قضايا التراث العمراني: خبراء يناقشون التحديات في مصر وفلسطين وتونس

عبر جلسة أون لاين حملت عنوان «إشكالية التراث العمراني وسبل الحفاظ عليه» دارت الحلقة الأولى من سلسلة نقاشات «التراث بالعربي» التى تنظمها مؤسسة بركات بالتعاون مع مؤسسة “مجاورة” و”أغاخان” للثقافة حول قضايا تحديات الحفاظ على العمران. تحدث في الجلسة الأولى ثلاثة خبراء من فلسطين وتونس والقاهرة عن التراث العمراني وكيفية الحفاظ عليه وهم د.سعاد عامري من فلسطين، والمهندسة سولاف عوديدي من تونس، والمهندس أحمد منصور من مصر. أدار المناقشة سيف الرشيدي مؤرخ مصري متخصص في تاريخ العمارة والفن، وميّ الإبراشي المهندسة المعمارية المصرية ومؤسسة ورئيسة مجلس إدارة جمعية الفكر العمراني – مجاورة.

تراث تونس الحديث

افتتحت الجلسة المهندسة سولاف عوديدي من جمعية الحفاظ على مدينة تونس ومن مؤسسي جمعية الحفاظ على التراث الحديث في تونس والمحاضر في المدرسة الوطنية للعمارة والعمران – نظرا لأن تونس تعد واحدة من أكثر البلاد في العالم العربي حفاظا على العمران-.

وقدمت عوديدي تجربة مدينة تونس في المحافظة على التراث العمراني بإلقاء نظرة تاريخية على المدينة. وتقول: “جاءت نشأة جمعية تراث المدينة بسبب قضية محاولة الحفاظ على التراث العمراني. وتعد تونس من المدن ذات القيمة التاريخية والمعمارية. حيث تأسست منذ 13 قرنا تقريبا وحافظت على الطابع والهيكل الخاص بها حتى القرن 18 ولم نفقد فيها إلا الأبواب للحماية”.

وأضافت، في أواخر القرن 19 بدأت المدينة الجديدة ذات الطابع المعماري الأوروبي في الظهور لهذا خرج العديد من سكان المدينة وانتقلوا لهذا الحي الجديد وظهرت بوادر تدهور المعمار في المدينة وتهميشه على إثر ذلك في الستينات. إذ بدأت هناك المشاريع التي كانت من المقرر أن تشهد شق طريق كامل عبر النسيج العمراني ولكن لم يتم بسبب الاتفاق الذي تم توقيعه لوقف هذا المخطط.

جمعية تراث المدينة

وتابعت: جمعية “تراث المدينة” قامت بردع خطر جديد سنة 1967 من بلدية تونس. إذ نفذت الأمانة العامة للجمعية في المرحلة الأولى سياسة اندماجية للمدينة ككل للحفاظ على وحدتها وتماسكها من ناحية النسيج العمراني والتطور الاقتصادي والاجتماعي من ناحية أخرى. مع توقيع ضبط منهجية أولا للتدخل على الصعيد العمراني للمدينة. ثم إيجاد طرق تشريعية للتمكين من ذلك وحماية الطراز العمراني والتركيز على تجديد المساكن الاجتماعية.

بالإضافة إلى حفاظ المدينة على طابع الساحات والأروقة والمنازل ذات الفناء والطرقات والأزقة والساحات والنمط العمراني الخاص بها والمتكاملين من جميع النواحي مما مكنها من جذب هذه القيمة التاريخية وبالتالي أدرجت ضمن قائمة التراث العالمي سنة 1989.

وتطرقت عوديدي للحديث عن جهود الجمعية قائلة: “نفذت الجمعية في المرحلة الأولى منذ نشأتها دراسات ميدانية معمارية واجتماعية لعدم وجود معلومات عن تونس. وكانت نقطة الانطلاق للتعرف على المدينة وخصائصها وطابعها البنائي وبالتالي تمكنا من وضع مشروع لإحياء المدينة قبل صدور تشريع تونس وتدشين بنك معلومات مُستخدم حتى الآن”.

التهيئة العمرانية لتونس

وأوضحت أنه في المرحلة الثانية تم إدراج جمعية التهيئة العمرانية لتونس في سنة 1980. مع تخصيص كراسة شروط للمدينة العتيقة .وهو ما يتم استخدامه من مواد بغض النظر عن القوانين المستخدمة سابقا في المشاريع العمرانية.

وأضافت، سأعطي 4 أمثلة منها إعادة هيكلة منطقة الحافصية. حيث إن هذا الحي الموجود هنا شهد هدم كلي على مراحل منذ الستينات وكنا أول جمعية قامت بإعادة هيكلة العمران وبناء 100 مسكن حوله على الطراز التقليدي.

