دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

كشف جديد بـ«جبل الطير» يعيد قراءة تاريخ الدفن القديم

في اكتشاف أثري جديد يعكس ثراء وتطور الحضارة المصرية القديمة، أعلنت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار عن كشف مقبرتين بمنطقة جبل الطير بمحافظة المنيا، ترجعان إلى العصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر.

ووفقًا لبيان البعثة، تُعد المقبرة الأولى من النماذج المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد يعكس ملامح مبكرة لتطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة، فيما جاءت المقبرة الثانية مشابهة لها إلى حد كبير في التخطيط، مع احتفاظها بحالة حفظ جيدة.

ويشير هذا الكشف إلى استمرارية استخدام المنطقة موقعًا للدفن عبر فترات زمنية مختلفة، ما يعزز أهميتها الأثرية، ويفتح المجال أمام مزيد من الدراسات لفهم تطور الطقوس الجنائزية وأساليب الدفن في تلك العصور المبكرة.

أهمية أثرية وتاريخية استثنائية

قال الدكتور أحمد فتحي، مدير عام آثار محافظة المنيا في تصريح خاص لـ«باب مصر»، إن منطقة دير جبل الطير بمركز سمالوط بمحافظة المنيا تتمتع بأهمية أثرية وتاريخية استثنائية، ليس فقط لكونها مزارًا دينيًا مميزًا، ولكن أيضًا لثراء طبقاتها الأثرية التي تجذب اهتمام البعثات العلمية.

وأوضح أن الاكتشافات في هذه المنطقة  ذات تأثير تراكمي مهم على الخريطة الأثرية لمصر، من خلال إعادة ضبط وتحديث توزيع الاستيطان والنشاط البشري للمصري القديم، من العصور القديمة حتى العصور الحديثة، مشيرًا إلى أن الاكتشاف الأثري الجديد في منطقة جبل الطير يحول الخريطة الأثرية من “نقاط متباعدة” و”مواقع فردية” إلى “شبكة متصلة”، تمنح رؤية واضحة لكيفية تعايش الحضارات وتطورها في مصر عبر آلاف السنين.

وأضاف أن منطقة جبل الطير تقع في وسط محافظة المنيا، شرق نهر النيل، وتبعد عن المدينة بنحو 20 كيلو مترًا، ويحدها جنوبًا موقع طهنا الجبل الأثري، وشمالاً منطقة بني خالد السريرية، فضلاً عن أن منطقة جبل الطير ودير العذراء من المناطق الأثرية الهامة.

اقرأ أيضًا: كنائس المنيا الأثرية.. رحلة في قلب التاريخ على خطى العائلة المقدسة

عدد كبير من الحفائر

أشار مدير عام آثار المنيا إلى أن منطقة جبل الطير من المناطق التي تم شهدت عددًا كبيرًا من الحفائر، حيث نفذت وزارة السياحة والآثار أعمال تنقيب بها خلال أعوام 1985 و2007 و2008 و2010.

وأضاف أنه منذ عامين وضعت خطة عمل لتنمية المنطقة وإعادة رسم طبوغرافيتها وتحديد خصائصها الطبيعية، موضحًا أن أعمال الحفائر التي جرت في السنوات السابقة تم استكمالها، إذ بدأت البعثة عملها في الموسم الماضي، وخلال العام الجاري استُكملت أعمال الحفر، وتُوجت هذه الجهود  بالنجاح، وجاءت النتائج مؤكدة أن المنطقة أثرية واعدة، وتضم جبانة وعددًا من آبار الدفن واللقى الأثرية، ولكل جبانة خصائصها ومميزاتها الأثرية.

وأضاف أن هذه الجبانة التي تم اكتشافها ذات أهمية أثرية كبيرة، إذ كشفت عن دفنات وأوانٍ فخارية ترجع إلى عصر ما قبل الأسرات، وهو العصر الذي يعد بالنسبة للأثريين كنزًا حقيقيًا لفهم عصور ما قبل التاريخ وما قبل الأسرات. وأشار إلى أن الموقع بدأ يكشف عن كثير من المعلومات بعد أن أدخل هذا الاكتشاف الجديد المنطقة في مرحلة انتقالية جديدة، وهي الانتقال من عصور ما قبل الأسرات إلى العصور التاريخية، مثل الأسرة الأولى والثانية، اللتين يُطلق عليهما العصر العتيق.

وأوضح أن دراسة المكتشفات من خلال العظام الآدمية والمباني والتوابيت والأواني الفخارية كشفت أن هذه الجبانة لم تتوقف عند العصر العتيق والأسرتين الأولى والثانية، بل امتدت إلى الدولة القديمة ثم الدولة الحديثة والعصر المتأخر حتى الأسرة السادسة والعشرين، واستمرت خلال العصر الروماني المتأخر، ما يعني أن استخدامها استمر نحو 3500 عام.

وأكد أن هذه الجبانة تُعد من الجبانات المهمة للغاية، نظرًا لاستمرار استخدامها لفترة زمنية طويلة، وهو ما يشير إلى ارتباطها بمركز استيطاني ومدن مجاورة، وأن المصريين القدماء لم يتخلوا عنها نظرًا لأهميتها وقدسيتها، واستمرت بها عمليات الدفن طوال تلك القرون.

الاكتشافات الأثرية

حول الاكتشافات التي تم العثور عليها، أوضح الدكتور أحمد فتحي، مدير عام آثار محافظة المنيا، أنها عبارة عن مصطبتين تمثلان مرحلة انتقالية في تطور الفكر الجنائزي لدى المصري القديم، حيث كانت في البداية يدفن المتوفى في عصور ما قبل التاريخ ملفوفًا بحصير داخل حفرة، ثم بدأ يهتم بتجهيز الحفرة وبنائها على هيئة غرفة أو مصطبة، ثم توسعت الغرفة لتصبح غرفتين، قبل أن تتحول إلى مبنى كامل.

وأضاف أن هذه الفترة شهدت الانتقال من الحفرة الأرضية إلى المبنى المشيد تحت الأرض، وظهرت المصطبة بين الأسرتين الأولى والثانية، ثم تطورت إلى المصطبة المدرجة، حتى وصلت في الأسرة الثالثة، في عهد الملك زوسر، إلى الهرم المدرج، الذي تطورت فكرته خلال الأسرة الرابعة إلى الهرم الكامل مثل أهرامات الجيزة.

وأوضح أن أعمال الحفر ستستمر في الموقع خلال المواسم المقبلة، على أمل الوصول إلى اكتشافات جديدة، قد تشمل مباني ومصاطب من عصور أخرى تمتد من الدولة الحديثة وحتى العصر المتأخر والعصر الروماني.

اقرأ أيضًا: «دير الجنادلة» بأسيوط.. كنوز أثرية بين الجبل والتاريخ

من الاكتشافات الأثرية بجبل الطير.. الصورة من موقع وزارة السياحة والآثار
من الاكتشافات الأثرية بجبل الطير.. الصورة من موقع وزارة السياحة والآثار
أسرار العمارة الجنائزية في مصر القديمة

قال مخيمر فتحي محمد، كبير مفتشي آثار المنيا الشمالية، إن ما توصلت إليه أعمال البعثة كشف عن أسرار العمارة الجنائزية في مصر القديمة ومراحل تطورها.

وأوضح أن المصري القديم في عصر ما قبل الأسرات كان يدفن المتوفى في حفرة بالصحراء في وضعية في وضعية الجنين، ثم في بدايات الأسرتين الأولى والثانية كان يوضع المتوفى داخل تابوت فخاري بيضاوي الشكل، ثم يُدفن داخل حفرة تُردم ببعض الأحجار الصغيرة.

وأضاف أن هذا الأسلوب تطور لاحقًا إلى بناء مصاطب من الطوب اللبن في باطن الأرض مكونة من مستويين، استخدم المستوى العلوي لوضع المتاع الجنائزي، بينما خصص المستوى السفلي للدفن، إلى جانب المتاع الجنائزي. وأشار إلى ظهور طراز آخر لغرفة دفن من الطوب اللبن، تحيط بها غرف جانبية وصل عددها إلى تسع غرف، استخدمت جميعها لحفظ المتاع الجنائزي الخاص بالمتوفى.

وأوضح كبير مفتشي آثار المنيا الشمالية أنه من خلال هذه الاكتشافات تبين أن المقابر بالنسبة للمصري القديم كانت تمثل البيوت الأبدية، كانت أكثر أهمية لديه من بيوت الدنيا، لأنها تخلد ذكراه. وأضاف أن طريقة بناء المقبرة ونحتها، إلى جانب المتاع الجنائزي الموجود بها، أتاحت للباحثين التعرف على ملامح الحياة الاقتصادية خلال تلك الفترات، إذ تنعكس الأوضاع الاقتصادية بشكل واضح على طبيعة المقابر ومحتوياتها.

بوابة للحياة الأبدية

أضاف الدكتور محمد فخري، مدير إدارة الحفائر والبعثات بالمنيا، أن هذه الاكتشافات أثبتت أن الموت كان بمثابة بوابة للحياة الأبدية لدى المصري القديم، لذلك تطورت الطقوس والمقابر عبر العصور من مجرد حفر بسيطة إلى صروح معمارية تعكس معتقدات دينية وفكرية متطورة.

وأشار إلى أن الجبانات كشفت عن تطور العمارة الجنائزية في الدولة القديمة، التي عُرفت بعصر الأهرامات وتقديس الملوك، حيث تطورت المقابر من حفر بسيطة إلى مصاطب وأهرامات مدرجة، لتكون بمثابة سلم يصعد من خلاله الملك إلى السماء وفقًا للمعتقدات السائدة آنذاك.

ولفت إلى أن  بعض الاكتشافات التي تعود إلى العصور المتأخرة والعصرين اليوناني والروماني أظهرت حالة من المزج الثقافي بين العمارة والفنون، تمثلت في اندماج العناصر الفنية الفرعونية مع نظيرتها اليونانية والرومانية، مؤكدًا أن تطور العمارة الجنائزية المصرية لم يكن مجرد تغير في شكل المقابر، بل عكس تطورًا فكريًا واجتماعيًا كبيرًا شهدته الحضارة المصرية القديمة عبر العصور.

اقرأ أيضًا:بعد 8 أيام من الاحتفالات.. ختام مولد العذراء بجبل الطير في سمالوط

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.