دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان

شكّل «مقهى المسيري» في دمنهور واحدا من أبرز الملتقيات الثقافية في مصر، حيث لم يكن مجرد مكان لاحتساء المشروبات، بل فضاء يجمع بين الأدباء والمفكرين والفنانين على اختلاف اتجاهاتهم، لتتحول جلساته إلى مناقشات فكرية وندوات غير رسمية أثرت الحياة الثقافية لعقود طويلة. وقد ارتبط اسم المقهى بتاريخ حافل من الحراك الأدبي، إذ كان مقصدا لعدد من كبار المثقفين، قبل أن يتم إغلاقه من جانب ملاكه الجدد.

 الأديب القهوجي وملتقى لمثققي مصر

يقول الباحث خالد معروف إن مقهى رمسيس الشهيرة بمقهى المسيري بشارع الأميرة فوقية، المعروف بشارع (23يوليو)، كانت مملوكة لإخوة المسيري. وكانت أحد أهم معالم المدينة وعنوانا لمثقفي مصر.

وقد ارتبط شهرة المقهى باسم الأديب عبد المعطي المسيري، أو كما أطلقوا عليه “الأديب القهوجي”. وقد افتتح المقهى محمد المسيري في عشرينيات القرن الماضي. بينما استطاع عبد المعطي المسيري -المؤسس الحقيقي للمقهى- أن يحوله من مجرد مكان لاحتساء الشاي والقهوة وإبرام الصفقات التجارية إلى منبع إشعاع ثقافي وحضاري وأدبي. حتى نافس في شهرته المقاهي الكبرى في مصر، وكانت ملتقى لعمالقة الأدب والصحافة والسياسة والفن.

كما كان ملتقى لرواد الفكر والأدب والثقافة في دمنهور ومحافظة البحيرة، ولعب دورا مهما في الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني. وكان مقرا لجمع التبرعات لمساعدة الجيش المصري خلال حرب فلسطين الأولى عام 1948.

مقهى المسيري.. تصوير: محمود دوير
مقهى المسيري.. تصوير: محمود دوير
محمد أنور السادات وتوفيق الحكيم في مقهى المسيري

كانت المقهى من أهم منابع الإشعاع الثقافي والأدبي في دمنهور خلال حقبة الثلاثينيات وحتى ستينيات القرن الماضي. حيث كانت تعقد فيه الندوات واللقاءات الأدبية والثقافية. كما شهد تأسيس جمعية أدباء دمنهور عام 1957، بحضور أنور السادات موفدا من الرئيس جمال عبد الناصر. بعد رسالة أرسلها عبد المعطي المسيري للرئيس مطالبا بضرورة الاهتمام بنشر الثقافة في الأقاليم. وألا تكون العاصمة هي محور اهتمام الدولة.

ويضيف خالد معروف أن “قهوة المسيري” من المقاهي التي زارها عدد من عمالقة الأدب والصحافة ورواد القصة. وجلسوا بين جنباتها واستلهموا من شخصياتها وروادها ملامح أفكارهم وكتاباتهم. ومن أبرز من زاروها: يحيي حقي، وتوفيق الحكيم، وزكي مبارك، وأنور السادات، ومحمود أمين العالم، وأمين يوسف غراب، وخيري شلبي، ورجب البنا، وياسين الفيل، ويوسف القعيد.

من جانبه، يقول الباحث كامل رحومة إنه اهتم بمقهى المسيري بعد أن تعرف عليه من خلال كتابات الدكتور عبد الوهاب المسيري. مؤكدا أن أثره في الثقافة العربية فائق ومهم جدا، مشيرا إلى أن أبرز ملامحها يتمثل في صاحبها ومؤسسها الأديب “القهوجي” عبد المعطي المسيري، الذي علم نفسه بنفسه، وأصبح أحد أهم أدباء جيله.

ميلاد “يوميات نائب في الأرياف” 

عن تحول المقهى من مجرد “قهوة” إلى واحدة من أشهر المقاهي الثقافية، أوضح رحومة أن ذلك يرجع إلى تعرف المسيري على توفيق الحكيم، الذي كان يعمل وكيلا للنيابة آنذاك، حيث كان يجلس في المقهى يكتب رواية “يوميات نائب في الأرياف”. ومن خلال العلاقة التي جمعت بين المسيري والحكيم، حدث تحول كبير في وعى عبد المعطي المسيري وطبيعة المقهى ذاته.

ويضيف رحومة أن مقهى المسيري  مدرسة شاملة في الأدب والثقافة والسياسة. وكان من أبرز رواده عمر بطيشة، وإسماعيل الحبروك، وعلي شلش، وأمين يوسف غراب، واستمر تأثيره ممتدا حتى جيل سيد إمام وصلاح اللقاني ورضا إمام. وأشار إلى أن المقهى أغلق في السنوات الأخيرة. معربا عن أسفه لذلك، معتبرا أن الإغلاق جاء نتيجة توجهات لا تقدر الجمال والثقافة. وهيمنة رأس المال غير الواعي، الذي كان سببا مباشرا في إنهاء دور المقهى تحت دعوى التحديث.

من جانبه، يقول الكاتب محمد اللبودي إن تأثير مقهى المسيري على الحياة الثقافية ارتبط بالسياق التاريخي لتلك المرحلة. التي لم تكن تتوافر فيها أماكن ثقافية رسمية، فكانت اللقاءات الأدبية تعقد في منازل كبار الأدباء والمثقفين. وأضاف أن المقهى كان البديل والمتاح، واستمر يؤدي دورا مهما حتى أسهم وجيه أباظة، أول محافظ للبحيرة بعد ثورة 23 يوليو، في تأسيس جمعية الأدباء. لتكون أول مؤسسة أهلية ذات دعم رسمي تجمع الأدباء في المحافظة.

دوره في حربي 1956 و1967

يشير اللبودي إلى أن دور مقهى المسيري تجاوز الجانب الأدبي إلى أدوار اجتماعية وثقافية وسياسية. وظهر ذلك خلال أحداث عامي 1956 و1967. ولفت إلى أن المقاهي الثقافية كانت ذات تأثير كبير في تلك الفترة، حين لم تكن هناك مؤسسات ثقافية تجمع الأدباء. موضحا أن طبيعة المقاهي تغيرت لاحقا وأصبحت أكثر ازدحاما وضجيجا، ولم تعد مهيأة للقيام بالدور الأدبي والثقافي.

ويقول محمد مصطفى البسيوني، مدير فرع ثقافة البحيرة، إن مقهى المسيري يمثل تاريخا عريقا في مدينة دمنهور. وكان يجمع رموز الثقافة والأدب في مصر خلال عقود طويلة. وأضاف أنه في مرحلة لاحقة تحول من مقهى ثقافي إلى مقهى عادي يرتاده التجار وأصحاب الحرف. مشيرا إلى أنه مع بداية عام 2003 شرع فرع ثقافة البحيرة في إنشاء مكتبة ثقافية ضمت نحو 5000 كتاب، واستمرت لمدة ثلاث سنوات. وشهدت فعالية ثقافية واحدة شارك فيها الدكتور عثمان عسل، محافظ البحيرة الأسبق، والكاتب الصحفي، رجب البنا، وأدراها الكاتب والمترجم الراحل سيد إمام. لكنها لم تستمر بسبب التغير الكبير في طبيعة رواد المقهى.

نجيب محفوظ ولويس عوض ومحمد مندور

عن دور المقهى وتأثيره في الحياة الثقافية، يقول الكاتب الصحفي رجب البنا إن مقهى المسيري لم يكن مقهى تقليديا بالمعنى المعروف، مشيرا إلى أن مؤسسه عبد المعطي المسيري لم ينل ما يستحقه من تقدير حتى الآن. رغم أنه لم يحصل على قدر من التعليم الرسمي، إلا أنه كان أحد الأدباء البارزين. وكان يكتب مقالات يعارض فيها طه حسين والعقاد.

وأضاف البنا أنه تعرف للمرة الأولى على نجيب محفوظ، ويحيي حقي، ولويس عوض، والدكتور محمد مندور من خلال مقهى المسيري. حيث كانت هذه الأسماء الكبيرة تتردد عليه، لشعورهم بأن دمنهور تحتضن تجربة ثقافية متميزة وجيلا جديدا من الأدباء والمفكرين. وأكد أنه كان واحدا من روادها، مشيرا إلى أنه لم تتكرر حتى الآن حالة الفوران الثقافي التي صنعها المقهى داخل دمنهور.

فيما يقول عبده البولاقي، أحد سكان شارع 23 يوليو، إنه عاصر الحاج سعيد المسيري، نجل الراحل عبد المعطي، موضحا أن المقهى كان يضم رموز المدينة وصفوتها. إلى جانب عدد من الأدباء والمثقفين، وكان المحافظ الأسبق وجيه أباظة كثيرا ما يزور المقهى.

ويضيف جميل عصافير، من سكان دمنهور، أن مقهى المسيري من علامات المدينة، مشيرا إلى أنه نظرا لأهميته، أنشأت الهيئة العامة لقصور الثقافة مكتبة داخل المقهى، وتم تكليف مجموعة من العاملين لتقديم خدمة ثقافية لسكان الحي، وظل ذلك لعدة سنوات. وعبر عصافير عن حزنه بسبب غلق المقهى بعد أن قام الورثة ببيع العقار، لينتهي معه حكايات وذكريات ما تزال حية في قلوب من شهدوا على زمنها الجميل.

اقرأ أيضا:

رائحته تعلن قدوم العيد.. «سوق الفسيخ» ذاكرة العيد المتجددة في دمنهور

«الفسيخ والرنجة».. طقس العيد الذي لا يغيب عن موائد الصعيد كل عام

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.