دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

من فم إلى أذن.. كيف حفظت الكنيسة الألحان واللغة القبطية؟

قبل أن تُكتب الموسيقى، وتسجل الأصوات، كان اللحن يُحفظ في الذاكرة. وفي فضاء الكنيسة القبطية، لم يقاس الزمن بالسنوات، بل بالأصوات التي ما زالت تتردد كما وُلدت للمرة الأولى. هذه الأصوات تعيش بين الجدران، تحمل في نغماتها تاريخًا ممتدًا، ولغة صمدت داخل الصوت، وذاكرة جماعية انتقلت من جيل إلى آخر دون الحاجة إلى تدوين. وهكذا ولدت الألحان والترانيم التي أصبحت تراثًا موسيقيًا حيًا، يتجاوز الطقس الديني ليكشف عن جذور ممتدة، ولها دورا رئيسيا في حفظ اللغة، رغم التحديات التي قد تهدد استمراريتها اليوم.

خلفية تاريخية للموسيقى المصرية

كانت الموسيقى ولا تزال أحد أعرق أشكال التراث في مصر. فقد عرفها المصري القديم واستجاب لها، وجعل منها طقسًا في كل مناسباته واحتفالاته. وتكشف اللوحات والجداريات عن تنوع هذه الآلات الموسيقية في مصر القديمة. وبفضل أصالة هذه الألحان وتميزها، انتقلت إلى وقتنا الحالي عبر الكنيسة القبطية، التي استمدت عددا كبيرا من ألحانها منها. لتصبح جزءا من التراث المصري المحافظ على عراقة موسيقاه.

تؤكد مريم القس مسعود في دراستها “لحن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية غولغوثا ودوره في تنمية مهارات العزف على البيانو”: “الموسيقى القبطية استمرار للموسيقى المصرية القديمة التي احتفظ بها الشعب وتمسك بها”.

كما أشار الفيلسوف السكندري اليهودي فيلون إلى أن جماعة المسيحيين الأوائل أخذوا ألحانًا معظمها من مصر القديمة. ووضعوا لها نصوصا مسيحية. ومن بين هذه الألحان، لحن يُسمى “غولغونا”، كان يستخدم أثناء عملية التحنيط وفي المناسبات الجنائزية.

ولذا، كان من الضروري الحفاظ على هذه الألحان حتى لا تندثر مع الزمن. ففي نهاية القرن العشرين، قام بعض المهتمين بالموسيقى بتدوين الألحان تدوينًا موسيقياً كاملاً. ومن أبرزهم الدكتور راغب حبشي مفتاح، الذي أصدر كتابا لتدوين ألحان القداس كاملة موسيقيًا. مستعينا في ذلك بأشهر الموسيقيين العالميين مثل أرنست نيو لاند سميث ومارجريت توث.

تأثر اللحن القبطي بمصر القديمة

أشار مرتلو الكنيسة القبطية في دراسة عن تأثير الموسيقى المصرية القديمة على اللحن القبطي إلى أن المصريين المسيحيين الأوائل لم يستطيعوا الانفصال عن الموسيقى التي نشأوا عليها. فقد صاغوا ألحانًا دمجت بين التراث المصري والعاطفة المسيحية. من خلال الروح القدس، لتظهر ألحان قبطية ذات طابع أرثوذكسي فريد.

ولعل أكبر دليل على ذلك أن كثيرا من هذه الألحان تحمل أسماء مدن مصرية قديمة اندثرت مثل: السنجاري وأتريب وكي إيبرتو، وانتقل إليهم الإطناب كأسلوب غنائي. وساعد على ذلك بعض الآباء القديسين مثل ديديموس الضرير وأثناسيوس الرسولي، في وضع ألحان قبطية خالصة. مثل “أومونوجينيس” التي ترتل في صلاة الساعة السادسة من الجمعة العظيمة. و”لحن بيك إثرونوس” الذي يجمع بين الحزن والبهجة وفقًا للطقوس الملكية القديمة.

ترانيم وألحان في الكنيسة.. مشاع إبداعي
ترانيم وألحان في الكنيسة.. مشاع إبداعي
لحن وترنيمة

من هذا الإرث انبثقت الترانيم القبطية التي حافظت على ألحان الكنيسة. إذ يجب الإشارة إلى أن الفرق الرئيسي بينهما يكمن في كون الترنيمة تهدف إلى التعليم والتشجيع والتقرب إلى الله. بينما يمثل اللحن والتسبحة جوهر التراث الروحي وقلب العبادة الأرثوذكسية. يضم كل منهما أشكالا مختلفة، مثل ترانيم التسبيح والمناسبات والصلاة وغيرهم، أما الألحان، فتشمل مثل الكيهكي، الفرايحي، الصيامي، الشعانيني. ورغم هذا التنوع يبقى الهدف منهما تكملة بعضهما البعض.

