د. أمير خليل: هكذا يكون تطوير حديقة الحيوان

مدير إدارة المشاريع في الشركة الدولية لحماية الحيوان: حديقة الحيوان صورة مصغرة من المشاكل التي نعانيها

في كل مناطق النزاعات الدولية، والاضطرابات السياسية والكوارث البيئة، كان الدكتور أمير خليل متواجدا. بحكم منصبه كمدير إدارة المشاريع في الشركة الدولية لحماية الحيوان «Four paws». مهمته مع فريق عمله هي إنقاذ الحيوانات. ورغم مشاغله المتعددة لم ينس مصر إذ انشغل أيضا بوضع حديقة الحيوان فيها مع ما يتردد عن تطويرها.

ومن خلال حواره لـ«باب مصر» أردنا تقديم فلسفته، حول وضع حديقة حيوان الجيزة، خصوصًا بعد أن تم الإعلان مؤخرًا عن نية تطويرها.

في الوقت الحالي هناك محاولات لتطوير حديقة حيوان الجيزة، وفي المقابل هناك اعتراضات حول طريقة التطوير.. كيف ترى الأمر؟

في البداية يجب أن يدرك منفذي المشروع أنهم يتعاملون مع حديقة هي من أقدم حدائق الحيوان الموجودة في العالم. ونحن داخل مصر لدينا الكثير من المشكلات، لكننا في النهاية لا نملك سوى حديقة واحدة لإنقاذ الحيوانات. وحديقة الجيزة تعد المكان المسجل الوحيد للإنقاذ، وتستقبل سنويًا ما يقرب الـ3 ملايين زائر. لكن نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية، تدهور وضع الحديقة. وقد زرتها منذ فترة قريبة عندما اتصل بي أحد البنوك لتفقدها. وعندما زرتها وجدت وضعها كما هو لم يتغير.

لكن من وجهة نظري مشكلتنا الرئيسية أننا عندما نزورها نتعامل معها وكأنها مكان للزيارة فقط، فالأسد نجده حبيس الأقفاص؛ لذلك يجب فهم ضرورة احترام بيئة هؤلاء. لا أن نطوعها لتلاءم طريقة حياتنا؛ لذلك أسعى دومًا تغيير فكرة حدائق الحيوان، لأنه من غير المقبول أن يتاح للإنسان مكان واسع. وفي المقابل يتم تضييق الأماكن التي يعيش بداخلها الحيوان.

فالمفترض أن يشعر الحيوان أنه داخل بيئته وليس العكس، وهذه ثقافة للأسف غائبة عنا، والحل ليس بتقليم أظافر الحيوانات، فالأسود مثلًا يتم تقليم أظافرها ليلتقط الزوار صورًا بجانبها، وهذا شيء غير إنساني بالمرة؛ لذلك حل هذه المشكلة يبدأ من عند العمال داخل الحديقة، ومؤخرًا أرسلت بعض العمال منهم وقضوا فترة معايشة داخل محمية «المأوى» في الأردن، إذ أردت تعليمهم طرق التعامل مع الحيوانات.

أمير خليل
أمير خليل
إذًا التطوير مطلوب؟

بالتأكيد مطلوب، ومصر بدورها تملك الكفاءات لكنها تحتاج للإرادة، أتذكر أنني قدمت فكرة إنشاء حديقة حيوان لرئيس جامعة عين شمس، وقد أرادوا تنفيذ الفكرة داخل العاصمة الإدارية، لكني لم أتلق ردًا. وفوجئت بعدها بالزملاء يرسلون إليّ أحاديث إعلامية تفيد بتطوير حديقة حيوان الجيزة، وهي نفس الأفكار التي طرحتها في وقت سابق.

