«عطية حسن».. رائد الحداثة الشعرية في الصعيد

تم اختزال شعراء الحداثة عندنا في أعضاء جماعتي إضاءة وأصوات، وهو اختزال ظالم دون أن ننكر جهودهم. لكن الحركة الحداثية أكبر من الجماعتين، ولم تكن قاصرة على العاصمة. ففي المناطق البعيدة عن المركز، كان هناك شعراء يرفعون لواء الحداثة الشعرية، ويناضلون في أجواء أصعب وأشد قسوة من الأجواء التي كان يصرخ منها شعراء الحداثة في العاصمة.

«عطية حسن» واحد من هؤلاء الشعراء الذين رفعوا لواء الحداثة في أقصى الصعيد. وظل مدافعا عن أفكارها ومروجا لها رغم القيود الكثيرة التي كانت تشده للشعر التقليدي.

***

كان عطية حسن طائرا بجناحين قويين لكنه لم يحلق عاليا في سمائنا. سقط مبكرا بالضربة الفنية لبعده عن العاصمة وسقوطه من قوائم شعراء الحداثة. وسقط مبكرا بفعل الموت الذي أخطأه وهو علي خط النار في حرب 73. واصطاده وهو علي خط الهموم المصرية الكثيفة، والتي حملها في قلبه، كما يليق بشاعر مرهف، ومثقف كبير، ومواطن بسيط، وجندي راح مرة إلى الجبهة يائسا من العودة.

لكنه عاد من الهم الأصغر إلى الهموم الكبرى، عاش كمن يحمل في قلبه لغما. لم تقتله الدانة والصاروخ، لكن قلبه انفجر ذات لحظة مغمومة و”أخذ ضوءه المريش ورحل” كما يقول عنوان واحدة من قصائده الشهيرة ويمزج فيه كعادته بين كائنين مختلفين هما الضوء وريش الطيور لينتج تعبيرا له خصوصية وغرابة وأفقا دلاليا واسعا ومثيرا. كان يتحرك بجناح شاعر مدهش موهوب، سقط من ذاكرة جيله، وجناح السياسي الذي بدأ حياته بالانخراط في حزب التجمع. حيث عرف الاعتقال لفترة قصيرة، وذاق آلام انتظار زوار الفجر أعواما طويلة.

في شعره أيضا كان يحلق بجناحين مختلفين فهناك قصائد الفصحى بلغتها العالية، والمزدحمة بالصور العجيبة والتراكيب الغامضة والمعقدة، وطابعه التجريبي والمغاير للذائقة العامة. وهناك قصائد العامية التي يتجلى فيها الثائر على الأوضاع بنقمته الواضحة، وهجائه المباشر أحيانا، وطابعه التقليدي والمتناغم مع الذائقة العامة.

***

يربكني الكلام عن عطية حسن لكثرة الذكريات المرتبطة به وأثره الجميل في حياتي. فقد كان أول شاعر حقيقي أتعرف عليه مع زميله الراحل أيضا سيد عبدالعاطي، وعندما تعرفت عليهما اختصرا علي مسافات ومسافات من خلال الندوة التي كانت تعقد بالتبادل في بيتيهما، والكتب التي لم تكن موجودة في ذلك الوقت إلا عندهما.

رأيته في أواخر الثمانينات نموذجا يتيما للشاعر الحداثي الذي يقيم في جنوب الصعيد، بكل تقاليده الراسخة، وانغلاقه الشديد وقتها. ورغم أن نصوصه كانت مدهشة ومختلفة تماما عن نصوص الشعراء الآخرين إلا إنه كان منبوذا بشكل أليم. وقد بلغ الأمر حد إلحاحنا عليه كي يحضر أمسية شعرية كان يديرها الدكتور قرشي عباس، أستاذ الأدب بجامعة جنوب الوادي، إلا إننا رجعنا بمرارة وصدمة لا تصدَّق. فقد رفض الدكتور مدير الأمسية تقديمه لأنه لا يجيد الوزن، في الوقت الذي اتسع الوقت لعشرات الشعراء الجوف والمضجرين. كان الدكتور يأخذ منه موقفا نظرا لغرابة شعره ودعوى الحداثة التي يرفعها.

كما سقط بين شعراء مدينته الذين لا ينتمي إليهم فنيا ويحلق بعيدا عنهم، سقط بين أبناء جيله، جيل السبعينات. رغم أن تجربته المبكرة تشهد أنه من صناع ذلك الجيل ـ بوصفه حركة شعرية مغايرة ـ، لكن إقامته في قنا، جعلته يسقط من ذاكرة الجيل مثلما سقطت مدينته البعيدة في النسيان، في ظل مركزية القاهرة المتوحشة. ويبدو هذا واضحا من خلال تجربة زميله أمجد ريان الذي كان يعيش في قنا، وذهب إلى القاهرة فظهرت فاعليته بين أبناء جيله. رغم أن موهبة عطية الشعرية لا تقل عن موهبة ريان أو غيره من شعراء الحداثة.

***

كانت إقامته في قنا تعني غيابه عن المشهد. لقد كان يعيش في هامش بعيد لا توجد فيه منافسة أو أية أفق يمكن أن تتفتح فيه موهبته وتتراكم في ظله كتاباته. وقد غاب تماما عن النشر، ولم تُطبع أعماله إلا عام 1996، حيث صدر ديوانه الأول (يستلقي على دفء الصدف) عن سلسلة الكتاب الأول التي يصدرها المجلس الأعلى للثقافة. بعد أن انتهت معارك السبعينات، واستقرت أسماؤهم في المشهد الشعري.

لم يهتم بتلك المجموعة المتميزة أحد. فلا أحد من أبناء جيله تطوع للكتابة عنها، ولا ناقد أخذته الحمية ليضع تجربة الشاعر في سياقها. لقد طُمِست تجربته تماما، حتى أنني بحثت عن اسمها أو غلافها في جوجل ولم أجد شيئا. لم يحظ الشاعر طوال حياته بدراسة نقدية جادة. ولم يتناول أحد تجربته على الإطلاق سوى كاتب السطور والباحث الجنوبي الدكتور جمال عطا، في ندوة أقيمت في قصر ثقافة قنا في ذكرى رحيله.

بالإضافة لتلك المجموعة لم يصدر من كتابات عطية حسن الشعرية سوى مجموعة بالعامية بعنوان (نضارة شمس) سنة 2004 عن دار سنابل، التي أسسها الدكتور طلعت شاهين. ومجموعة أخيرة صدرت أواخر 2009 بعنوان (كتابة على شاهد). واعتقد أنه كتب أعمالا أخرى ولا أحد يعرف مكانها الآن.

***

في مدينة قنا عاش عطية حسن معظم حياته، لكنه انتقل في سنواته الأخيرة إلى القاهرة كي يعمل بقسم وكالات الأنباء بجريدة الأسبوع. ويطل علينا في الصفحة الأخيرة من خلال مربعات صغيرة من شعر العامية بعنوان (بعد التحية والسلام). عندما كان يمارس عمله اليومي لم يكن يؤدي عمله فقط. بل يتابع عبر وكالات الأنباء كل الأحداث العجيبة والغريبة والتي تهملها الجرائد أحيانا، لكنه كان يدونها، حتى تراكمت لديه آلاف الصفحات. وبدأ قبل وفاته بأعوام قليلة في محاولة الاستفادة من تلك الصفحات فقدم كتابا ضخما من أربعة أجزاء من الحجم الكبير بعنوان (عالم عجيب غريب) حمل كل جزء عنوانا شعريا. رغم أنه يتناول أحداثا واقعية لا خيال فيها.

الجزء الأول “رن الهاتف من عالم الأموات” سنة 2002، والثاني “جسدها يشع بالأنوار كالمصابيح” سنة 2002، والثالث “رئيس البلدية يلتقي طبقا طائرا” سنة 2004، والرابع “يقدم جسده صدقة للأسود” سنة 2004.

في هذا الكتاب راح عطية حسن بلغة بسيطة جدا وشفافة يقدم عجائب العالم عبر قاراته المختلفة. وأحداثه الطريفة التي تثير الدهشة وتكشف الأعماق الغريبة والحالات المعقدة للإنسان والتي تظهر عبر أحداث غير متوقعة تدفع على التعجب وتثير التأمل حينا والضحك حينا والمرارة حينا.

***

ثم توالت كتبه التي كانت تطلبها دور النشر وتسعى إليها بينما تتجاهل شعره. مثل كتاب “حاميها حراميها: لصوص أغبياء”، عن مكتبة الدار العربية للكتاب. وكتاب “عالم مجنون بالحب” عن الدار المصرية اللبنانية، وكتاب “جرائم هزت العالم” سنة 2005، وكتاب “فاسدون في السلطة” عن دار العلوم. وأيضا كتاب “سحرة ومشعوذون” سنة 2006، عن دار العلوم. ولم أطلع على تلك الكتب للأسف الشديد، باستثناء جزء من أجزاء “كتاب عالم عجيب غريب” الذي استمتعت به جدا. رغم أنه مجرد أحداث صغيرة كانت تبثها وكالات الأنباء، وكان يقتنصها بعين ذكية ويدونها بانتظام.

بخلاف ذلك قرأت كتابه (فاسدون في السلطة) والذي صدر عن دار العلوم للنشر والتوزيع. وراح من خلاله وعبر أحداث حقيقية نقلتها الصحف من مختلف بلدان العالم، يلقي الضوء على عالم أصحاب السلطة، كاشفا عن فضائحهم وجرائمهم. هؤلاء الذين يجلسون علي قمة العالم، ويتحكمون في حاضر ومستقبل الشعوب، ويملكون السلطة والنفوذ. ويعتقدون أن الدنيا دانت لهم وأن الزمن توقف عندهم، وأن البلاد لن تتنفس أو تحيا إلا بهم. وأن الخالق ـ سبحانه ـ فضلهم على العالمين، وأحنى لهم أعناق الرجال، وأشعل لجاذبيتهم قلوب النساء. وهو ما تؤكده الحاشية الفاسدة فتدفعهم أكثر في سبيل النهب والفساد.

***

هكذا مرت حياة عطية حسن بين المدهش والفاسد ونحن لا نعرف، هل مناخ الفساد الذي اكتشفه منذ صباه هو الذي دفعه للبحث عن المدهش والعجيب. أم أن جمال الدهشة الذي تمكن منه وحوله إلى شاعر هو الذي جعله يشعر على نحو أعمق ببشاعة الفساد والمفسدين. ما نحن على ثقة منه أن عطية حسن عاش شاعرا مفتونا بالجمال والقيم الإنسانية النبيلة. وظل طوال حياته مقاتلا يحرس كل جميل ويحارب بقدر ما يستطيع كل فساد.

ويكفي أنه استطاع أن يحافظ على نفسه. فلم يتحول إلى تاجر أو منافق أو أفاق رغم المغريات. وآثر أن يموت بسيطا كما عاش طوال حياته. كهؤلاء البسطاء الذين حملهم في قلبه منذ كان صبيا ثوريا يأمل في قلب الواقع رأسا على عقب من أجل الفقراء والمستضعفين.

اقرأ أيضا:

«محسن أبوالعزم».. بلاغة التشويه وغزلية بائع العرقسوس

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر