دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«هوية الأديرة المصرية».. رحلة في تاريخ مصر المسيحي

لم تكن الأديرة المسيحية في مصر مجرد أماكن للعزلة الروحية، بل كيانات متكاملة شكلت الهوية الدينية والثقافية والمعمارية للمصريين. فقد عكست تنوع العبادات والطقوس الدينية، فمن الصحراء نجد الأديرة القبطية بطابعها البسيط المحصن، التي تحمل روحانية وطقوسا ثابتة، وزيًا رهبانيًا أصبح علامة مميزة للهوية القبطية. وفي المقابل، ظهرت أديرة أخرى متأثرة بالتقليد البيزنطي والمدارس المسيحية المختلفة، متشابهة في المظهر، لكنها تختلف في الجوهر. وبين الاعتراف الكنسي والتاريخ المسكوت عنه، تظل الأديرة شواهد حية على تعدد الهويات الدينية، وتداخل العمارة والطقس والرمز في صياغة الوجود الرهباني في مصر عبر العصور.

نشأة الرهبنة في مصر

كانت مصر المهد الأول للرهبنة المسيحية، التي بنيت على المبادئ الإنجيلية والروحانية الأساسية. سعى الرهبان إلى الانفصال عن صخب المجتمع، واعتمدوا على التنسك والزهد والتعبد. يوضح أمير نصر في كتابه “كلمة في الرهبنة”: “كانت كلمة الرهبنة في البدايات الأولى تعنى حياة العزلة والانفراد والوحدة الكاملة. ثم استخدمت للتعبير عن حياة الكنوبيون أو الشركة بين النساك، عندما أسس الأنبا أنطونيوس الكبير أول تجمع رهباني عام 305. وأيضا الأنبا باخوميوس أول دير عام 318”.

مع مرور الوقت، تشكلت الرهبنة القبطية في هيئتها الحالية عبر مراحل: العزلة والانفراد، الجماعات الرهبانية، الشراكة الرهبانية، التي شهدت بناء الأديرة بالمعنى المتعارف عليه. حيث عاش الرهبان معا وفق أنظمة وقوانين ثابتة، مزاولين الأعمال والحرف والصناعات بجانب الحياة النسكية. وتمثلت خصائص الرهبنة المصرية في ثلاثة أبعاد: البعد النسكي حيث الزهد في كل شيء، والبعد التعليمي والثقافي. حيث الأب المعلم والمرشد لأولاده، والبعد التنموي اقتصاديًا واجتماعيًا.

دير مار جرجس بمصر القديمة.. الصورة مشاع إبداعي
دير مار جرجس بمصر القديمة.. الصورة مشاع إبداعي
تاريخ المسيحيين في مصر

وفق كتاب “الأديرة الأثرية في مصر” لـ”والترز”: “عندما ولد السيد المسيح كانت مصر ولاية رومانية منذ قرابة 30 عامًا. وهو الوقت الذي أنهى فيه جيش أوكتافيان حقبة الحكم المقدوني الإغريقي الذي بدأه الإسكندر سنة 332 ق.م. وكانت البلد التي استولى عليها أوكتافيان تمثل خليطا غريبًا. ففي الجانبين السياسي والاجتماعي كانت العناصر الأجنبية تحتل المصريين الوطنيين. مع التفرقة العنصرية التي مارسها البطالمة الأوائل واستحكمت مع مضي الزمن.

ولكن الفصل بين القسمين داخل المجتمع ظل عاملاً ثابتًا في الحياة الاجتماعية. ونظمت الإدارة حسب الخطوط الإغريقية لمصلحة الطبقات الحاكمة من غير المصريين. وعلى مستوى اللغة، استوعبت الثقافة البطلمية الكثير من المعالم ذات الأهمية لثقافة مصر. وظهر ذلك بوضوح في المباني والممارسات الدينية ومعدات الحرف المصرية التي أقرها الحكام، الذين حاولوا بذلك إظهار أنفسهم كخلفاء شرعيين للخط القديم”.