وقد سمعت وجود مقترح لإنشاء تلفريك، لكني عندما اقترحته داخل المشروع الذي أشرت إليه، كان ذلك في مكان مختلف له طبيعة خاصة مختلفة تمامًا عن حديقة حيوان الجيزة. وفي نهاية الأمر أرى أن التطوير مطلوب، لكن يجب أن يناسب الحيوان وليس الإنسان؛ لذلك هناك 3 مبادئ يجب وضعها عند التعامل مع الأمر هما؛ الحيوان، والعامل، والزائر، وهذه الأمور تتطلب، جهدًا كبيرًا. فمثلًا من الصعب خلال الوقت الراهن أن تستورد مصر الفيلة. لأن العمالة في التوقيت الحالي غير مجهزة، والمكان كذلك غير مجهز لاستقبالها، بالإضافة للظروف الاقتصادية الصعبة، التي تعيشها البلد.

وبالمناسبة أنا أتساءل دائمًا كيف لطفل متعلق في ذهنه أن الأسد ملكًا للغابة، لكن عندما يشاهده على الطبيعة يجده حبيسًا داخل قفص حديدي! وبدون أظافر. فظافر الأسد مثل صباع الإنسان تمامًا وهو يأكل من خلاله. والحيوانات تتألم بسبب تلك الأفعال غير الحضارية، والأسد عندما يتم وضعه داخل حجرة 4×3 متر لا ينمو بشكل طبيعي؛ لذلك أرى أن حديقة الحيوان في الوقت الراهن هي صورة مصغرة من المشاكل التي نعانيها، صحيح أننا شعب ظروفه صعبة إلا أننا شعب متحضر؛ لذلك يجب وضع منظومة متكاملة وخطة لتطوير جميع الحدائق بشكل مناسب داخل مصر.

لكن هناك أيضًا بعض الآراء ترى أن مساحة الحديقة لن تسمح لتحويلها لحديقة حيوان مفتوحة..

كما قلت لك منذ قليل.. هناك أماكن داخل الحديقة يمكن استغلالها لتلاءم الحيوان، لكن بشرط أن يستهدف التطوير خدمة الحيوان، لا لتوفير أماكن واسعة لزوار الحديقة. إذ يجب أن يشعر الحيوان أنه يعيش داخل بيئته الأصلية؛ لذلك التطوير من الضروري أن يراعي الاهتمام بالأماكن المخصصة للحيوان. مع عدم البناء على مساحات الحديقة المتوفرة، فأغلب أجزاء الحديقة فارغة؛ لذلك يجب أن تستغل لخدمة الحيوان لا الإنسان.

أمير خليل في الموصل بالعراق
أمير خليل في الموصل بالعراق
هل اطلعت على شكل المشروع الأخير.. وهل تم التواصل معك لتقديم مشورة أو رأى حول فكرة التطوير؟

لا لم أتلق أي شيء، وحتى الآن لا أعرف خطة تطوير الحديقة، لكن ما أثار دهشتي أنه لم يتكلم أحد عن وضع الحيوانات بعد عملية التطوير. فنحن نحتاج تأهيل الكوادر، ونحتاج لتوفير المعلومات، والمسؤولين في الحديقة بدورهم لا يعرفون شيئًا عن خطة تطويرها؛ لذلك الأمر يثير الكثير من التساؤلات. كما أن طريقة التعامل مع التطوير أعتقد أنه سيضر بسمعة البلد، لأنه لا يوجد مكان مخصص يمكن نقل الحيوانات إليه، لحين انتهاء عملية التطوير، والحيوانات بدورها لا يمكنها التأقلم داخل بيئة يتم داخلها أعمال إنشائية بشكل مستمر. لذلك من المفترض التعامل مع الموضوع بحساسية شديدة، لأن المجتمع الدولي المهتم بالحيوان يركز على مثل القضايا، وكذلك جماعات حماية الحيوان الدولية.

وأرى ضرورة توفير البدائل والحلول لهذه الإشكالية قبل البدء في عملية تطوير، لأني أخشى أن يضر الأمر بمصر أكثر مما قد ينفعها، لأن نظرة الغرب مختلفة، وأنا لا أعتقد أن هناك مكان مناسب لإيواء الحيوانات؛ لذلك يجب توفير المكان المناسب أولًا قبل بدء عمليات التطوير.

قلت إننا نحتاج لتدريب العمال على طريقة التعامل مع الحيوانات.. إذًا ما هي الجهة المسؤولة عن الأمر؟

للأسف لا نملك جهة تعليمية لتعليم العمال، ورغم تواجد الكثير من كليات الطب البيطري. إلا أنه لا يوجد جهة مسؤولة عن تعليم العمال، والعمال عندما نسألهم يردوا علينا أنهم تعلموا المهنة من آباءهم. لذلك مشاكلنا مركبة ويجب أن تحل أولًا قبل التفكير في تطوير الحديقة، وهذه هي المشكلة التي يجب أن نقف أمامها.

كذلك نحن نفتقد فكرة الإدارة عند التعامل مع الحيوانات، الأسود على سبيل المثال معروف عنها أنها تتكاثر بكثرة. أتذكر أنه في عصر مبارك اتصلوا بي وقالوا إن لديهم حوالي 37 أسدًا زيادة عن حجم استيعاب الحديقة. فكانت الفكرة عندهم هي التخلص من الأسود وقتلها، فمثل هذه المشاكل يجب حلها أولًا.

والأمر كذلك يتعلق بالغزلان، لأن الفصيلة يجب أن يتم تغييرها كل فترة، حتى لا تخرج غزلان مشوهة، بسبب اختلاط الدم، فهم تمامًا مثل البشر؛ لذلك فظروف حديقة الحيوان حاليًا غير ملائمة للتطوير. فهي غير مصنفة كحديقة حيوان عالمية، لكن في المقابل الحديقة لا تحتاج للكثير. بل تحتاج فقط للخبرات والعمل الجماعي بدءًا من العامل وصولًا للزائر. ونحن يجب أن ننظر للأمر من ناحية هل الزائر يحتاج لخبرة يكتسبها من خلال زيارة الحديقة أم يحتاج لخدمة؟ لذلك أعتقد أن الخبرة هي الأهم. رغم أهمية الخدمة بطبيعة الحال؛ لكن كما أشرت الاستثمار يجب أن يكون في ثلاث جوانب وهم العامل، والإنسان، والحيوان، وأعتقد أن النظرة العامة داخل مصر لابد أن تتغير بشكل عام.

أمير خليل في تركيا
أمير خليل في تركيا
تحدثت منذ قليل وقلت أن الحديقة يدخلها سنويًا 3 ملايين شخص.. هل هذا الرقم مقبول، وهل من المفترض أن يتزايد بعد التطوير؟

الحديقة عندما أنشأت صممت لتلاءم عدد محدود من البشر. وهذا الأمر يجب وضعه في الاعتبار. بالتأكيد حجم السكان تغير عن الماضي، لكن لا يجب أن نطمح في أن يزور الحديقة سنويًا 5 ملايين شخص. لذلك يجب عمل دراسات حول عدد الحيوانات والناس التي يمكن للحديقة أن تستوعبهم. ومن ثم عمل منصة للحجز الإلكتروني المسبق للدخول، لأنها بالتأكيد لها طاقة قصوى، لكن للأسف الشديد لا نملك دراسات واضحة، وشكل الحديقة خلال الوقت الحالي ما هي إلا سجن كبير، يعبر عن أفكار استعمارية قديمة، فهم أرادوا حبس الحيوانات لا تحريرها. ومع التطوير الجديد يمكن الإبقاء على الأقفاص الحديدية وتحويلها لمتحف للأطفال، واستخدامها كأماكن تعليمية، باعتبارها جزء من ماض الحديقة.

إذا كيف يمكن للحديقة أن تخدم الأطفال؟

بعد تطوير الحديقة يمكن أن تصبح مكانًا تعليميًا للأطفال كما ذكرت. فداخل أوروبا يتأثر الأطفال نفسيًا بتربية الحيوانات داخل المنازل، ويكون للأمر تأثيرًا إيجابيًا كبيرًا من خلال تعلم الرحمة.

لكن في مصر للأسف كثير من الأطفال يقوموا بضرب الكلاب الموجودة في الشارع، ونحن بدورنا نقوم بقتل وتسميم الحيوانات منذ أكثر من 40 عامًا؛ لكن في نهاية الأمر لم تحل المشكلة، ولازالت الكلاب الضالة موجودة كما هي. بل بالعكس تزايدت أعدادها، لهذا لا يجب أن نكرر التجربة، ويمكننا استغلال الحديقة في تدريب الأطفال حول كيفية التعامل مع الحيوانات.

لننتقل لجزئية أخرى.. أنشأت العديد من المحميات في العالم لكن لماذا لم تنفذ هذه الأفكار داخل مصر؟

للأسف أردت تنفيذ هذه الأفكار، إلا أنها لم تنل الحظ الوافر لتنفيذها على أرض الواقع، لذلك لجأت لتبنيها داخل بلاد أخرى، منها جنوب إفريقيا. فقد نفذت داخلها 14 محمية طبيعية، وهم اليوم ضمن أكبر المحميات الموجودة.

أما بخصوص سؤالك، أنا ابن للثقافة المصرية وخاصة محافظة الفيوم، ونحن في مصر نملك إرث كبير وأول حديقة حيوان في العالم  تم إنشائها كانت في عصر الملكة حتشبسوت. لذلك عرضت منذ سنوات على وزير الزراعة أمين أباظة مشروع لتنفيذ محمية داخل مصر، خصوصًا وأنها ستكون قادرة على جذب الكثير من السياح، لكن لم تنفذ الفكرة. فموقع مصر بالمناسبة يسمح لها بذلك لأننا نعيش في منطقة محاطة بالكثير من النزاعات الدولية. وبالتالي فكرة جلب حيوانات مفترسة أمر سهل، نظرًا لأنها معرضة للخطر داخل البلاد التي تشهد النزاعات. لكن بطبيعة الأمر أنا شخص متفائل دومًا، فقد اهتم محافظ الفيوم مؤخرًا بفكرة إنشاء محمية طبيعية داخل مصر، وكذلك رئيس مجلس الوزراء، ومن المفترض تنفيذ المشروع عند محمية وادي الريان، على مساحة 500 فدان، وأتمنى إنجاح المشروع.

أمير خليل فى محمية طبيعية فى كمبوديا
بمناسبة حديثك عن النزاعات الدولية والكوارث الطبيعية.. دائمًا ما كنت متواجدًا رفقة فريقك في مناطق النزاعات الدولية لإنقاذ الحيوانات.. هل هذا هو شاغلك الأول؟

بالتأكيد، أتذكر أثناء حرب العراق وخلال فترة الثورة الليبية انشغل الناس بكنوز كلًا من القذافي وصدام حسين. كان صدام حسين مثلًا يمتلك ما يقرب من الـ9 أسود في ذلك الوقت. ذهبنا وقتها للعراق وأنقذناها خلال تلك الفترة الحرجة التي عاشها البلد. وعندما اندلعت كذلك الثورة الليبية كان القذافي يملك حديقة في طرابلس تحت الأرض، وكان بداخلها ما يقرب من 720 حيوان، وقمنا بإنقاذهم.

وخلال حرب الموصل ضد «داعش»، كان بداخل المدينة دب وأسد، ووقتها ذهبت للموصل وطلبت اصطحاب الحيوانات. وقد أمر قائد الجيش العراقي بوقف الحرب لمدة يومين لحين الانتهاء من العملية. وهذه أمور لا تمحى من الذاكرة أبدًا، فعندما يقع نزاع مسلح بين دولتين في العالم. أتواصل مع كلا الجهات المتحاربتين، لإنقاذ الحيوانات المهددة؛ لذلك فالإنسانية لا تتخلى أبدًا عن الحيوان حتى أثناء وقت النزاعات.

ما المشروع الذي تقوم عليه حاليًا رفقة فريقك؟

في الوقت الراهن نتواجد في تركيا، وتحديدًا بمنطقة غازي عنتاب، لإنقاذ أكبر قدر ممكن من الحيوانات التي تركها أصحابها وماتوا نتيجة الزلزال الأخير الذي ضرب تركيا وسوريا. وبالتالي لا تجد هذه الحيوانات ما تأكله؛ لذلك نقدم لهم العلاج والطعام.

اقرأ أيضا

حديقة حيوان الجيزة: لماذا تضحي وزارة الآثار بحديقة أثرية؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر