بساتين القرافة.. ثروة خضراء مهددة

عندما تنجذب لجولة في ترب الإمام الشافعي، فالشعور الذي يتسلل إلى نفسك وأنت تمشي بين الأحواش، أنك في مكان “يرد الروح”، تشعر فيه بإحساس مكثف من “الونس”. هواء عليل ونسيم رقيق يستقبلك، تبحث عن ظل شجرة فتجد أشجار مختلفة الألوان تظلل عليك في حنو بالغ. تضم القرافة ثروة من الأشجار التراثية التي يعود بعضها ربما إلى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي ثروة خضراء غير مكتشفة ولا مدروسة بالشكل الأمثل، ولا يوجد إحصاء يفرز المهم والنادر منها، ويفرد مظلة حماية على العناصر النباتية التراثية من أي عبث، ويكشف عن قيمتها التراثية بما يجب الحفاظ عليها بما يساعد في حفظ ذاكرة المنطقة ذات الطابع الفريد.

عند الحديث مع عدد من المهتمين بالقرافة أمثال الباحثين عبد العظيم فهمي ومصطفى الصادق وكريم بدر، وهم من أبرز موثقي القرافة، لفتوا النظر إلى تنوع أشجار جبانات القاهرة، وحضورها القوي والراسخ الذي يستكمل اللوحة الملونة للجبانات، والتي تضم عناصر متكاملة ومتداخلة تصنع في النهاية جمالا لا يمكن وصفه بقدر الإحساس به، وتركه يتغلغل في المسام. الأشجار المتناثرة تبعث برسائل أصحاب الأضرحة الذين أرادوا أن يتحول المكان إلى بستان أو بساتين، قطعة مختلسة من الجنة على الأرض، فكان لهم على مدار قرون ما أردوا، فهل نستطيع أن نحافظ على أحد أهم مكونات الجبانات القاهرية والمتمثل في الغطاء الأخضر الذي كان يظلل القرافة كلها يوما؟ أم أننا سنضيعه تحت سطوة أحكام الإعدام المزاجية التي تطيح بكل أخضر في شوارع المحروسة؟

***

يتكرر استخدام مفردة البستان والبساتين في ما يخص جبانات القاهرة، عندما نبحر في الحاضر والماضي، سنجد أن هذه المفردة تعيش في تفاصيل الجبانات منذ اللحظة الأولى للتأسيس، فالأسطورة الافتتاحية لنشأة جبانة المسلمين الأولى شرقي الفسطاط، تقول إن اختيار الخليفة عمر والوالي عمرو لهذه المنطقة التي عرفت بالقرافة لدفن المسلمين الأوائل في مصر، يرجع لأنهما فسرا كلام المقوقس بأن المكان معد لغراس الجنة، وأن المقصود بغراس الجنة جماعة المسلمين، أي أن تصورا رومانسيا ظلل عملية الدفن في القرافة منذ البداية، بتشبيه موتى المسلمين بغرس في بستان.

ويُطلق مسمى البساتين، على الجزء الجنوبي الشرقي من جبانات القاهرة، أحد أحياء العاصمة الآن، مسمى يحيل إلى الحدائق والأشجار، لكنه حي مقابر بالأساس، فهو جزء أصيل من القرافة الكبرى وامتداداتها الجنوبية، رغم ذلك فالتسمية تعكس فلسفة ما، واقع عاشته المنطقة في يوم من الأيام، يتكرر المصطلح مرة أخرى لكن هذه المرة في الشمال شرقي القاهرة في ترب المجاورين التي لديها مسمى آخر أكثر شاعرية؛ “بستان العلماء”، هنا نلتقي مرة أخرى بمسمى البستان، فكرة شاعرية أخرى تُشبه مجاوري الأزهر بزهر البساتين، لكن الأمر لا يقف عند المعنى الرمزي الشاعري، بل له ظل من الحقيقة، إذ كانت الجبانات مجموعة من البساتين فعلا، ولا تزال تضم ثروة معتبرة من الأشجار المتنوعة وإن كان ينقصها الرعاية والاهتمام.

***

مفهوم البستان مترسخ في تلابيب الجبانات وتاريخها العريق، فمن قلب كتب الماضي يقفز ذكر العديد من البساتين الملحقة بالمقابر، فلدينا روايات تاريخية عدة عن هذه المواقع، مثلا نجد ذكر مسجد النارنج الذي يعود إلى العصر الفاطمي، والذي عرف بهذا الاسم “لأن نارنجه لا ينقطع أبدا” على حد وصف المقريزي، الذي أدرك ذلك المسجد الذي كان لا يزال عامرا بعد 300 عام على بنائه. كما نعرف أن مسجد الأندلس الفاطمي بالقرافة ألحق به بستانا ضخما منذ العصر الأيوبي، أما القاضي الفاطمي ابن الميسر فقد قطع سدرة أحد مساجد القرافة، فتوقع الجميع أن يعزل جزاء على إزالة الشجرة المباركة، وهو ما حدث بعدها بقريب، هكذا تنتظر اللعنة كل من يمس أشجار القرافة!

أما الشيخ الصالح وحاظة بن سعد الإطفيحي، فقد بنى له الوزير الفاطمي الأفضل شاهنشاه خصيصا قناطر تحمل الماء إلى مسجده في قلب القرافة، وأضيف له بستان كبير، كما كانت الجواسق المنتشرة في القرافة وهي أشبه بالقصور الصغيرة محاطة بالبساتين، نذكر منها جوسق حب الورقة، الملاصق لمشهد آل طباطبا، أما قصر القرافة الذي بنته السيدة تغريد أم الخليفة الفاطمي العزيز بالله، فكان بستانه يعرف باسم بستان التاج.

إذا تركنا التاريخ واستقبلنا واقعنا المعاصر، وجدنا في الجبانات الآن -خصوصا ترب الإمام الشافعي أو القرافة الصغرى- بقية صالحة من أشجار عاشت يوما عصرها الذهبي، في الأحواش الملحقة بغرف الدفن جرت العادة في عصر أسرة محمد علي على استغلالها بزراعتها بأشجار مختلفة الألوان، كان أحد الأغراض الأساسية لزراعة الأشجار ذات الروائح الفواحة أن تتغلب على رائحة الموت في المكان، أن تطمس روائح الجثث وتحللها، لذا انتشرت زراعة الأشجار في ميراث حضاري يتجدد، فجبانات العاصمة المصرية عرفت دوما ظاهرة البساتين التي أصبحت من معالمها الأساسية التي تحتاج الرعاية والحفاظ على ما تبقى منها وتوظيفها داخل الفراغ الحضري المحيط بها.

***

اللافت أن استخدام الأشجار في تزيين أحواش الجبانات، انعكس على الفنون المستخدمة في تنميق وتزويق الأضرحة وشواهد القبور، إذ بات استخدام الزخارف النباتية أساسيا في جبانات القاهرة، خصوصا تلك التي بنيت في عصر أسرة محمد علي، إذ نلاحظ الاستخدام المكثف للزخارف النباتية كما هو حاصل في حوش الباشا وغيره من مقابر ذلك العصر، كما نجد استخدام رمزية شجرة السرو في تزيين الأضرحة كما هو الحال في العمود الرخامي الذي يزين تركيبة قبر رقية دودو، وهي شجرة تستخدم في المقابر عادة لرائحتها القوية التي تحجب رائحة الموت السارحة في المقابر.

جولة في اكتشاف بساتين القرافة تقوم بها المهندسة المعمارية عليا نصار، مدير التوثيق بالمؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، التي تقول لـ “باب مصر”، إن جبانات القاهرة بها تنوع في الأشجار المزروعة بين القبور والأضرحة، ما بين أشجار مثمرة وأشجار غير مثمرة، بعضها يعود زمن زراعته لأكثر من قرن والبعض تم زراعته في أوقات أقرب لنا على يد حراس الأحواش، وتتابع: “هناك النخيل وأشجار السبوتة والبرتقال والتوت والكافور والجهنمية، فضلا عن الورد والصبار”.

تشير عليا نصار إلى أن “بعض المدافن لا تزال محتفظة بحدائقها بشكل رائع، حتى أنها تلفت عينيك عند دخول المدفن حتى قبل أن تدخل الضريح وتشاهد ما به من تركيبات، ومن أشهر المدافن التي تمتلك حدائق بديعة مدفن عائلة مها سليم، ومدفن علي باشا، ومدفن صبري أبو علم، ومدفن إسماعيل باشا صدقي”. تأكيدا على كلامها تكفي نظرة على ترب الإمام الشافعي من جوجل إيرث، لنرى هذا الانتشار الواسع للمساحات الخضراء داخل الجبانة، بل أن صور الموقع الأرشيفية للمنطقة تكشف عما هو أكثر من ذلك، إذ تراجعت نسبة الأشجار في منطقة ترب الإمام الشافعي في صمت منذ العام 2011.

***

وتلفت مديرة التوثيق بالمؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، النظر إلى أن وجود الحدائق والأشجار أمام الأضرحة، يمثل امتدادا طبيعيا وتراث موصول مع التراث المصري القديم، إذ كشف بحث جديد عن وجود بقايا شجرية أمام قبور المصريين القدماء، أي أن هذا الفعل الذي نراه بوضوح في جبانات القاهرة بمثابة الامتداد والتواصل مع التراث القديم، وهذه الظاهرة اللافتة لا نجدها بمثل هذا الوضوح والاهتمام كما نجدها في الجبانات المصرية.

 

وتفسر عليا نصار انتشار الأشجار في جبانات القاهرة بأن هناك رغبة عند أصحاب الأضرحة في بناء مستقر لهم في دار الآخرة على نفس مستوى بيوتهم في الحياة الدنيا، فإذا عاش الشخص في قصر بحديقة ضخمة، فسيعمل على بناء ضريح بحديقة بها أشجار مختلفة الألوان، كما أن الجنة في التصور الإسلامي هي مكان فيه أشجار وبساتين، لذا يعمل البعض على تشجير جزء من الضريح باعتباره إشارة أو بشرة خير على أن صاحب القبر سيدخل الجنة، كما يمكن اعتبار الحديقة الملحقة بالضريح أحد مكونات عملية خلق صورة متكاملة من الجمال، تضم الضريح وشواهد القبور والحديقة الملحقة.

كذلك فكرة الصدقة الجارية باعتبار أن من يستظل بظل الأشجار يقدم حسنة إلى المتوفي زارع هذه الشجرة، ما ينطبق على ما يسقط من ثمارها أو تأكله الحيوانات والطيور، فكلها من أشكال الصدقة الجارية التي يحرص عليها الإنسان، لذا ترى الحرص الشديد على زراعة أي نبات حتى ولو شجرة صبار صغيرة في المدافن البسيطة التي لا حديقة لها ولا سور، لذا نجد أن عملية التشجير مرتفعة جدا في الجبانات ولا تقتصر على الأحواش الكبيرة.

***

يمكن لنا أن ننطلق من هذا الحديث للبدء في تسجيل أشجار الجبانات المعمرة، وعمل سجل توثيقي لهذه الأشجار من الناحية التاريخية والتراثية، وربط هذه الأشجار بأي مشروع يتعلق بتطوير أو الارتقاء بمنطقة الجبانات عبر الحفاظ عليها وإدماجها في أي مشروع بالمنطقة، انطلاقا من قاعدة الحفاظ على هذه الأشجار ورعايتها، والنبش في ذاكرة القرافة وناسها للبحث عن قصص شعبية حول أشجار بعينها من أجل دمجها في النشاط الثقافي للمنطقة ككل عند الارتقاء بها مستقبلا. فالأشجار والنباتات المنتشرة في الجبانات جزء من المشهد المكون وجزء من تاريخ المكان وهويته ولا يمكن الاستغناء عنها ولا يمكن الاعتداء عليها.

اقرا أيضا:

بطن القرافة.. مشاهدات خيري شلبي في الجبانة

قبل الكارثة.. جرد أولى لـ مقابر القاهرة التراثية المهددة

«حوائط القرافة».. خبايا تاريخية تنتظر التنقيب

هشاشة القرافة.. لعنة التاريخ ورسائل الحكومة

أسفار الجبانة.. شهادات تاريخية تدين المحو الحكومي

الخطوط الذهبية.. روائع القرافة المنسية

الباب السحري.. القرافة مفتاح كتابة تاريخ مصر

جبانات القاهرة.. متحف مفتوح للعمارة المصرية

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر