دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

في وداع جبانات السيدة والإمام.. مشاهد يوم القيامة

كل من بنى مقبرة في جبانات القاهرة ظن أنه لن يُنشر إلا يوم البعث، لكن معاول الهدم كان لها رأي آخر، فخلال العام 2025 شهدت جبانات القاهرة خصوصًا القرافة الصغرى والتي تضم ترب الإمام الشافعي وترب السيدة نفيسة، مشاهد يوم القيامة بطلها البلدوزر الحكومي الذي أقض مضجع الأموات بعد طول استقرار، وحرم النوم على أعين محبي التراث المصري العريق الذين تواصلت أنهار دموعهم وهم يرون تراث القاهرة العريق يباد على مسمع ومرأى من الجميع، فكان العام الماضي بمثابة كلمة النهاية في انتهاك حرمة جبانات القاهرة التاريخية.

في ختام 2025 كان لي جولة في ترب السيدة نفيسة والإمام الشافعي، انقطعتُ فترة بسبب مشاغل الحياة التي تعصر أيامنا فلا تبقي منها إلا سويعات قليلة لممارسة ما نحب. كان اليوم جمعة وهو اليوم المقدس عند الأحبة يخرجون إلى المقابر لزيارة ذويهم، فللموت قداسة عند المصريين وطقوس احتفاء تتوارثها الأجيال، يطلبون الونس بين شواهد ترفع شعار “هو الباقي”، فيدور الهمس بين الأحياء والأموات بما لا يباح به من أسرار وشكاوي وحكايات.

***

كانت الأجواء شتوية بامتياز السحب متراكمة في سماء اختفت منها شمس الأمل، سيطر اللون الرمادي على المشهد، ألقى بستائر حزينة فجلل المشهد بالكآبة، كأنه يجهزنا لهول ما سنرى. الخروج من شارع الأشرف حيث مشاهد آل البيت إلى ساحة السيدة جامع ومشهد السيدة نفيسة، خروج من الضيق إلى الوسع، لكن الذاكرة تخونك لم تكن الرحبة أمام الجامع بمثل هذا الاتساع، ولم يكن الأفق مفتوحًا حتى يلتصق بانحناءة السماء في نهاية المشهد.

جامع السيدة نفيسة أصبح معزولًا ينتصب وحده بعد إزالة المقابر من حوله، من فكر في مجاورة نفيسة العلم طلبًا للبركة في موضع يعتقد أهل مصر أنه مقبول الدعوة فيه، لم يظن أنه بعد قرون وسنوات سيأتي من يحرمه من هذه المجاورة والصحبة، فبكت السيدة نفيسة أحبابها الذين طوحهم البلدوزر الحكومي.

سرعان ما نزل دمع السماء على أكتافنا يشاركنا الحزن على ما جرى من هدم عشوائي لمقابر عاشت دهورًا في سلام، وتكاثرت في صمت الموت وجلاله فصنعت نسيجها العمراني البديع، قبل أن يبدد ضجيج البلدوزر الحكومي واحة السكينة ويمزق أوصالها.

***

كل المقابر الواقعة شمال جامع السيدة نفيسة أزيلت، تركت خلفها حفرة كبيرة تبتلع تاريخ أمة بأكمله، لم يعد إلا الفراغ يذكرنا أنه قادر على سحق الذاكرة والذكريات معًا،أصبح باب الصحراء الواقع شرقي جامع السيدة نفيسة في العراء وحيدًا، يخشى أن يضربه بلدوزر طائش فيضعضع أساسه وينقض بنيانه، وهو الشامخ رغم القدم علامة على أثر يعود ترجيحًا إلى العصر الإخشيدي أي القرن العاشر الميلادي، ويشكل أحد معالم جبانات القاهرة وفلسفتها الخاصة.

المدافن والأحواش زالت كأنها لم تكن، دخلت عالم الأحلام تتبدد على وقع واقع جديد يفرض سطوته ويتبجح بأنه طمس الذكرى وحاصر الذاكرة، هنا شبكة طرق تبشر بغزوة استهلاكية جديدة عنوانا المطاعم والكافيهات، تبدد الجلال الذي عاشته المنطقة لقرون، وتحذف من الذاكرة تراث المنطقة الأصيل، وتخلق فجوة في تاريخ المنطقة المهمة في تكوين مشهد القاهرة لا يمكن ردمها.

***

المساحة الواقعة بين جامع السيدة نفيسة وطريق صلاح سالم، لم تعد تحتوي إلا على قليل المقابر، معاول الهدم مرت من هنا وقطعت أوصال كتلة المقابر فتركتها ممزقة، وما بقي ينتظر دوره فحكم الإعدام صدر للجميع، كما هو حال مدفن كريمات حسين باشا شاهين، والذي يضم قبر أمير الشعراء أحمد شوقي (1868- 1932م)، الذي أصدرت محافظة القاهرة بيانًا في أغسطس 2023، تعد فيه بالإبقاء على مدفن شوقي، لكنه لم يكن إلا رسالة تضليل للرأي العام، حتى نفذ الإعدام وتم هدم المدفن بعد نقل شاهد قبر شوقي إلى مكان معدوم الهوية والفكرة أطلقوا عليه مسمى غريب غير مفهوم.

شعرتُ أن نظرتي لمدفن شوقي كانت وداعية، الأجواء نفسها صنعت اللحظة فكثفت من شعوري، السحب المتراكمة في الأفق ينذر بالخطر، حاملة معها شعورًا بالكآبة الرمادية، ألقت بظلالها على المدفن الذي أصبح وحيدًا ضئيلًا بعدما أزيل ما حوله من المقابر، فنظر مندهشًا إلى ركام ما كانت مقابر ذات يوم، وحاصرته طرق مطلية بالزفت الأسود، تجري عليا سيارات مسرعة ليس لديها الوقت للتمهل أمام التاريخ العريق الذي يطوي آخر صفحاته. هدم المدفن بعد الزيارة بأيام قليلة.

***

لتقييم ما جرى كان لا بد من إطلالة علوية تكشف ما تركه البلدوزر الحكومي من ضحايا، لذا صعدتُ مئذنة أزدمر بخطوات بطيئة، قدمي ثقيلة بفعل كآبة المنظر وهول الخسارة، تصعد روحي كلما ارتفعت لكي أخرج من شرفة المئذنة العلوية على أفق لم يعد الأفق الذي عرفته على مدار سنوات، واجهتني الغربة ولفحت وجهي الوحشة.

هذا المكان لم يعد مكاني المحفور في الذاكرة، البلدوزر الحكومي سحق الواقع والذاكرة، ابتعدت المقابر التي كانت قريبة، أزيل صف كامل بموازاة طريق صلاح سالم، تفككت أوصال كتلة المقابر حول جامع السيدة بفعل الهدم المنظم والمصمم على محو الجبانة.

نزلتُ من المئذنة أجر أذيال الخيبة والهزيمة، لم نفلح في وقف المهزلة، بعد تأكدي من مصير ترب السيدة نفيسة وهو المحو بلا رحمة، مع الإبقاء فقط على القطع المسجلة في قوائم الآثار، لتكون تذاكرًا مشوهًا منزوعًا من أي سياق عن ماض لم يعد له وجود وتاريخ فرطنا فيه بكل برود، كان علي أن أذهب إلى ترب الإمام الشافعي، لعل الواقع يكون أخف وطأة وأسهل تحملًا، لكن ما جرى شكل صدمة أكبر، كأن المرء أمام مشاهد يوم القيامة.

***

الجزء الأمام من شارع الإمام الشافعي على حاله، الباعة يفترشون الأرض، تبدو الحياة طبيعية ككل جمعة فالسوق منصوب والحركة دائرة، لكن ما أن تتقدم في الشارع باتجاه قبة الإمام الشافعي، حتى تتكشف فصول المأساة بلا أي رتوش، طريق مرتفع يوسط القرافة الصغرى التي تعود بتراثها لأكثر من ألف سنة، جاء تصميم الطريق مرتفعًا عن الأرض، فأضاف حضورًا كئيبًا لوسط القرافة الصغرى، أصبح يعوق النظر إلى مئذنة جامع الإمام الشافعي، فرض حضوره الوقح معلنًا وفاة القرافة الصغرى كما كان نعرفها.