وتطرح هذه القضية تساؤل مستمر وهو “هل هناك وعي جيد في مدينة تونس القديمة!”. وقالت: “مشاركة السكان يعد جزءا لا يتجزأ ودائما موجود في مدينة تونس باعتباره الحل الوحيد. ودائما أقولها أن السكان قبل القانون أو طرح القانون مع استعمال هذه الوسيلة لرفع الوعي للسكان، حتى أن الكثير يطلبون المشاركة في هذا المشروع”.

جانب من المناقشة عبر تطبيق زووم
جانب من المناقشة عبر تطبيق زووم
حماية التراث الفلسطيني

تطرقت د. سعاد العامري مؤسسة جمعية «رواق» الأهلية الفلسطينية للحفاظ على العمران في الريف الفلسطيني والمدن الكبرى، للحديث عن التجربة الفلسطينية في الحفاظ على التراث المعماري.

وقالت: “التجربة مختلفة في فلسطين مقارنة بتونس والقاهرة. وأرجع ذلك إلى أن العمل على الممتلكات الثقافية في المدينتين هم الجهات الحكومية والبلديات. بينما في فلسطين يقوم بذلك الجمعيات الأهلية لحماية التراث المعماري، نظرا لغياب الحكومة حتى عام 1994. حتى أن دورها فاق جهود الحكومة الحالية في حماية التراث المعماري”.

وأشادت الكاتبة الفلسطينية بدور جمعية “رواق” الرائد باعتبارها أول مؤسسة تعمل في حماية التراث الفلسطيني خاصة بالريف. وبعدها انطلقت العديد من المؤسسات التي تحمي تراث المدن الفلسطينية، مثل الخليل، القدس، بيت لحم ونابلس. نظرا لانقسام عمارة فلسطين إلى مدن وقرى.

وعن مواجهة فلسطين التحديات الأكبر في العالم العربي، تقول: “من الواضح أن تراث فلسطين يواجه تحديات أهمها غياب الحماية القانونية. ولم تستطع الجمعيات أو المؤسسات حماية كل مبنى تاريخي. لذا تم الاتفاق على حماية المراكز التاريخية فقط. ولهذا نرى حاليا مشاهد متكررة لهدم مباني ذات تاريخ قد يرجع إلى العشرينات أو الثلاثينات. بالإضافة إلى أن المجتمعات الريفية التي نهتم بها نرى فيها وضع السكان صعب والإمكانيات قليلة”.

حماية 50 قرية

واستكملت العامري حديثها عن التحديات الكبرى في فلسطين، وهي الاحتلال، وتغير المساحات من أراضي فلسطين بنسبة لا تشكل أكثر من 40% من الضفة الغربية. وتقول: “التحدي كبير بجانب مصادرة الأراضي وبناء الأسوار، ونحن في محاولة لحماية التراث المعماري في القرية وعلى الجبل نرى مستوطنة. وتحديات الوصول إلى القرى في حد ذاتها التحدي الأكبر ونقاط التفتيش المستمرة”.

مرت مؤسسة “رواق” بعدة مراحل: الأولى منها منذ تأسيس الجمعية في عام 1991 كانت رصد التراث في فلسطين وأهمية الترميم وإعادة الإحياء من خلال البرامج الثقافية والاجتماعية ومعرفة مدى تعاون الجمهور. وتقول العامري: “لم نكن على معرفة بسجل المباني التاريخية في فلسطين. وأول عمل كان تسجيل المباني التاريخية بمشاركة المئات من المهندسين والطلبة في عدة مدن، واستطعنا حينها تسجيل 50 ألف و320 مبنى في 422 قرية ونشر استطلاعات عن وجود مباني أخرى”.

وتابعت: “أصدرنا سلسلة كتب تعليمية في وقت لم يتوفر فيه إلا مصدر واحد عن العمارة الفلسطينية في القرى. مع نشر ما يقرب من 20 كتاب عن العمارة في فلسطين. وبعد تسجيل المباني التاريخية رصدنا القرى التي بها تجمع كبير وإمكانيات قليلة سواء مادية أو إنسانية. وبدأنا مشروع – حماية 50 قرية – مع تحويل 130 مبنى تاريخي لآخر مستعمل من قبل مؤسسات مجتمعية”.

وتعتبر العامري أن المشروع الرائد لـ”رواق” هو مشروع “حماية 50 قرية”. إذ لاحظت وجود العديد من القرى في فلسطين تحتوي على عدد مباني هائل. وتقول: “وضعناها ضمن خطتنا، وتم ترميم 21 مركز تاريخي مع تحسين وضعها بشكل كبير والاهتمام بالنساء والأطفال وتوفير سكن وملاعب للأطفال”.

أماكن تراثية في تونس والقدس والقاهرة
أماكن تراثية في تونس والقدس والقاهرة
القاهرة التاريخية

تحدث المهندس المعماري أحمد منصور الاستشاري في مجال الحفاظ العمراني، عن أحد المشاريع التي عمل عليها وهو مشروع الحفاظ على القاهرة التاريخية. ويقول: “أتحدث عن القاهرة باعتبارها مدينة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1979، وكان اسمها القاهرة الإسلامية ثم تغير الاسم في عام 2007 إلى القاهرة التاريخية”.

ويوضح أن المدينة خاضت مهمة تاريخية وأثرية. باعتبار أن العمران في القاهرة ذو أهمية كبرى. ويقول: “في هذا الوقت لم تكن حدود القاهرة التاريخية وضحة بالكامل وتطلبت معايير قانونية وإدارية لضمها للتراث العلمي. وأسباب التسجيل كان من أهمه احتفاظها بنسيج عمراني وأشكال من الاستيطان البشري يعود إلى القرون الوسطى. بالإضافة إلى أن القاهرة شاهدة على تاريخ المدينة من حيث التجارة والتراث والأنشطة في مجملها ووجود الأزهر داعم قوي لها”.

ويضيف منصور أنه عمل ضمن مشروع “الإحياء العمراني للقاهرة التاريخية” بهدف تطوير والحفاظ على القاهرة التاريخية. موضحا أن الخريطة التي كانت في ملف الترشح إلى القائمة، غير واضحة. ولم يتضح فيها أي حدود للقاهرة التاريخية وأماكن الحماية. ولكن تم ذكر مناطق بالاسم في الملف نفسه. وهي الفسطاط وجامع أحمد بن طولون والقاهرة الفاطمية والجبانات الشمالية والجنوبية”.

ويستكمل حديثه بأنه في عام 2010 أجريت دراسات لمشروع الإحياء العمراني من منطلق التراث العالمي نظرا لوجود أكثر من جهة للقاهرة التاريخية بحدود مختلفة. من ضمنها مشروع لتحديد شكل المنطقة والمنطقة المؤهلة للحماية على مساحة 32 كم مربع منتشرة في 11 حي مختلف وأكثر من 90 شياخة – وهي أصغر تقسيمة في الأحياء – وعدد سكان أكثر من 400 ألف نسمة. والمباني الأثرية أكثر من 600 مبنى منتشر في القاهرة وفقا لأعداد دراسة أجريت في عام 2012″.

أصحاب القرار!

«من أصحاب القرار في القاهرة التاريخية؟» تساؤل طرحه منصور. يقول: “نواجه إشكالية أخرى وهي وضع القاهرة التاريخية بين أصحاب القرار للتطوير والمحافظة على تراثها. وتتطور هذه الإشكالية في مدينة بحجم القاهرة والمشاكل بها. وتعد وزارة السياحة والآثار هي المعنية مع استخراج التصاريح اليومية من أحياء المحافظة بخلاف الأملاك الكثيرة داخل القاهرة التاريخية تابعة لوزارة الأوقاف”.

بالإضافة إلى المباني التراثية التي تخضع لجهاز التنسيق الحضاري بشروط الحفاظ على المدينة. مشيرا إلى أن أكبر مشكلة بالقاهرة التاريخية هي ملكية الأراضي والمباني في المدن القديمة. ويستكمل: “لا نملك الكثير من الوثائق لإيضاح ملكية المباني المصرية، وعادة ما تكون تقسيمة للملكية وهي ملكية الأفراد ولها أشكال مختلفة وتكون موثقة للدستور وأخرى ملكيات للأوقاف، وملكيات للحكر، وملكيات عامة تكون تابعة للدولة”.

قبل عام 2012

فيما تناول المهندس المصري المشاريع الحديثة في القاهرة التاريخية قبل عام 2012. ومنها تطوير منطقة الأزهر ومناطق وشوارع موجودة به مثل مسار آل بيت وشارع المعز. وترميم الكثير من الآثار. ويوضح: “هذه المشاريع لم تمتلك نطة واحدة تجمعها. وكل مشروع كان منفصلا والاهتمام كان للأثر بدرجة أكبر من خلال رفع كفاءة الواجهات وعمل مسارات سياحية”.

واختتم حديثه بقضايا المشاريع الحالية في القاهرة التاريخية باعتبارها أصبحت تقع في قلب القاهرة. ويستكمل: “نرى في الآونة الأخيرة العديد من مشاريع الحفاظ والترميم في قلب القاهرة التاريخية باعتبارها تقع في قلب المدينة الكبيرة. مثل عمليات إيصال شرق القاهرة بالغرب من خلال الكباري وغيرها من المشاريع التي قد تخل بالنسيج العمراني للقاهرة التاريخية”.

 

اقرأ أيضا:

د. جليلة القاضي: جبانات القاهرة تراث عالمي.. والقانون يحميها (1-2)

د.جليلة القاضي: سأعود لمصر في حالة إعادة النظر في مخطط الجبانات (2-2)

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر