دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

فائض الأساطير: كيف نتحرر من وهم «المخلص الوحيد» في الموسيقى العربية؟

إذا كانت الموسيقى تاريخا من التحولات المستمرة، فكيف نتحرر من «سجن الأصالة» المتخيلة لنستعيد قدرتنا على الابتكار دون أن نقع في فخ المسخ أو الاستنساخ؟ ربما يكون هذا هو السؤال الأمثل الذي حاولت ندوة مناقشة كتاب «عن الأزمنة المحصورة بين النقرات» الإجابة عليه. الكتاب للباحث والموسيقي اللبناني فادي العبدالله، وصدر عن دار «الكتب خان»، والتي استضافت الندوة بمقرها في حي المعادي بالقاهرة، وأدارها الباحث والناقد هيثم أبوزيد.

الأصالة بين الابتكار والاستنساخ

استهل هيثم أبوزيد مداخلته بتسليط الضوء على جوهر الأزمة التي يعالجها الكتاب. مشيرا إلى أن المحاولة الدائمة لجعل التلحين المعاصر نسخة طبق الأصل من القديم هي محاولة تفتقر إلى الفهم العميق لآليات التطور. وأوضح أن فادي العبدالله يضرب أمثلة حية لكيفية الاستفادة من المقامات والنظم القديمة دون السقوط في فخ الاستنساخ. مستشهدا بمحاضرة سابقة للمؤلف حول “معنى الضرب”. وكيف أن الغناء القديم يزخر بتقنيات رفيعة مثل الزخارف و”العُرب” والقفلات “الحراقة”.

وضرب أبوزيد مثالا بأن عظمة أم كلثوم تجلت في قدرتها الفائقة على توظيف هذه التقنيات حتى في ألحانها المتأخرة مع محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي. حيث لم تتخل يوما عن “العُرب”. والضغط النوعي على الحروف والقفلات التي ميزت مدرستها الغنائية.

أزمة الواقع الموسيقي

انتقل أبوزيد لنقد الواقع الموسيقي الراهن بحدة، واصفا ما يحدث اليوم في حفلات “الكلثوميات” و”الوهابيات” بـ”الجحيم الفني” الذي يمزق وحدة الانسجام التاريخي والمقامي. إذ تجد برنامجا يبدأ بقصيدة رصينة للشيخ أبو العلا محمد. وتليها مباشرة أغنية “ظلمنا الحب” في حالة من “البعزقة” التي تفتقر إلى التنسيق الواعي الذي ميز نظام “الوصلة” القديم.

وأوضح أن المطلوب ليس تحنيط الماضي أو استنساخ الموشحات بحذافيرها، بل إيجاد رابط زمني أو إيقاعي يجمع بين المختارات بدلاً من تكريس حالة “نصف الموهبة” التي يُصفق لها الجمهور اضطرارا لغياب البديل.

وفي سياق متصل، هاجم أبوزيد قضية “الارتجال المعلّب” لدى بعض الشباب الذين يحاولون العودة للتراث عبر استنساخ تقسيمات وارتجالات الكبار وحفظها كأنها نوتة صماء. ضاربا مثالا تهكميا لقارئ يقلد الشيخ مصطفى إسماعيل حرفيا بسؤال مستمعيه بخيلاء: “أي حفلة تريدونني أن أُحاكي؟”، متناسيا أن عبقرية الشيخ كانت في عفويته التي لا تتكرر.

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
الفن كبضاعة “صينية”

أشار أبوزيد بسخرية إلى أن هذا التكلف يحول الفن إلى بضاعة “صينية” مقلدة فاقدة للروح. تماما كالمطربة التي تستنسخ “آهات” أم كلثوم في تسجيل محدد فتعيد الارتجال إحدى عشرة مرة لمجرد أن “الست” فعلت ذلك. في تلك الليلة لتتحول العفوية الأصلية على يد هؤلاء المقلدين إلى طقس ميكانيكي بارد يفتقد لجوهر الإبداع.

وفي حديثه عن الكتاب، قال أبوزيد إنه ليس من الكتب السهلة التي تُقرأ مرة واحدة. بل يفرض على القارئ تواضعا علميا أمام دقة التتبع التاريخي للأنغام والمسافات المقامية التي أثبت المؤلف أنها لم تكن ثابتة عبر العصور.

وتساءل مستنكرا عن سر حصر مفهوم “الأصالة” في العودة مائة عام فقط للوراء. مؤكدا أنه لو كان المقياس هو القدم الزمني، لكان من الأولى العودة لثلاثمائة عام. وهو ما يستوجب التحفظ في إطلاق أحكام “التطوير والتجديد” التي يستسهلها بعض الصحفيين الفنيين. الذين يكتفون بتغطية أخبار النجوم وسيرهم الشخصية وزيجاتهم. بينما يغيب التحليل النقدي لفن الفنان وكيفية أدائه الموسيقي.

تكفكيك أسطورة “المخلص”

من جانبه، استجاب المؤلف فادي العبدالله لهذا الطرح بتوضيح الأهداف الراهنة من وراء كتابه. مؤكدا أن الهدف المعرفي يتمثل في تفحص “الأساطير” التي تثقل الذهن وتمنعه من الابتكار بحرية. وأشار إلى أن التخلص من “فائض الأساطير” يفتح مساحة للتهجين والتلاقح مع الثقافات الأخرى. مستندا إلى مقولة ابن سينا بأن الطرب هو “أوكد أسباب اللذة.. الإحساس بملائم بغتة”. أي تلك المفاجأة التي تأتي في سياق ملائم فتحدث الدهشة.

وشدد العبدالله على أن الفنون هي مساحة للتلاقي مع “الآخر” وليست مجرد تكرار للذات. موضحا أن الريبرتوار الموسيقي يتبدل ويندثر بنسبة تصل إلى 90% كل خمسين عاما. مما يثبت أن سرعة التغيير هي المحرك الأساسي للفن.

وفكك العبدالله أسطورة “المخلص” التي تدعي أن الموسيقى المصرية كانت بائسة حتى ظهر عبده الحامولي أو سيد درويش. مؤكدا أن الموسيقى كانت دائما في حالة تطور ولها جمالياتها الخاصة. وأن ما حدث هو “تغير” طبيعي وليس “إنقاذا”. وأوضح أن الحامولي تأثر بالتأثير العثماني، بينما تأثر سيد درويش بالأوبرا الإيطالية. وكلاهما كان منفتحا على الآخر. ما يدحض فكرة “الهوية الصافية” التي لا يشوبها شائب.

الأصالة عن الذات

أكد العبدالله أن “الأصالة” الحقيقية ليست في العودة لزمن متخيل سابق، بل هي “الأصالة عن الذات”، أي قدرة الفنان على التعبير الصادق عن زمنه والظروف الحياتية التي يعيشها، مشيراً إلى أن كل ما نعتبره “أصلاً” هو في الحقيقة ثمرة تلاقح سابق، مثل الغناء الحجازي الذي تأثر بالفرس والروم والنظريات الموسيقية التي استندت إلى السلم الإغريقي.

وعلى الصعيد العملي، استعرض عبد الله ما يقدمه الكتاب للموسيقيين والباحثين، لا سيما في فهم “البنية العميقة” للإيقاع. وأوضح أنه من خلال دراسته وتطويره لجدول “المخمسات”، وجد أن البنية الأساسية للإيقاع في الإطار العربي والفارسي ثابتة منذ عهد إسحاق الموصلي، وأن ما يتغير هو الزخارف السطحية فقط.

واعتبر أن تعليم الإيقاع من خلال هذه البنية العميقة يسهل على التلميذ والملحن فهم العلاقة بين “الميلودي” والإيقاع، مما يرفع من مستوى الاستمتاع الموسيقي لدى المستمع الذي يدرك حينها كيف يتلاعب الملحن مثل زكريا أحمد بالضغوط الإيقاعية كـ”مراسي” يعود إليها اللحن.

التحرر من القوالب الشائعة

كما أشار العبدالله إلى ضرورة التحرر من أسر القوالب الشائعة مثل الطقطوقة. والعودة إلى استكشاف جماليات قوالب منسية مثل الدور والموشح والبشرف الغنائي، ليس بغرض التقليد، بل لاستلهام الأفكار العميقة الكامنة فيها.

وشدد هيثم أبو زيد في كلماته الأخيرة على أن التدقيق في الكتابات العربية عبر أكثر من أحد عشر قرنًا. كما فعل فادي عبد الله هو السبيل الوحيد لنقد الخطاب الموسيقي المستحكم الذي صار غير قابل للمساءلة. وأوضح أن الأصالة التي ينشدها الكتاب هي تلك التي تعني أن يكون الفنان هو “الأصل” وليس المقلد. وأن الطرب الحقيقي هو تلك الدهشة التي تولد من “المفاجأة الملائمة” التي تكسر رتابة المألوف. وتمنح الموسيقى دفقة حياة مستمرة بعيدًا عن محاولات التجميد والتحنيط التي تمارسها بعض المؤسسات الفنية والتعليمية تحت مسمى الحفاظ على التراث.

اقرأ أيضا:

حارسة الذوق والهوية.. كيف شكلت «التلاوة المصرية» وعي الجمهور؟

«ناجي باسيليوس»: نحن لا نرى الأشياء بل تجليات الضوء عليها.. والحقيقة تسكن في المناطق الوسطى

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.