الروم والأقباط الأرثوذكس

احتوت مصر على فئتين من المسيحية: القبط الأرثوذكس وهم المصريين، والروم الأرثوذكس وهم البيزنطيين. وكان اضطهاد الروم للأقباط ناتج عن صراع ديني وسياسي طويل الأمد، تفاقم بعد مجمع خلقيدونية عام 451م. حين رفض الأقباط العقيدة الخلقيدونية التي تبنتها الإمبراطورية البيزنطية. فاعتُبروا هراطقة، وتعرضوا لسياسات قمع ممنهجة.

ومن ثم سعى البيزنطيون إلى فرض عقيدتهم بالقوة. ما أدى إلى نفي باباوات الكنيسة القبطية، وإغلاق الأديرة، واضطهاد الرهبان، وحرمان الأقباط من إدارة شؤونهم الدينية. وقد وثق ذلك يوحنا النيقوسي في مخطوطاته وساويرس بن المقفع.

مع مطلع القرن السابع، تصاعد الغضب القبطي وتحول إلى ثورات ضد الحكم البيزنطي. أبرزها ثورة الوجه البحري في عهد الإمبراطور موريس. حيث تمكن الأقباط من طرد القوات البيزنطية والسيطرة على الإقليم وقطع إمدادات القمح، قبل أن يتم قمعها ويقتل قادتها، وحرق كنائسها وأديرتها.

فوضى وصراعات لاهوتية

جاءت هذه الأحداث بالتزامن مع حالة فوضى داخل الإمبراطورية البيزنطية نفسها، نتيجة الصراعات اللاهوتية والانقسامات السياسية. ما أدى إلى سقوط موريس عام 602م وصعود فوقاس، ودخول القسطنطينية في دوامة من العنف وعدم الاستقرار. نتج عنها اضطرابات في إضعاف الدولة البيزنطية. وتمهيد الطريق للغزو الفارسي لمصر والشام، ثم العربي لاحقًا.

ومع ازدياد الخلاف العقائدي بين الكنيسة القبطية اللاخلقيدونية والكنيسة البيزنطية الخلقيدونية، وما نتج عنه من اضطهادات سياسية ودينية بعيدة، لم تقتصر الأديرة القبطية على كونها أماكن للنسك والعبادة. بل أصبحت ملاذا آمنا لحفظ الإيمان والهوية القبطية. ففي ظل نفي البطاركة، وإغلاق الكنائس، وملاحقة الكهنة والرهبان، أصبحت الصحراء مجالًا بديلًا للحياة الكنسية. حيث ازدهرت الأديرة باعتبارها فضاءً مستقلًا عن السلطة الإمبراطورية. حافظ فيه القبط على طقوسهم وعقائدهم وتقاليدهم بعيدًا عن الكنيسة البيزنطية.

من ثم جسدت هذه الأديرة المقاومة الصامتة المتمثلة في الانسحاب إلى الصحراء حفاظًا على الإيمان والهوية. ومن هذا المنطلق، أصبحت مؤسسات دينية وثقافية تعبت دورًا محوريًا في استمرار الكنيسة القبطية. وفي تمايزها عن النموذج البيزنطي، سواء في العمارة والطقس وأسلوب الحياة الرهبانية. ومع مرور الزمن وحتى وقتنا الحالي، أصبح للأديرة القبطية 3 أنواع: أديرة أثرية، أديرة حديثة أو مُعترف بها حديثًا. وأديرة غير خاضعة للكنيسة ومرفوضة. وذلك وفقًا لموقع الأنبا تكلا هيمانوت الخاص بتراث الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

دير سانت كاترين.. الصورة مشاع إبداعي
دير سانت كاترين.. الصورة مشاع إبداعي
أشكال الأديرة في مصر

اتخذت هذه الأنواع أشكالا متعددة، وتمتلك مصر ما يقرب من 180 ديرا معترفا به. وذلك وفقًا لدراسة مركز طارق والي بعنوان “الأديرة القبطية: شواهد من تاريخ مصر لرصد وتوثيق التراث المعماري للأديرة القبطية في مصر”، والتي شملت:

  • أديرة أثرية: مثل دير سانت كاترين في سيناء، دير القديس الأنبا بولا في البحر الأحمر، دير مارجرجس بالفيوم، دير أبوللو باويط في ديروط.
  • أديرة معترف بها من المجمع المقدس: مثل دير السيدة العذراء والقديس مكاريوس أبو مقار. دير الأنبا بيشوي، دير السيدة العذراء في وادي النطرون، دير مارجرجس ومارقريوس أبو سيفين في مصر القديمة. دير السيدة العذراء ومار جرجس في حارة زويلة، دير الأمير تادروس في حارة الروم. ودير الأنبا أنطونيوس في البحر الأحمر.
  • أديرة غير معترف بها: وهي التي لا تخضع للكنيسة القبطية الأرثوذكسية من حيث الإشراف المالي أو الروحي أو الكنسي. أو التي لا تحتوي على حرم الدير ومشتملاته، أو لا يلتزم رهبانها بالزي المعترف به. مثل دير السيدة العذراء والأنبا كاراس بوادي النطرون، دير الريان، دير الزيتونة، دير السلام، دير الأنبا الحبيب، دير عمانوئيل، ودير متاؤس الفاخوري.
الفرق بين الكنيستين

تتجلى الفروق الجوهرية بين الكنيسة القبطية والبيزنطية في العقيدة أكثر من الطقس. إذ تؤمن الكنيسة القبطية بالطبيعة الواحدة للمسيح بعد الاتحاد، فيما تؤمن الكنيسة البيزنطية بعقيدة الطبيعتين. هذا الاختلاف أدى إلى انقسام الكنيسة ونفي البابا ديوسقورس واضطهاد الأقباط، مع وجود تفاوت أيضًا في التقاليد والطقوس والأزياء والعمارة.

زي الرهبان في الكنيسة القبطية.. الصورة مشاع إبداعي
زي الرهبان في الكنيسة القبطية.. الصورة مشاع إبداعي
العمارة القبطية

تتميز الكنائس والأديرة القبطية بعناصر معمارية مستوجاة من المعابد المصرية القديمة. وغالبا ما تكون موازية أو متعامدة على نهر النيل، بحيث يقع الهيكل الرئيسي في الطرف الشرقي. يتكون الصحن من صحن مركزي يحيطه جناحان. ويفصل بين هذه الأجزاء الثلاثة صف من الأعمدة بطول الصحن. يرتفع الهيكل عن الخورس بحوائط حجرية معقودة. بينما تظل المعمودية ثابتة في موقعها. نظام الإضاءة يعتمد على النوافذ بما يتناسب مع الحاجة للضوء.

ويشير دكتور جلال أبو بكر في كتابه “الفنون القبطية”: “ما يميز الكنيسة المصرية وجود عدة هياكل في النهاية الشرقية، يختلف عددها وإن كانت في الغالب ثلاثة، مع جناح غربي ملتف. وتصميم صحن مستطيل من الأعمدة، ووجود أحجبة خشبية، ومذبح، وعمود قبطي”.

الأزياء الكنسية في مصر

لا يقتصر تميز المسيحيين الأقباط على العمارة فقط. بل يشمل أيضا الزي الكنسي الذي يلعب دورا محوريا في تمييز الهوية الدينية والثقافية للأديرة والكنائس المصرية. حيث تتنوع تطريزاته بين رموز مثل السيرافيم أو الملائكة، الصليب القبطي، الكرمة، الطاووس القبطي، الشريط القبطي، النيمبوس، الأرابيسك.

اقرأ أيضا:

احتفالا بأعياد الميلاد.. المتحف القومي للحضارة يفتح أبوابه لمعرض «روح ومحبة»

«هالة فودة»: التلي أصعب أنواع التطريز.. والأزياء المصرية في حاجة لفرض نفسها في السوق

«التراث بين السطور».. شهادات تكشف دور الصحافة في إنقاذ المباني الأثرية

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.