«صالح رياض».. حكاية حرفي يضيء البيوت والكنائس بالمجسمات القبطية
في إحدى القرى الهادئة بمحافظة أسيوط، وتحديدًا بقرية «كوم أبو حجر» بمركز صدفا، تختبئ ورشة صغيرة لا تتجاوز مساحتها خمسة أمتار، لكنها تحمل بين جدرانها إرثًا روحيًا خاصا. وسط رائحة الجبس ورنين الأدوات المعدنية، تتجسد ملامح ومجسمات للسيدة مريم العذراء، والسيد المسيح، وعدد من القديسين، في قطع صغيرة صُنعت بيد الحرفي «صالح عادل رياض»، الذي يمنح الجماد حياة تتجاوز حدود المادة.
رحلة صاحب المهنة
داخل ورشته يجلس صالح رياض، 40 عاما، من مواليد قرية أولاد إلياس التابعة لمركز صدفا، يرفع بصره فوق قطعة جبس لم تكتمل بعد ويقول بثقة:
“دي مش شغلة عادية.. ده إيمان بنصنعه بإيدينا”، تكسو يدي صالح طبقة من الجبس الأبيض بينما يعمل بتركيز على ثنيات رداء السيدة مريم العذراء، وإبراز ملامحها الهادئة. لم تكن رحلته سهلة. فبعد حصوله على دبلوم التجارة، غادر قريته باحثًا عن فرصة عمل كغيره من شباب الصعيد، ليجد نفسه لاحقا يعمل في النقاشة. ومع مرور الوقت تعلم تفاصيل المهنة بجهد يومي وصبر طويل، وتحولت الحرفة اليومية إلى شغف حقيقي له.
أدوات النقاشة كانت بوابته الأولى لفهم فن الجبس وتجسيده. وبعد سنوات من الغربة، عاد إلى قريته “أولاد إلياس” وافتتح ورشته الحالية بإحدى القرى المجاورة قبل 16 عامًا، معتمدًا على خبرته وما اكتسبه من مهارة.
ومنذ ذلك الحين، بدأ صالح في تصميم المجسمات المقدسة من تماثيل السيدة مريم العذراء، السيد المسيح، والعديد من القديسين. مثل مار جرجس، مينا العجايبي، مرقوريوس، مارثا، الشهيدة دميانة، والأنبا أنطونيوس. إلى جانب ديكورات جبسية دقيقة، ليصبح واحدًا من أبرز صناع هذا الفن في أسيوط.
مراحل تكوين المجسمات الفنية
يقول صالح إن الرحلة تبدأ بصناعة القوالب المطاطية بنفسه، وهي المرحلة الأولى لإخراج الأشكال المطلوبة. بعد تجهيز خليط الجبس وتحديد سماكته، يُسكب بعناية داخل القالب ويترك حتى يجف.
مع خروج المجسم إلى النور تبدأ المرحلة الثانية، الأكثر دقة. حيث تُنعم الحواف وتُثبت التفاصيل الدقيقة. ثم تأتي مرحلة التلوين باستخدام ألوان زيتية تمنح القطعة طابعًا خاصا ودفئًا وروحًا. ويضيف: “أهم خطوة هي الملامح.. ودي لازم تطلع بريحة المكان وبركة الصعيد”.
في نهاية يوم طويل، تتراص عشرات المجسمات على رفوف خشبية داخل الورشة، تنتظر أن تجف قبل عرضها للبيع. تختلف الأسعار بحسب حجم المجسم وتفاصيله، فالقطعة الكبيرة يختلف ثمنها عن الصغيرة، وفق رغبة المشتري.
كما أن وجود الورشة في قرية سكانها جميعهم من الأقباط، يسهل عملية البيع. فالسكان جميعهم محبون للأشكال الفنية، ويطلبون أحيانا تنفيذها خصيصا لهم. تضم القرية نحو ثلاث كنائس من طوائف مختلفة، لكن جميعهم يحرصون على اقتناء الأعمال الفنية التي تصنع بالورشة.
البيع في مواسم الأعياد
يشير رياض إلى أن زوار الورشة يأتون من مناطق بعيدة، خاصة قبل مواسم الأعياد مثل أعياد الميلاد المجيد. فالقطعة هنا ليست مجرد عمل فني، بل رمز روحي يعلق في البيوت والكنائس، ويقدم كهدية تحمل معنى البركة.
وتتنوع الأعمال بين مجسمات للسيدة مريم والسيد المسيح بأحجام مختلفة. إلى جانب أشكال مثل تاج المسيح، ومجسمات تجمع العذراء والمسيح معا، وتماثيل القديسين التي يقبل الأقباط على اقتنائها بكثرة. لكن الحرفة تواجه تحديات عدة، أبرزها ارتفاع أسعار المواد الخام، وقلة الشباب الراغبين في تعلمها، ويؤكد رياض: “دي مهنة من تراثنا، ونحاول الحفاظ عليها من الاندثار”.
روح الأماكن المقدسة
لا تباع هذه القطع للزينة فقط، بل تحمل طابعا روحيا خاصا، فتعلق في البيوت، والكنائس، وحتى الشرفات خلال الاحتفالات. وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، تظل هذه الورش الصغيرة نموذجا لمقاومة النسيان.
لكن داخل هذه القرية الصغيرة، تستمر حكاية حرفة يدوية تحافظ على روح المكان. وتحمل في ملامح العذراء والمسيح رسالة سلام لا تستطيع الآلات الحديثة صناعتها. بعد أن التهمت عشرات المهن اليدوية والتراثية التي كادت تختفي من حولنا.
اقرأ أيضا:
غرفة صغيرة وأحلام كبيرة.. تجربة «شيماء عز العرب» في صناعة الشموع
الأغاني الشعبية: رحلة اندثار تراث الأجداد خلف ضوضاء الدي جي
«مسجد اليوسفي» في أسيوط.. أربعة قرون من التاريخ انتهت تحت الجرافات







