقانني لم أستطع مقاومة أن أمدَّ يدي كي أفتح الباب له ليكون حُرًّا. اللحظة التي تَكَّ فيها الباب دون صوت، اندفع البهيم بثقله الهائل على الباب، مزمجرًا، وهاجمني بأنيابه المكشوفة.
ثمة ذباب مسحوق في الذاكرة. حشود تغزل شبكات من صلوات للإمساك بنفائس كشف ضئيلة. رسومات ببقع حبر، ألوان مائية، طباشير، باستيل؛ بقع دموع، بقع دماء، خرائط زمنية، بوسترات لدورات حياة براغيث، ومرة أخرى مزيد من بقع الحبر… أصابع وسخة تحكُّ في ثقوب غامضة؛ صور ضبابية تتسلَّل على نحوٍ أعمق في صدوع براغيث العقل. وما كانا فيما مضى والدينا تعفَّنا الآن وفاح نتنهما تحت كلس القرن العشرين. شبكة حديدية أُلِقيت على السماوات، بهدوء. الآن، وهي تزيد من إحكامها، تعضُّ بحدَّةٍ اللَّحمَ الأكثر رقَّةً من عقولنا. الضربات الشديدة التي كالتها لأدمغتنا صيَّرتنا غرباء، حتى لأنفسنا. وتحت كل هذا، تخثَّرَت عقولنا؛ أصابتها الغرغرينا. مثل عصابات. ملابس روحنا التحتية ممتلئة بالثقوب والحقو الذي أخفته تفشَّى فيه القمل. كنا قحابًا؛ أكَلَنا حتى النخاع زُهري مجيء الرجل الأبيض. الاستمناء على صورة غلاف بلايبوي؛ الصراخ بمسبات على عنصريٍّ متوحِّد لكن يملؤه التحدي؛ تعرية مؤخراتنا أمام حفر المراحيض الفاغرة؛ كتابة شعر «أسود» غاضب؛ مضاجعة الفروج كأننا كنَّا هناك لنثبت أن الرجال البيض غير موجودين في الواقع – كل ذلك كان في نطاق تجاوز عفن أحشائنا.
تلك الغرز مثل شبكة أُلقيت على السماء شُدَّت حول العقل، وعضَّت، مع الإبرة، الأجزاء الأكثر رقة من العقل.
أوصلت فيليب بسلام إلى البيت؛ كان في حال أسوأ مني. ودَّعنا داج وسيتري وريتشر وباتريشا وآدا وجوقة التوائم الثلاثة المغردات. وسِرتُ متطوِّحًا في اتجاه البيت.
اقتطع ظلان نفسيهما من الظلام. لم أكن أعرفهما. وقفا يسدان طريقي.
«كنا نبحث عنك،» قال أقصرهما.
اقتربا.
«لقد ضربت صديقنا ضربًا شديدًا، يا رجل. أوسعت ليزلي ضربًا، يا رجل. لا أحد يضرب ليزلي، ألم تكن تعرف ذلك؟» قال.
ليزلي هو ابن نستار.
أخذت خطوة إلى الوراء. راحتا يدي متعرِّقتان.
بصق أطولهما: «أحه!» وهوى بقوة على فكِّي. سمعت طاقم أسناني يتكسَّر من أثر الارتطام. التفتُّ كي أركض، لكن أقصرهما مدَّ قدمًا ووقعت وقوعًا ثقيلًا على الطريق المرصوف. كانا يركلان رأسي. حاولت أن أبصق قطع طاقم أسناني. أدركت أنني أصرخ طلبًا للمساعدة. فررتُ. فكَّرت: «ها قد ذهب حذائي!» الطويل فقط هو مَن تبعني، بركلات واسعة كي يطيح بي. كان أقرب لي من أن أندفع من إحدى العتبات وأوقظ شخصًا ما في البيوت التي أتجاوزها. سرعان ما نال مني ووقع فوقي. نهضت ودخلت من إحدى العتبات في لحظة، ويدي على وشك الدَّقِّ على الباب، قبض عليَّ ودفعني بشدة على سور الحديقة الحجري القصير وبدأ في سحق رأسي عليه. صرخت بصوت أعلى، على أمل أن يسمعني شخص ما في البيت. بجهد تملَّصتُ منه، ركلت بالقدم الحافية وقفزت يائسًا في اتجاه نافذة، صائحًا. صدمت النافذة بقبضة، جارحًا رسغي جرحًا شديدًا، وصرخت طلبًا للمساعدة عبر الثقب الكبير. أطبَقَت يده على فمي وجرَّني من النافذة وعبر البوابة المفتوحة إلى الطريق المرصوف حيث أوسعني ضربًا حتى غبت عن الوعي.
أفقت ببطء. كنتُ وحدي على ذلك الجزء من الطريق. واستغربت قليلًا أني ما زلتُ على قيد الحياة. لم أكن أعرف أنه يمكن للجسد أن يتحمَّل كل هذا الألم. سحبت نفسي، وعرجت عبر البوابة، وبدأت في دقِّ الباب مرة أخرى. لم يكن هناك صوت، لا ضوء في الداخل؛ لا أدنى علامة تقول إن شيئًا بشريًّا يعيش هناك.

أدرت مقبض الباب. فُتِح الباب على الفور. دخلت. لم تكن ستائر على النوافذ؛ والريح والضوء اللذان كانا يسريان عبر النافذة المكسورة أرياني أنها غرفة سوداء كبيرة فارغة. لم يكن فيها شيء؛ لا أثاث، لا شيء، لا شيء على الإطلاق. شعر عقلي كأنَّه لا شيء. وجهي بالتأكيد شعرت به مكسورًا. فغرت عتبة من دون تعبير في اتجاهي: أدَّت إلى غرفة أصغر: خَدِرَة، مظلمة، خالية تمامًا هي الأخرى. لم أستطع أن أحمل نفسي على لمس الحوائط كي أثبت أنها موجودة بالفعل. فعلى أي حال، النافذة كانت موجودة فعلًا وقد تحطَّمَت بما لا يدع مجالًا للشك. لسبب ما بدأت في التساؤل إن كنت أنا نفسي موجودًا هناك فعلًا؛ ربما كنت فقط كائنًا خلقته الغرف ذاتها. عتبة أخرى غرقت في تفكير عميق أمامي. كانت تؤدي إلى شرفة صغيرة جدًّا تطلُّ على حديقة هي برية تكاثر فيها العشب، وعلى شسوع ليل داكن الزُّرقة مُرصَّع بالنجوم. ألا يوجد شيء هنا كذلك؟ هل ناديت ملتمسًا لا شيء؟ أخذت خطوة إلى أسفل من الشرفة وبينما أفعل ذلك انزلق فجأة شيء كبير وماكر عبر برية الأعشاب وأعواد الذُّرة واختفى عبر فتحة في حائط الحديقة البعيد. ارتفعت يدي لا إراديًّا إلى رأسي: الألم المباغت كأنَّ شريحة من المادة الرمادية لعقلي نُزِعت بدقَّةٍ بملقاط.
فررتُ من ذلك البيت مثل مجنون رأى دواخل هذيانه. بطريقة ما بلغت هاتفًا وفاجأت عربة إسعاف جاءت فعلًا وأخذتني إلى المستشفى الإفريقية. خاط الطبيب معصمي والتقط صورًا بالأشعَّة لرأسي. وأعطاني حقنة تيتانوس. لكنه سمح لي برؤية صور الأشعَّة على شاشة مُضاءة. أرعبني مرأى عظامي. ضحكتُ ضحكًا قلقًا. لم يكن ثمة شيءٌ لعقلي، لرأسي، إلَّا جمجمة فقدت بعضًا من أسنان ابتسامها. تلك البسمة المكسورة، لم أستطع قَطُّ أن أمحوها من عقلي. وصورة جمجمتي امتزجت منذ ذلك الحين بذكرى ذلك البيت الخالي، المرعب رعبًا غريبًا، الذي، حين ناديتُ، فقط حافظ على صمتٍ لا يمكن تبيُّنه.
كان بيت الجوع هو أوَّل ما جعلني أستاء من الأشياء. عرفتُ أبي فقط على أنه الشخص الذي يجامع الوالدة من وقت إلى آخر، ويدفع الإيجار، ويضربني، ويخدعه سرًّا أشخاصٌ عديدون بالنوم مع زوجته. كان يقود شاحنات بضائع ضخمة، ينقل زيت الفول السوداني إلى زامبيا وزائير ومالاوي. كنت أعرف أنه مُحتقَر، بسبب الوالدة، ولأنه ارتدى دائمًا أڤرولات كاكية، حتى في أيام الأحد، ولأنه كان كريمًا جدًّا بماله مع الصديق والعدو على السواء. الشيء الوحيد أنه كان سكِّيرًا.
مرة أسكرنا أنا وبيتر سُكرًا بيِّنًا، إلى درجة أن الوالدة أوسعت ثلاثتنا ضربًا ثم ألقت به خارج البيت لتلك الليلة. المرة الوحيدة التي اقترب فيها من ضرب الوالدة كانت حين اكتشفت في حقيبة سفره طاقمًا كبيرًا من لوازم علاج الأمراض الجنسية: حُقَن، حبوب، بنسلين؛ ورَمَتها في صفيحة الزبالة. ذات ليلة أتت عربة الإسعاف وكان فيها، وأرادوا أن يذهب أحدٌ معه. «ماذا به؟» سألَت. «لقد طُعِن». وركبَت وابتعَدَت العربة تاركةً إيَّاي وبيتر لنعتني بنفسينا. عرفت لاحقًا أن مَن طعنه هو أحمق التاونشيب الذي لم يكن مؤذيًا حتى ذلك الحين. لم يعُد الوالد نفسه بعد ذلك: لجأ إلى الميثانول. وفي بعض الليالي كانت تصيبه نوبات الارتعاش ولا يعرف ما يفعله ولا ما يقوله، بينما يداه ترتعشان وترجفان دون أن يستطيع السيطرة عليهما. لم يكن يعرف أين هو، أو مَن هو، أو مَن نكون، أو أين المرحاض. وكان يتحدث عن «الذباب». عندما يكون في تلك الحال تعذِّبه على ما يبدو آلهة الانتقام، التي أتته على هيئة غيمة كثيفة من ذباب المنازل تطنُّ جميعها مُنشِدةً «جوقة الهالولويا» لهاندل.
غير أن الوالدة كانت مُهابَةً أكثر منها محتَرَمة. كانت مجتهدة في الجِماع، وفي إدارة البيت، وفي الاحتفاظ بما يبدو أنه سيطرة مُحكَمة على زوجها: كانت كُفؤة في الخناقات، وفي التَّراشُق اللفظي، ولم تُخزَ قَطُّ، والأهم بالنسبة لي أنها لم يكن لديها شيء لتفعله أفضل من إلقاء أطفالها في عرين أي أسدٍ أبيض. بيتر يشابهها، بينما أنا أقرب إلى والدي. طبعًا لم يستطع الوالد قَطُّ أن يسيطر على بيتر – الوالدة فقط كانت تستطيع ذلك؛ وبالتالي تعامَل معي الوالد بقسوة.
بيتر، طبعًا، صار منذ وقت مبكر عدوًّا لكل أب وكل أمٍّ لديهم بنات. وهو والوالدة أعطيا البيت نفحة فضائحية قوية بما يكفي أن تُشمَّ على امتداد المنطقة بأَسْرها. حين بلغ بيتر الحادية والعشرين أعطاه الوالد، كهدية، طاقمًا جديدًا من مضادات الأمراض الجنسية. الوالدة ببساطة حذَّرت بيتر ألَّا يتداخل مع نساء متزوجات. أما أنا فقد أعطيته – على مضض، لأني كنت أغار منه بشدة – مباركتي المترددة.
كنت على ذلك الوقت أكثر خبرةً بالكتب والاستمناء من الفتيات وخناقات الشوارع ولعب النرد. وقتما أخَذَت الوالدة ملاءاتي لتغسلها كانت تجعلني أفسِّر كلَّ بقعة فيها. وبما أنها كانت جميعًا وبلا استثناء بقع مَنيٍّ فإنها كانت تلقي عليَّ عِظةً طويلة بنبرة احتقار عن «سهولة» الفتيات، و«ليه ما تنامش مع واحدة منهم والَّا اتنين؟» أو ثلاثًا. أو أربع. أو خمسًا. «الموضوع مش معضلة،» كانت تقول. «تحطُّه في الثقب بين الماء واليابسة. سهلة يعني. تباعد ما بين ساقيها وتدفع أنت وسطك بين فخذيها وتضرب! هناك بالضبط بين مائها ويابسها. تضرب مثل نار وسوف تأخذك أنتَ وخصيتيك بالكامل. مش كدا؟ حتى رقبتك. حين تقذف سترى كيف يغيِّم ذلك عينيها. لا تتوقَّف. واصِلْ الحَفْر. احفُرْ. وستدفعك إلى الداخل حتى شعر رأسك. هل ترى؟ الآن. لِمَ لا تنام مع واحدة أو اثنتين وتتوقَّف عن توسيخ ملاءاتي؟ كنت متأخرًا في الابتعاد عن صدري؛ ومتأخرًا في التوقف عن التبول في الفراش. والآن أنت متأخِّر في قذف مائك داخل أي شرموطة. أنت تثير قرفي لغاية هنا، هل تفهم؟ لغاية هنا. لا بُدَّ أنها تلك الكتب الغبية التي تقرؤها – لأي سبب تريد أن تقرأ الكتب وقد أنهيتَ الجامعة؟ أيوه، لغاية هنا».

غير أن العجوز كان صديقي. لقد ضلَّ طريقه ذات يوم إلى داخل البيت ببساطة بسبب المطر، وهو يسحب نفسه على عصاة المشي كثيرة العُقَد. ثم بقي. وجهه كان مثل تشبيكة من أسلاك النحاس؛ رسغاه، خيوط عضل؛ وجسده المكسور بدا هشًّا وواهيًا إلى درجة أن ريحًا قوية أو مَسبَّةً كانت ربما لتطيح به وتعيده إلى المطر. أسنانه المكسورة، الملطَّخة بالتبغ، كانت أسنانَ حصان عتيق، ترفضها حتى مراجل الصَّمغ. لكنَّ عينيه الغائرتين، اللتين لهما لون نار منعكسة على ماء، مليئتان بحكايات بقدر سرعة لسانه في حكيها. كان يتشمَّس في الصحبة السعيدة لجوقة الذباب المحلية ويختنق بضحكة سرية ما. يُخرِج كيس التبغ وببطء يلفُّ سيجارة، مستخدمًا أوراقًا من جريدة «الـهيرالد». ما أحبه أكثر من أي شيء آخر هو أن أصغي إليه منتبهًا وهو يحكي قصصًا غامضة، مُشتَّتة، شذريَّة. نظرته الشفافة، الماكرة، ضحكته الملهوفة، سعاله اللاهث، وشيء من الأرض، يشبه الحصباء، في صوته – جسَّدت شذرات الأشياء التي ألقاها في اتجاهي كأنَّما عرضًا.
كان يبدأ بغتة: «صياد نسوان. أن تصيد شيئًا داخل نفسك هو أمر أحمق. لأن. كان يصرخ في نومه على نار الطراد. حين يصحو أخيرًا كان هنالك. في الأعالي. في عين السماء. تستعر بشراسة. الشمس.
… وقد طُرِد من القرية، والمدينة، والبلد. طُرِد من الرحم، من البيت، من الأسرة. صحراء بكل معنى الكلمة. من بين كل بُقول اليأس. اقتات على سخطه؛ لكن ذلك لم يملأ بطنه. اقتات على كراهيته لكل الأشياء؛ لكن ذلك لم يطفئ ظمأه. ثم اقتات على الأحلام، بكل أنواعها، أحلام الانتقام، والغفران، وتشويه الذات، أحلام الحب الموجود في كل الأشياء. لكن حتى هذا لم يروِ ظمأه، ولم يسدَّ جوعه. ذلك أنه كان ظمأ غريبًا. جوعًا مجهولًا. دفعاه بعيدًا عن نفسه، عن أصدقائه، عن أسرته، عن أشياء عالمه الأول. هام وحيدًا، حاسر الرأس تحت الشمس. اقتات على إنهاك العقل والجسد، لكن العقل يموت فقط بمشيئته هو، والجسد شيء ثمين، بعد أن يتلاشى وينعقد في باطنه، يستولد كائنًا جديدًا يتلألأ حول الجسد القديم ولا يموت إلَّا إذا هبط النجم العظيم. وهكذا لم يوهِن الإنهاك ظمأه وتعبه، لم يوقف قرض الجوع في بطنه. بلغ مدينة عظيمة، لكن حين حاول الدخول، ضحك الحراس على البوابات ضحكة عظيمة فتلاشى كل شيء إلى لا شيء، لا أكثر من كثبان رمال. ربما لم تكن موجودة حتى. كانت طيور جميلة كبيرة في مدى رؤيته، لكن حين ناداها تحوَّلَت إلى نسور وجعجعت جعجعةً خرقاء وخرجت عن مدى ناظريه. كان الأمر مثل حكَّةٍ مباغتة. في الحقيقة لقد هرش بالفعل برقَّة بين ساقيه. ذلك كان حين قال: ‹سأعيش في قلب حبَّة رمل›. وقال أيضًا: ‹سأشعل عود ثقاب: وحين يشتعل سأقفز مباشرة في القلب المظلم لبذرة شعلته›. لكن بينما أصغى إلى نفسه، إلى الظمأ وإلى الجوع، قال فجأة بكلمات من ذهب: ‹سأعيش عند منبع الجدول حيث تبدأ كل أسئلة الإنسان›».
أخرج العجوز جرابه وفي صمتٍ لفَّ سيجارة. وجهه – تلك الشبكة المشدودة من أسلاك النحاس – تمدَّد قليلًا؛ مبتسمًا في كل غرزة.
قال: «كان عِرقٌ من الرجال في إفريقيا نساؤهم قناني. وفي كل قنينة سفينة. قدَّر الرجال السفن تقديرًا عاليًا، لكنهم لم يبالوا كثيرًا بالنساء أنفسهن. على أي حال ما قيمة سفينة في قنينة؟ تلك القناني كانت غير قابلة للكسر. ولم يكن في استطاعة الرجال كسر نسائهم كي يبلغوا السفن…».
أشعل العجوز سيجارته بعصا من النار. قلَّبتُ الذُّرة التي تُشوى: كانت تتحول إلى لون أصفر لذيذ يشبه قلب غروب غامر.
قال: «يصحو رجلٌ في ليل هائل ويخرج كي يبول لكنه لا يُرى مرة أخرى أبدًا».
لهث واختنق بسيجارته، بين شهقاته أخبرني بما يلي: «وجد رجلٌ بيضةً صغيرة في حفرة صغيرة بجوارها شجرة هائلة عصف بها برقٌ. حين عاد إلى البيت أعطى البيضة لزوجته التي تزوَّجها حديثًا، والتي أحبَّت البيض كما تحب النباتات النداوةَ والماء. طبختها وأكلتها. تلك الليلة حدثت عاصفة. لكنَّ الزوجين الطيبين ذهبا إلى الفراش مبكِّرًا كي يؤدِّيا عاصفةَ حبِّهما الخاصة. بعدها ناما في أحضان أحدهما الآخر. ثم انتثر البرق وخاط الليل الأسود، وبينما اصطخبت طبلته الراعدة فوق ذلك البيت، سقط الزوج عن الفراش مع دويٍّ. استيقظت المرأة هي الأخرى. ‹أنتِ دفعتِني!›، قال بغضب، محاولًا أن يعود إلى الفراش. ‹أفسِحي لي!› قال بمزيد من الرِّقَّة. ‹لكنني ها هنا في هذا الجانب البعيد،› ردَّت صادِقةً. حاول مرة أخرى. لكن كان ثمة شيء ولم يستطِع الدخول. غضب غضبًا شديدًا، فقط كان الجوُّ باردًا قارص البرودة. ‹سأسوِّي هذا الأمر تسويةً أخيرة!› قال، وأشعل شمعة. ودفع البطاطين. كانت هناك بيضة هائلة ملطَّخة بالدماء؛ ما تزال طرية، كأنَّها وُضِعت توًا. دفعت المرأة، مشدوهةً، بقيَّةَ الأغطية ونزلت ببصرها على نفسها: كانت ممدَّدةً وملطَّخةً بالدماء مثل امرأة ولدَت للتَّوِّ. حدَّق الرجل مثل مَن يصغي إلى أجنحة لعنة تحوِّم فوق رأسه. وبينما ينظران استشعرا أن العاصفة في الخارج هبطت بهدوء ودخلت الغرفة على أطراف أصابعها كي تستمع إليهما».

توقَّف العجوز. أخذ نفسًا من سيجارته التي استطال رمادها. سحبتُ الذرة المشوية من النار، ونفختُ عنها الرماد ووضعتها على طبق كي تبرد قليلًا.
قال: «رسم كاتبٌ دائرةً في الرمل وقال وهو يخطو داخلها: ‹هذه روايتي›، لكن الدائرة، وهي تقفز، شطرته نصفين».
وتناول ذُرَته وبدأ في أكلها. تبعتُ مثاله بسرعة لأنني أحب الذرة المشوية. مضغ العجوز ببطء، متلذِّذًا بكل قطرة صغيرة من الحلاوة.
ابتلع متحسِّرًا، وقال: «اختار شاب غاضب بقعةً على هذه الكرة الأرضية الصغيرة. ثم بقي في تلك البقعة الصغيرة لمدة طويلة. منتظرًا، على ما أظن، لكنه لم يعتقد حتى أنه ينتظر. لم يؤمن بالعيش مدة طويلة في مكان واحد بما يكفي أن يمدَّ جذورًا من عقله الغاضب ويُزهِر أوراقًا من ذهنه الغاضب. لا. لا. فقط بقي هناك في تلك البقعة شديدة الصِّغَر. حتى انشرخ نظره مثل غصن ضئيل وبدأت حياته، بعد أن ذبلت كثيرًا، تتلألأ حول بقاياه. مرَّت سنوات. زمجرَت الريح الأربع في محيط تلك البقعة. خاط البرقُ الهواء. في الأسفل، تحرَّكت الأرض كما تتحرَّك دائمًا».
طالعني بنظرةٍ خاطفة، لكن ثاقبة.
«لا تأخذ هذه الأشياء بجدية أكثر ممَّا يجب. إنها هذيان مشرَّد. مجرد شظايا وشذرات التقطتها ووضعتها في جَعبتي».
قال: «كان رجل، حدث بالنسبة له كل شيء تحت الشمس، يمشي عائدًا إلى البيت حين قابل قزمًا أخضر رفع نظره إليه، بازدراء، وسخرية. ‹لِمَ تمشي بعكاز؟› سأله القزم باحتقار. مدَّ الرجل يديه وخبط بقدميه طريق الحصباء، وقال: ‹ألا ترى أنني ليس معي عكَّاز؟ بالتأكيد لا احتياج بي إليه›.
غير أن القزم بصق على حرباء تمرُّ وقال للرجل: ‹لديك أكبر عكاز على الإطلاق رأيت أعرج يستخدمه›.
تساءل الرجل، مندهشًا، وربما غاضبًا قليلًا: ‹أي عكاز؟›
والقزم، بعد أن بصق مرة أخرى على الحرباء المستترة، قال: ‹عقلك›
وهنا افترقا. الآن يقع الطريق بين الماء واليابسة وكثيرون شاخوا وماتوا في ارتحالهم عليه. ولأن كل الناس يستخدمونه، فكثيرًا ما يسلك ذلك الطريق شحَّاذون من أمثالي. ذات يوم أنا أيضًا اخترتُ بُقعتي وجلست فيها، منتظرًا أن يمرَّ بي المسافرون. كان يوم أحد والوقت مُبكِّر. سرعان ما سار الهوينى نحوي شابٌّ قوي البنية في سترة قرمزية، وسأل إن كنت أعرف أين يمكنه أن يشتري دجاجة بيضاء. هل تعرف أين أرسلته؟ إلى ماخور الجند الأبيض: ضربوه حتى صار نشارة. أو ربما عجينة. لستُ متأكدًا. لم يأتِ أحدٌ آخر، وشعرت بالملل وبدأت في التململ وإجالة النظر. كان ذلك حين وجدت هذه اللفافة الصغيرة. لا بُدَّ أن صاحب السترة القرمزية قد أسقطها. بها صور لك ولأصدقائك وملاحظات صغيرة عمَّا تفعل. خُذها … أظن أن المشاكل تدقُّ بنفاد صبر على بابنا».
اقرا أيضا:
«حواديت الآخر» لحسام فخر: الموروث وما بعد الحداثي في مصنع الحكايات