عيد الفطر الفلسطيني: الصلاة المستحيلة في القدس

يأتي عيد الفطر- هذا العام-  بينما يواجه سكان غزة واقعا حزينا خاليا من التقاليد والاحتفالات، يعيش السكان في مخيمات مؤقتة ووسط مباني مهدمة، وطاولات فارغة غاب عنها الأقارب والأصحاب.

صلاة مستحيلة بالقدس 

على الرغم من أن قيود الاحتلال تؤثر على الأجواء الاحتفالية المعتادة لعيد الفطر. إلا أن الفلسطينيين ما زالوا يحتفظون بالممارسات والتقاليد التي تجعل احتفالاتهم فريدة. يأتي عيد الفطر هذا العام وسط مخاوف متزايدة من تصاعد التوترات في غزة وقوات الاحتلال. وفي مدينة القدس المحتلة، كان المسجد الأقصى في الماضي مركز العبادة والاحتفال الرئيسي لجميع الفلسطينيين لكنه الآن أصبح من المستحيل الوصول إليه للقادمين من خارج المدينة.

حواجز جيش الاحتلال المنتشرة على الطرقات، وإغلاق مداخل المدينة أمام الزوار المسلمين. كل هذه الإجراءات جعلت من الصعب على الفلسطينيين من خارج القدس الوصول إلى المدينة المقدسة. ومع ذلك، ينجح العديد من الفلسطينيين دائمًا في الصلاة في البلدة القديمة متجاوزين كافة الحواجز.

من الفتح الإسلامي لعهد الفاطميين

وصل الإسلام لأول مرة إلى منطقة فلسطين، خلال الفتوحات الإسلامية المبكرة في القرن السابع، بقيادة عمر بن الخطاب. وفقًا للمؤرخ جيمس باركس، خلال القرن الأول بعد الفتح الإسلامي (640-740)، حكم الخليفة وحكام سوريا الأراضي المقدسة بالكامل على الرعايا المسيحيين واليهود. وباستثناء البدو، كان العرب الوحيدون غرب نهر الأردن هم الحاميون. بحسب وصف الأسقف أركولف، في روايته عن رحلة حجه إلى الأراضي المقدسة في القرن السابع، والتي كتبها الراهب أدامنان.

يعتقد بعض العلماء أن الإسلام أصبح دين الأغلبية في فلسطين في القرن التاسع. وانتشرت اللغة العربية بعد فترة طويلة من ثنائية اللغة، والتي استمرت حتى القرن الثاني عشر في فلسطين وحتى أواخر القرن السابع عشر في مصر.

أدت الثورات إلى تفكك العالم الإسلامي، ووقعت فلسطين في القرن التاسع، تحت قيادة السلالة الفاطمية المتمركزة في مصر. خلال تلك الفترة أصبحت منطقة فلسطين مرة أخرى مركزًا للنزاعات العنيفة التي تلتها الحروب، منذ أن حاول أعداء السلالة الفاطمية احتلال المنطقة. امتد الحكم الفاطمي في مصر وبلاد الشام بينها فلسطين، وأصبحت مدينتا القدس والخليل مقصدا رئيسيا للمسافرين. كان إنشاء مجتمعات ومؤسسات صوفية للتجمعات خلال الاحتفالات الدينية والأعياد بين عامي 1000 و1250.

وخلال الاستعداد للأعياد، كان يتفقد القضاة المساجد لإصلاح المساجد والمصابيح، وفرش الحصير الجديد. وكان يُخصص مبلغا لشراء أنواع البخور المختلفة لتعطير المساجد، وانتشرت في الأسواق الفلسطينية حلوى “القطايف” و”الكنافة” وافدة من مصر والتي كانت تُصنع للخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك.

كما انتشرت في فلسطين أيضا، موائد الطعام الخيرية، وكانت تعرف باسم “تكايا”. حيث يقوم مجموعة من الأشخاص بطهي وتقديم وجبات الإفطار الساخنة للأسر ذات الدخل المنخفض. بعد الحروب الصليبية عام 1099، وفي عام 1187، سيطر السلطان الأيوبي صلاح الدين على المنطقة بعد هزيمة الدول الصليبية في معركة حطين. وفي عام 1189، تم إنشاء أول محفل للزاهدين الصوفيين في مسجد الخانقاه الصالحية في القدس.

السيطرة المملوكية 

في عام 1250، بعد الإطاحة بالحكم الأيوبي على يد “المماليك” الذين حكموا فلسطين للقرنين التاليين (1291-1516). وأصبح السكان المسلمون هم الأغلبية، وتم بناء العديد من المقامات الإسلامية مثل مقام النبي يمين، ومقام النبي موسى، ومقام النبي روبين وغيرها الكثير من المقامات التي وصفها المسلمون بأنها مدافن للأنبياء والصحابة وحتى ما كانوا يعتبرون شهداء المسلمين المقدسين من العصور الصليبية وما قبل الصليبية.

بحسب كتاب “فلسطين بين الروحانية والثقافة الإسلامية في أواخر العصور الوسطى” ظهرت العديد من العادات الراسخة في تاريخ فلسطين في عصر المماليك، وكانت تبدأ الاحتفالات بعد رؤية هلال شوال. واهتم السلطان قلاوون بالعمارة في الخليل، ومن بينها عدة إنشاءات مثل عمارة الرباط المنصوري تجاه باب القلعة، وعمارة البيمارستان المنصوري، ورخم داخل الحجرة الخليلية. وفي عام 682 هجريا أمر قلاوون أن تكون جوالي الذمة بالقدس والخليل وبيت لحم وبيت جالا، مرصدا لعمارة بركة في بلد الخليل، المعروفة حاليا باسم “بركة السلطان”.

وبحسب كتاب “بلادنا فلسطين” لمصطفى مراد الدباغ، شهدت الخليل في فترات حكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون الثلاثة، العديد من الإنشاءات لتكون محافل في الأعياد والمناسبات الدينية. من بينها دكة المؤذنين التي كانت على قطعة مرمر في جهة الحرم الشريف، وقبة الغار الشريف. اهتم سلاطين المماليك بالأعمال الخيرية بجانب التوسعات والإنشاءات. ومن بينها كثرة الذبـائح في أول أيام العيد والتصدق بلحومها، وانطلقت هذه العادة من مقر السلطان في مصر وصولا لفلسطين وباقي بلاد الشام.

رجل فلسطيني بدوي يحمل خنجرا في القدس بين عام 1900 و1910
رجل فلسطيني بدوي يحمل خنجرا في القدس بين عام 1900 و1910
الحكم العثماني

في عام 1516، هزمت قوات الدولة العثمانية قوات سلطنة المماليك وبذلك أصبح العثمانيون الحكام الجدد لبلاد الشام. وفي عام 1834 اندلعت انتفاضة شعبية ضد حكم الوالي محمد علي. في البداية تمكن المتمردون من الاستيلاء على العديد من المدن، بما في ذلك نابلس والقدس والخليل. رداً على ذلك، قاد القائد العسكري المصري إبراهيم باشا قوة عسكرية قوامها 40 ألف رجل ضد المتمردين وتمكن من وضع حد للتمرد، وفتح غزة والرملة ويافا وحيفا والقدس وعكا.

تحدث الدبلوماسي الفلسطيني “فائد مصطفى” – في حوار قديم- عن التقاليد الرمضانية لفلسطين الموروثة من العثمانيين. وأبرزها تجمع العائلات لتناول وجبات إفطار عائلية كبيرة في منزل الفرد الأكبر سنا في العائلة. والاهتمام الخاص بالزينة في الشوارع في أول أيام عيد الفطر.

بالإضافة إلى تزيين منطقة “القدس القديمة” بشكل مختلف عن باقي المناطق. تزيين الشوارع لشهر رمضان والأعياد هو تقليد عريق يعود إلى العصر العثماني. وانتشر خلال الحكم العثماني إعداد موائد العيد الفلسطينية، وكانت تتضمن مجموعة متنوعة من الأطباق الشعبية والتقليدية مثل الملوخية، سماغية، فتة، عقوب، جريشة، مسخن ومقلوبة. وإعداد العصائر خاصة التمر الهندي واللوز والعرقسوس والخروب. وخلال شهر عيد الفطر، كان يحتفل الوالي بتوزيع الأموال وطهي الأرز باللبن وتوزيعه على المحتاجين. بالإضافة إلى توزيع الأموال على الفقراء والكعك المحشو  بالتمر أو المرشوش بالسكر.

اقرأ أيضا:

«الزمان والمكان في فلسطين».. 14 دراسة متعمقة حول أرض الأقصى التاريخية

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر