دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

مسجد أبو مندور برشيد.. مئذنة عثمانية تروي حكايات التاريخ والموروث الشعبي

على ربوة مرتفعة تطل على نهر النيل في مدينة رشيد، يقف «مسجد أبو مندور» مطلًا على قرون طويلة من التاريخ والتراث الديني والحضاري. ويُعد المسجد واحدًا من أبرز المعالم الإسلامية بالمدينة، إذ يجمع بين القيمة الأثرية والروحانية في آن واحد، كما يمثل مقصدًا للزائرين والباحثين عن عبق التاريخ وسحر العمارة الإسلامية.

تحمل جدران المسجد ومئذنته العثمانية حكايات ممتدة عبر مئات السنين، فقد ارتبط اسمه بالسيد محمد أبو مندور، الذي ترك أثرًا كبيرًا في نفوس أهالي المنطقة منذ قدومه إليها قبل أكثر من ألف عام. وبفضل موقعه المتميز وإرثه التاريخي، أصبح المسجد أحد أهم المزارات الدينية، كما يمثل نموذجًا فريدًا لتداخل التاريخ بالدين والتراث الشعبي، إذ لم يقتصر دوره على أداء الشعائر الدينية فحسب، بل ارتبط أيضًا بالعديد من الروايات والمعتقدات الشعبية التي تناقلتها الأجيال، مما أكسبه مكانة خاصة في وجدان أبناء رشيد وزائريها.

من هو السيد أبو مندور؟

يُعد مسجد أبو مندور أحد المعالم الدينية التاريخية العريقة، إذ أُنشئ لأول مرة في القرن العاشر الميلادي، ثم أُعيد بناؤه بشكله الحالي في القرن التاسع عشر الميلادي. ولا يمثل المسجد قيمة أثرية كبيرة فحسب، بل يحتل أيضًا مكانة تراثية وروحانية متميزة، إذ يُعد مزارًا دينيًا وسياحيًا يقصده الزائرون من مختلف أنحاء مصر.

وأكد أحمد حبالة، مدير آثار رشيد، أن مسجد أبو مندور يُعد أحد المساجد الأثرية الشهيرة بمدينة رشيد، وهو واحد من بين 12 مسجدًا أثريًا تزخر بها المدينة، ويمثل نموذجًا مميزًا للعمارة الإسلامية.

وأضاف أن المسجد يُنسب إلى السيد محمد أبو مندور، الذي يرجع نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء، موضحًا أنه قدم من العراق إلى منطقة رشيد عام 945م تقريبًا، حيث أقام بها نحو 11 عامًا، وعمل على تعليم الأهالي أمور دينهم ودنياهم، وإمامتهم في الصلاة، حتى توفي في هذا المكان.

وأشار حبالة إلى أن المسجد أقيم في الأصل فوق ربوة مرتفعة، إلا أنه تعرض للهدم مع مرور الزمن، قبل أن يُعاد بناؤه خلال عهد عباس حلمي الثاني عام 1312هـ، تنفيذًا لنذر والدته، التي تعهدت بإعادة بناء المسجد بعد تعافي نجلها من المرض في صغره.

مئذنة على الطراز العثماني

يوضح مدير آثار رشيد أن أبرز ما يميز المسجد مئذنته ذات الطراز العثماني، التي تختلف عن معظم مآذن مساجد رشيد التاريخية، التي يغلب عليها الطراز المملوكي، ما يجعل مسجد أبو مندور نموذجًا فريدًا يعكس السمات المعمارية للمساجد المصرية خلال الحقبة العثمانية، فضلًا عن موقعه المميز، الذي جعله شاهدًا على تاريخ المدينة وتراثها الحضاري.

وأشار إلى أن السبيل هو منشأة مخصصة لتوفير مياه الشرب للمارة، ويرتبط عادة بصهريج أو خزان تجمع فيه المياه. وقد جاءت تسمية السبيل من “تسبيل الماء”، أي جعله متاحًا للناس على سبيل الصدقة والخير. وتُعد الأسبلة من المنشآت الاجتماعية والخيرية التي انتشرت في المدن الإسلامية، حيث كانت تُقام في واجهات المساجد أو المنازل أو المباني العامة، ليشرب منها المارة وعابرو السبيل.

وكانت هذه المنشآت تؤدي دورًا مهمًا في خدمة المجتمع وتوفير المياه مجانًا للمحتاجين والمسافرين. أما من حيث الطراز المعماري، فقد تميزت الأسبلة بعناصر زخرفية وفنية متنوعة، واختلفت أشكالها تبعًا للعصر والمنطقة التي أنشئت فيها، مع الحفاظ على وظيفتها الأساسية المتمثلة في توفير المياه للناس.

اقرأ أيضًا:النحت على قرون الجاموس.. حرفة نادرة تتحدى الاندثار في البحيرة

أعمدة من الرخام الأبيض

يمتاز المسجد بطراز معماري فريد، حيث تقوم أروقته على باكيات خشبية تستند إلى عقود مدببة، بينما ترتكز أعمدته على الرخام الأبيض، وتتزين بتيجان مقرنصة وبصلية الشكل.

ويُعد المحراب من أبرز عناصره الجمالية، إذ يقوم على عمودين من الرخام، ويتميز بتفاصيل زخرفية دقيقة تجمع بين الجمال والدقة الفنية. أما المنبر، فهو مصنوع من الخشب المنحوت بعناية، ومطعم بزخارف نجمية وهندسية معقدة تعكس مهارة فائقة في التنفيذ.

 مسجد أبو مندور برشيد.. تصوير: محمود دوير
مسجد أبو مندور برشيد.. تصوير: محمود دوير
زخارف جصية ونقوش بارزة 

يتكون المسجد من ثلاثة مداخل رئيسية: شرقي، وغربي، وشمالي، تتميز جميعها بروعة التصميم ودقة البناء، حيث استخدم فيها العقد المدائني، إلى جانب الزخارف الجصية والنقوش البارزة. وعلى أحد هذه المداخل يوجد النص التأسيسي للمسجد، الذي يشير إلى أن المسجد أنشئ في عهد عباس حلمي الثاني عام 1312هـ.

وعن السيد محمد أبو مندور، أشار حبالة إلى أنه من المنتسبين إلى آل البيت، ولذلك يحظى بمكانة خاصة ومحبة كبيرة لدى كثير من الناس، الذين يكنون تقديرًا واحترامًا لآل البيت ومن ينتسب إليهم.

اقرأ أيضًا: زمن «الكاسيت» في البحيرة.. كيف صنعت الأشرطة ذاكرة جيل كامل؟

حكايات ومعتقدات شعبية 

لفت حبالة إلى أن الروايات الشعبية المتوارثة تشير إلى أن مقام أبي مندور كان مقصدًا للنساء اللاتي تأخر إنجابهن، حيث كن يتوجهن إليه بالدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يرزقهن الذرية الصالحة. وقد شاع بين الأهالي أن كثيرًا من هؤلاء النساء استجيب دعاؤهن ورزقن بالأبناء، مما عزز مكانة المقام في الوجدان الشعبي. ومع مرور الوقت أصبحت زيارة مقام أبي مندور عادة متوارثة، لا تقتصر على أهالي مدينة رشيد فحسب، بل تمتد لتشمل الزائرين من القرى والمناطق المحيطة.

بئر المسجد

آوضح مأمون محمد، عامل المسجد، أن البئر الموجود داخل المسجد قديم جدًا، وكان الناس في الماضي يعتمدون عليه في استخراج المياه، إذ لم تكن توجد مصادر أخرى للمياه العذبة في المنطقة، نظرًا لملوحة مياه النيل هناك نتيجة اختلاطها بمياه البحر المتوسط. وأضاف أن الأهالي كانوا يستخدمون مياه البئر للشرب والاغتسال والوضوء.

وعن عمق البئر، أكد أنه يبلغ نحو ستة أمتار، وأن مياهه تأتي من الطبقات المائية القريبة من البحر، وتمتاز بالنقاء، لذلك كان يفد إليها زوار من القاهرة والإسكندرية ومناطق أخرى للاستفادة منها، حيث كانوا يشربون منها، ويغتسلون، ويتوضؤون بمائها.

وأشار إلى أن المنطقة في الماضي لم تكن تتوافر بها مصادر مياه كافية، لذلك مثل هذا البئر مصدرًا مهمًا للمياه العذبة، وأسهم في تلبية احتياجات السكان والزائرين على حد سواء. ويقدر عمره بما يتراوح بين 800 و900 عام تقريبًا.

اقرأ أيضًا:حين غنت الجماهير.. كيف وثقت الأغنية تاريخ الكرة المصرية؟

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.