مشاهد الدمار أصبحت حاضرة محل مشاهد الأحواش والمدافن القديمة التي كانت تزين الذاكرة، أين قبر محمود سامي البارودي، بل أين شارع الطحاوية وشارع ابن الفارض نفسه، المشهد الذي يعرفه الجميع بتكوين مجموعة محمود باشا الفلكي زال من الوجود ولم يعد أمامنا إلا ركام وخراب.

رأيتُ سيدة وابنها ينظران إلى مظاهر الإزالة، يتأملان في صمت، ربما يبحثان عن موضوع كان له علامة مميزة لكنها زالت، هكذا حال من يزور ترب الإمام الشافعي؛ يبحث عن العلامات فلا يجدها، فقط ثقب في الذاكرة بين ما كان وما أصبح، فوضى ذاكرة نغرق فيها ونكذب أنفسنا، هل ما رأيناه كان واقعًا أم أحاديث خيال؟

***

كنتُ أظن أنني عندما أصل إلى قبة الإمام الشافعي أنزل بساحة سلام، لكن الهدد لا يبقى على حجر، فالعمارات السكنية أمام الشافعي اعتلاها البلدوزر ينقضها من أعلى، والمقابر أمام قبر أحمد تيمور باشا أزيلت، ولم يكن أحسن حظا منها المقابر الواقعة في مواجهة حوش الباشا (مدافن أسرة محمد علي باشا)، أما الكارثة فتتكشف خلف قبة الإمام الشافعي، فهنا أجريت مجزرة للمقابر وأزيلت عن بكرة أبيها باستثناء قبة الحصواتي الأثرية.

معقول أن تتحول هذه المساحة المتشابكة من المقابر إلى مساحة مفتوحة على الخراب؟ أزيلت كلها، أصبح الوصول إلى قبة الشافعي التي كانت تتدفأ بأنس المقابر ممكنا من أي اتجاه، تنتصب القبة -العائدة بأصولها إلى العصر الأيوبي- لأول مرة في عراء موحش بعد إزالة قبور أحبة أرادوا أن يستظلوا ببركة الإمام وعطر المكان، إلا أن البلدوزر الحكومي سحق التمنيات وبدد الدعوات وأكسبنا جميعا الحسرات.

هدم جبانات القاهرة.. أرشيف خاص
هدم جبانات القاهرة.. أرشيف خاص
***

خرجتُ من زيارة القرافة الصغرى التي تعود بتاريخها إلى أكثر من 1200 عام، مشاعري مختلطة بين الألم على ما جرى، والحسرة على أن الهدم لم يسبقه إجراء حفريات وعمليات توثيق دقيقة، ربما كان في عقلي سؤال: كل ده كان ليه؟ ما يحيرني أن كل هذا التدمير المنظم والعنيف تم بلا هدف حقيقي، كان يمكن البحث عن حلول أخرى أكثر نجاعة وأقل خسارة.

كانت الجولة وداعية بامتياز، مؤلمة بحجم الخسارة، موجعة بقدر الفاجعة، الأكثر بؤسًا أنها أكدتُ لي أنني سأعيش مع ثقب في الذاكرة لن أستطيع سده أبدًا، سأعيش مع حقيقة أنني رأيت مشاهد يوم القيامة في القرافة الصغرى، عندما حل الخراب والهدم ورحلت السكينة التي عاشتها المنطقة على مدار قرون.

اقرأ أيضا:

المحو مستمر: هدم قبر أحمد شوقي والإزالة تهدد الشيخ رفعت

جبانات مصر التاريخية هي «مزار الخالدين»

وداعًا ترب السيدة نفيسة.. دهسها البلدوزر الحكومي

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.