دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

رائحته تعلن قدوم العيد.. «سوق الفسيخ» ذاكرة العيد المتجددة في دمنهور

مع حلول عيد الفطر تتحول، شوارع مدينة دمنهور إلى حالة تمزج بين الضجيج والبهجة. وتختلط رائحة الفسيخ والسردين المملح مع أصوات الباعة وصيحات البحث عن ملابس العيد ولعب الأطفال. وبين هذه الأجواء، يحتفظ سوق الفسيخ في قلب المدينة بمكانته كأحد أبرز المعالم الشعبية للاستعداد للعيد. حيث يقصد الأهالي السوق لشراء ما يعتبره كثيرون فاكهة العيد وكسر الصيام بعد شهر رمضان الكريم. كما أنه طقس اجتماعي قديم يحرصون على الاحتفاظ به.

الفسيخ واحد من أقدم الأطعمة المصرية، وتعود جذوره إلى عصور المصريين القدماء الذين عرفوا طرق حفظ الأسماك بالملح والتجفيف. خاصة سمك البوري القادم من مياه البحر المتوسط. وقد ارتبطت هذه العادة قديما بالاحتفالات الموسمية ومواسم الربيع، واستمرت عبر القرون حتى أصبحت جزءا من الثقافة الغذائية للمصريين. حيث يحرص كثيرون على تناولها في الأعياد والمناسبات الشعبية.

وتحظى مدينة دمنهور، عاصمة محافظة البحيرة، بتاريخ طويل كمركز تجاري وثقافي مهم في دلتا النيل. إذ عرفت منذ قرون بأسواقها القديمة التي كانت تستقبل التجار من القرى والمراكز المجاورة. وتتميز المدينة بموقعها القريب من مناطق الصيد في البحر المتوسط والبحيرات الشمالية. وهو ما ساعد على ازدهار تجارة الأسماك المملحة بها وظهور محال عريقة لصناعة الفسيخ والسردين، توارثت المهنة جيلا بعد جيل.

سوق الفسيخ وكسر الصيام

هنا سوق الفسيخ في وسط مدينة دمنهور، حيث يتزايد الزحام حتى يصعب المرور سيرا على الأقدام. ويبحث الجميع عن فاكهة العيد ويفضلون كسر الصيام بتناول الفسيخ. في ممرات ضيقة يقع سوق الفسيخ، وتخطفك أضواء النيون حتى تصل إلى محلات “فسخاني النصر”، أقدم صناع الفسيخ والسردين في المدينة. والذي أسسه الحاج إبراهيم الصعيدي منذ 120 عاما في المكان نفسه، وهو صاحب أول توكيل للرنجة اليونانية.

يقول أشرف الصعيدي، صاحب محلات “فسخاني النصر”، إنه يمثل الجيل الرابع لأصحاب المحل الأعرق في المدينة، مشيرًا إلى أن أول رخصة للمحل كانت عام 1912. وحملت اسم “فسخاني الملك”. وبعد ثورة يوليو أصبح الاسم “فسخاني النصر”. وأضاف أن العديد من التجار أطلقوا هذا الاسم تيمنًا وتبركًا. بعد أن حقق المحل شهرة واسعة ونجح في كسب ثقة الجمهور.

السمكة الحجم الكبير في سوق الفسيخ.. تصوير: محمود دوير
السمكة الحجم الكبير في سوق الفسيخ.. تصوير: محمود دوير
 مواسم أكل الفسيخ

حول المواسم الأهم لبيع الفسيخ، يشير “الصعيدي” إلى أن الفسيخ أكلة موسمية، ويُقبل عليها الناس في عيد الفطر بشكل كبير، وبنفس الدرجة في شم النسيم. وفيما يتعلق بصناعة الفسيخ، يبدأ “عصام” شعاره الذي يردده دائمًا: “الملح يظل هو الأساس”.

ويضيف أن البداية هي اختيار السمك الجيد الصالح للتمليح. فليس كل سمك يصلح لذلك، ولا بد أن تتوافر فيه شروط، منها أن تكون سمكة البوري أو الطوبار ممتلئة اللحم. وأن تكون قد تمت تربيتها في مزرعة بشكل جيد. ثم الأهم أن لكل فسخاني خبرة تراكمية تمكنه من تحديد جودة السمك وصلاحيته للتمليح.

ولفت إلى أن جمهور الفسيخ من مختلف الطبقات. ولأنه أكلة موسمية تُتناول مرات قليلة في العام، فإن الناس من مختلف مستوياتهم الاقتصادية لا يترددون في شرائه. والفرق الوحيد يكون في الكمية والحجم، أما الجودة فلا تختلف.

ويستكمل عصام أن مرحلة التمليح تستمر حوالي خمسة عشر يومًا. موضحًا أن الفسيخ نوعان: “المالح” و“العاذب”، وهو الأكثر انتشارًا نتيجة حرص البعض على عدم ارتفاع ضغط الدم لدى كبار السن. لذلك يزيد الإقبال دائمًا على الفسيخ العاذب الأقل ملوحة.

وأضاف أنهم لا يضيفون إلى السمك سوى الملح فقط. ولا تُستخدم مكسرات أو كركم لتحسين اللون، لأن الصنعة كفيلة بتقديم منتج مميز. وحول الفوارق بين محل وآخر، يؤكد أن الفرق يكمن في مصدر السمك وطريقة التمليح، وهي صنعة تختلف من مكان إلى آخر. وعن الأنواع الأخرى. ويشير إلى وجود أنواع من السردين المملح، منها السردين الدمياطي البلدي واليمني والموزة الإنجليزية والخليجي، وتتراوح أسعارها ما بين 180 و200 جنيه.

صناعة وتعبئة الفسيخ.. تصوير: محمود دوير
صناعة وتعبئة الفسيخ.. تصوير: محمود دوير
أنواع السردين وأسعاره

يقول مصطفى برغش، أحد صناع الفسيخ، إن عيد الفطر بدون الفسيخ أو كعك العيد لا يعتبر عيدًا. وإن الفرحة لا تكتمل لدى الأسرة بدون أكلة فسيخ أو رنجة أو سردين.

ويضيف أن السردين اليمني الشهير بـ“التفاحة” هو نوع حديث في سوق الفسيخ. وفي البداية لم يكن عليه إقبال كبير مقارنة بالفسيخ البلدي، نظرًا لأن حجمه كبير، والناس عادة تفضل الأحجام الأصغر. لكن بعد تذوقه اكتشف البعض جودته، فهو مميز بعدة صفات منها لونه الأحمر من الداخل، لذلك يُسمى “تفاحة”.

وعن أسعار الفسيخ هذا العام، يوضح أنها تتراوح بين 380 و400 جنيه للفسيخ الملكي كبير الحجم، مشيرًا إلى أن الزيادة بسيطة مقارنة بالعام الماضي. وحول الفسيخ “المخلي”، قال عمرو رضا إن بعض الزبائن يطلبونه للحفاظ على النظافة وسهولة التناول، ويتم توفيره لهم. لكن الغالبية العظمى من عشاق الفسيخ في دمنهور يفضلونه كاملًا غير مخلي، لأن طريقة أكله تمثل طقسًا ومتعة في حد ذاتها.

ويوضح المهندس مسعد عقدة، من أهالي دمنهور أن الفسيخ عادة مصرية قديمة، والعلاقة وثيقة بينه وبين المناسبات السعيدة، ومنها عيد الفطر وشم النسيم، ولا يوجد عيد بدون فسيخ. كما يتم تناول الفسيخ في شهر شعبان قبل رمضان فيما يسمى “شعبان”. ويضيف أنه يفضل الفسيخ العاذب لأنه صحي أكثر.

وهذا ما أكده ضياء الدين علي، إذ قال إن أكل الفسيخ في العيد يمثل عادة ثابتة يحرصون عليها، والأطفال يحبونه، وأحيانا يتم شراؤه أيضا في شهر شعبان.

اقرأ أيضا:

«الفسيخ والرنجة».. طقس العيد الذي لا يغيب عن موائد الصعيد كل عام

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.