دعوات للحفاظ عليه بدلًا من هدمه.. جدل حول منزل «سعد زغلول» التاريخي بكفر الشيخ
في قرية «إبيانة» بمحافظة كفر الشيخ، مسقط رأس الزعيم سعد زغلول، شُيد منزله التاريخي مطلع القرن العشرين، وتحديدًا عام 1904، وتشير الروايات إلى أنه أنشئ استعدادًا لاستقبال الخديوي عباس حلمي الثاني خلال رحلته النيلية إلى مدينة الإسكندرية عبر فرع رشيد، رغم اختلاف المؤرخين حول تفاصيل تلك الزيارة. وبعد سنوات، قرر مصطفى النحاس تخصيص المنزل ليكون مدرسة بعد ثورة يوليو، ويستمر في أداء هذا الدور حتى إنشاء مدرسة حديثة لأهالي القرية.
ومؤخرًا، ترددت أنباء عن وجود اقتراحات داخل الإدارة التعليمية بمركز مطوبس لهدم المبنى واستغلال موقعه كمنشأة تعليمية، وهو ما أثار غضب عدد كبير من أهالي القرية وأحفاد الزعيم الراحل، الذين طالبوا بالحفاظ على المنزل باعتباره جزءًا من التراث الوطني، وإعادة توظيفه كمركز ثقافي أو تراثي، مع ضمه إلى الجهات المختصة بحماية المباني ذات القيمة التاريخية.
بداية المدرسة الابتدائية عام 1953
في البداية، يوضح محمد نجيب زغلول، أحد أحفاد عائلة الزعيم سعد زغلول، أن صلة القرابة تعود إلى أن سعد زغلول هو عم جده المباشر، وأنه ينتمي إلى فرع شلبي زغلول، أحد أشقاء الزعيم.
ويقول إن المنزل التاريخي اسُتخدم كمدرسة ابتدائية منذ عام 1953، موضحًا أن قرار التبرع به لوزارة التربية والتعليم صدر قبل ثورة يوليو في عهد حكومة النحاس باشا، بينما بدأ تشغيله كمدرسة بعد الثورة لتلبية احتياجات القرية، التي لم تكن بها مدرسة آنذاك.
وأضاف أن المنزل كان يتكون من ثلاثة أقسام رئيسية، هي: السلاملك المخصص لاستقبال الرجال والضيوف، ويتميز بواجهاته وزخارفه المعمارية، والحرملك المخصص لإقامة السيدات، إلى جانب أربعة مخازن كبيرة كانت تستخدم لخدمة المنزل وإيواء الخيول، وكانت جميعها تقع داخل سور واحد.
وأشار إلى أن بعض أعمال الترميم التي نُفذت في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي لم تُراع الطابع المعماري الأصلي للمبنى، إذ أزيلت بعض الزخارف الجصية التي كانت تعلو الأبواب والنوافذ، واسُتبدلت بتشطيبات أسمنتية أفقدته جزءًا من قيمته الجمالية.
اقرأ أيضًا:النحت على قرون الجاموس.. حرفة نادرة تتحدى الاندثار في البحيرة
ترميمات عشوائية
يؤكد محمد نجيب زغلول أن أعمال الصيانة اللاحقة اقتصرت على إصلاحات بسيطة ودهانات ومحارات أسمنتية، دون تنفيذ ترميم أثري أو معماري يحافظ على العناصر الأصلية، وهو ما انعكس على حالته الحالية، وجعل الحفاظ على ما تبقى من ملامحه التاريخية أمرًا ضروريًا.
وأوضح أن المبنى شهد تغيرات عام 2014 تقريبًا، بعدما اُستغلت بعض ملحقاته في إنشاء مبانٍ خدمية ومدرسة جديدة داخل الموقع، مضيفًا أن المبنى القديم لم يعد مستخدمًا منذ سنوات، وأصبحت أجزاء منه، وفي مقدمتها السلاملك والحرملك، خالية، بينما استمر استخدام المساحات المحيطة كمرافق للمدرسة، تضم ساحات وملعبًا ومنشآت إضافية أقيمت داخل السور.
وأشار زغلول إلى أنه جرى تداول مقترحات في فترات سابقة لإزالة بعض المباني الملحقة أو إعادة تنظيم الموقع، مؤكدًا رفضه القاطع لأي اتجاه لهدم المبنى الأساسي أو المساس به، باعتباره جزءًا من التراث المحلي والتاريخ العائلي.
ويقول إن أسرة سعد زغلول تطالب حاليًا بتدخل الجهات المعنية، وفي مقدمتها جهاز التنسيق الحضاري، لمراجعة حالة المبنى وتقييم ما وصفه بالمعالجات غير الصحيحة التي تمت خلال فترات سابقة، تمهيدًا لوضع تصور علمي لترميمه والحفاظ عليه.
وأكد أن المبنى يتمتع بقيمة تاريخية ترتبط بمرحلة مهمة من تاريخ المنطقة وبسيرة الزعيم سعد زغلول، مشيرًا إلى الروايات التاريخية التي تربطه بزيارة الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1904، وهو ما يمنحه، بحسب قوله، قيمة تراثية إضافية تستوجب حمايته. وشدد زغلول على ضرورة وقف أي أفكار تتعلق بإزالة المبنى، والعمل على ترميمه وإعادة توظيفه بما يليق بقيمته التاريخية والمعمارية، مع الحفاظ على هويته الأصلية.
غير مسجل ضمن الآثار
يقول أحمد الخولي، مدير إدارة آثار فوة، إن منزل الزعيم سعد زغلول غير مسجل ضمن الآثار حتى الآن، موضحًا أن إجراءات التسجيل لم تستكمل لأسباب قانونية وإدارية، من بينها عدم استيفاء بعض الاشتراطات والأوراق المطلوبة في مراحل سابقة.
ولفت إلى أن عدم تسجيل المبنى لا ينتقص من قيمته التاريخية، إذ يمثل جزءًا مهمًا من ذاكرة المنطقة، ويحظى باهتمام واسع من أبناء مركز مطوبس. وأوضح أن المنزل يرجح تشييده في أوائل القرن العشرين لاستقبال الشخصيات الرسمية خلال تلك الحقبة، وتوجد روايات تربطه بالخديوي عباس حلمي الثاني، إلا أنه لا توجد وثائق تاريخية قاطعة تثبت إقامة سعد زغلول داخله أو استضافة الخديوي فيه، مشيرًا إلى أن بعض تفاصيل استخدامه لا تزال محل اختلاف بين الباحثين.
وأضاف الخولي أن المبنى يتكون من قسمين، أحدهما للإقامة والاستقبال، والآخر للحريم والخدم، وفقًا للطراز المعماري السائد آنذاك، قبل أن يستخدم لاحقًا مدرسة تابعة لوزارة التربية والتعليم، ثم يخرج من الخدمة بعد إنشاء مدرسة جديدة مجاورة.
وأشار إلى أن وزارة التربية والتعليم أبدت استعدادها لتسليم المبنى، إلا أن نقل تبعيته تعثر بسبب عدم وضوح موقف الملكية وغياب مستندات حصر الورثة أو تحديد الجهة المالكة بصورة نهائية، وهو ما حال دون استكمال إجراءات تسجيله أو تسلمه رسميًا.
اقرأ أيضًا: زمن «الكاسيت» في البحيرة.. كيف صنعت الأشرطة ذاكرة جيل كامل؟

تدهور حالته الإنشائية
يضيف الخولي أن جميع المخاطبات الواردة بشأن المبنى تؤكد تدهور حالته الإنشائية والحاجة إلى سرعة ترميمه، إلا أن كونه غير مسجل ضمن الآثار حال دون تدخل الجهات المختصة، رغم التأكيد المستمر على ضرورة الحفاظ عليه باعتباره مبنى ذا قيمة تاريخية.
وكشف أنه تقدم بمقترح لتسجيل المنزل لدى جهاز التنسيق الحضاري باعتباره مبنى ذا قيمة تراثية، وبالفعل زارت لجنة فنية الموقع خلال العام الماضي، وبدأت إجراءات إدراجه ضمن المباني ذات الطابع المعماري والتراثي، مؤكدًا أن الملف وصل إلى مراحله النهائية.
وشدد على أن الهدف لا يقتصر على تسجيل المبنى، وإنما يمتد إلى ترميمه وإعادة استغلاله بما يضمن الحفاظ عليه، مقترحًا تحويله إلى مركز ثقافي أو قصر ثقافة أو أي مرفق عام يخدم المجتمع.
وأوضح أن المبنى يعود إلى أوائل القرن العشرين، وينتمي تصميمه إلى الطرز المعمارية الأوروبية التي انتقلت إلى مصر، خاصة من إيطاليا وفرنسا، خلال عهد أسرة محمد علي، مؤكدًا أن قيمته لا تقتصر على عناصره المعمارية، وإنما تنبع أيضًا من ارتباطه بمرحلة تاريخية مهمة وشخصيات عامة، وهو ما يمنحه قيمة توثيقية وتراثية تستحق الحماية.
ونوه الخولي بأنه لا توجد اعتراضات من الجهات المعنية أو أهالي القرية على تسجيل المنزل ضمن المباني التراثية، لافتًا إلى وجود توافق على أهمية الحفاظ عليه وإعادة توظيفه، بدلًا من تركه عرضة للإهمال والتدهور. واختتم بالتأكيد على أن إجراءات التسجيل تسير بالتنسيق مع الجهات المختصة، معربًا عن أمله في الانتهاء منها تمهيدًا لبدء أعمال الترميم وإعادة استغلال المبنى.
اقرأ أيضًا:مسجد أبو مندور برشيد.. مئذنة عثمانية تروي حكايات التاريخ والموروث الشعبي