الألحان واللغة والاندثار

لم تحفظ  الألحان الموسيقى المصرية القديمة فقط، بل اللغة القبطية أيضا، التي كانت أساس مصر حينها. فالقبطية هي المرحلة الأخيرة من تطور اللغة المصرية القديمة. وقد تأثرت ببعض المفردات اليونانية مع دخول الإسكندر الأكبر مصر. حيث تعلم عدد من اليونانيين اللغة القبطية وطبعت لغتهم بالطابع القبطي. لذلك برز دور الكنيسة في تعميم استخدام الكتابة القبطية.

يشير القس شنودة ماهر في كتابه “تراث الأدب القبطي: تاريخ اللغة القبطية ولهجاتها” إلى أن: “الفضل في تثبيت الأبجدية القبطية في الوضع الذي تعرف به حاليًا. وتطبيع نظام هجاء الكلمات وتطويع القواعد والأساليب، يعود إلى الكنيسة المسيحية في مصر، ضمن برنامجها التبشيري في حبرية البابا ديمتريوس الإسكندري البطريرك الثاني عشر وخلفائه”.

محاولات طمس اللغة القبطية

ظلت اللغة القبطية أساس مصر حتى القرن السابع الميلادي، مع دخول العرب وانتشار العربية بشكل تدريجي حتى القرن الحادي عشر، حين حظر الحاكم بأمر الله التحدث بالقبطية. وبحلول القرن الثاني عشر، حلت اللغة العربية على بلدان الوجه البحري ومعظم الوجه القبلي. ومع هذه التغيرات، وخوف الكنيسة القبطية من فقد هويتها المصرية. اتخذ البطاركة مسالكهم لإنعاش اللغة القبطية مرة أخرى في القرن التاسع عشر.

يؤكد القس شنودة ماهر: “اهتم البابا كيرلس الرابع البطريرك العاشر بعد المئة، باللغة القبطية اهتمامًا بالغًا. حتى في السنة التي باشر فيها إدارة الكنيسة كلها بلقب مطران قبل ارتقائه الكرسي المرقسي. وقد كتب حينذاك منشورًا يحث فيه الأقباط على التبرع لبناء معهد علمي. موضحًا أهمية المشروع بأن ذكرهم بحالة الضعف التي وصلت إليها اللغة القبطية. وعقد مقارنة بين اهتمام الأجانب بها وإتقانهم لها وبين عدم قدرة القبط على فهمها وكان يقاوم أي تهاون أو تقصير في استخدام القبطية في الصلوات الكنسية بحزم وشدة”.

معلم الألحان بالكنيسة

في هذا السياق يقول الكاهن ألكسندروس، معلم الألحان بالكنيسة لـ«باب مصر»: “الألحان أو الترانيم في الكنيسة تضرب بجذورها في أعماق الحضارة المصرية القديمة. والكنيسة حافظت عليها وطورتها بكلمات مسيحية، معتمدة على المقامات الموسيقية المصرية القديمة التي كانت مستخدمة في المعابد وانتقلت إلينا شفاهيًا عبر الأجيال”.

ويضيف أن هذا الانتقال الشفاهي يؤكد استمرارية الثقافة الشفهية عبر آلاف السنين. ويعد لحن “غولغوثا “من أبرز هذه الجذور، إذ يمتد تاريخه لنحو 5 آلاف عام. وكان يستخدم في جنازة الملك خوفو. كما أن الكنيسة القبطية حافظت على ألحانها لأكثر من 3 آلاف عام عن طريق التسليم الشفاهي “من فم لأذن”. أي اعتمدت على الذاكرة البشرية القوية، حيث يتلقى كل جيل الألحان ممن سبقه، في سلسة متصلة تعود إلى بدايات العصر الميلادي.

ويشير إلى أن ممارسة الصلوات اليومية أسهمت في تلمذة المرتلين، وربطهم بين الموسيقى المصرية واليونانية واليهودية. ما جعل الألحان القبطية جزءا أساسيا من العقيدة والهوية المصرية.

حفظ اللغة وتوثيق اللحن

عن دور الترانيم والألحان في حفظ اللغة القبطية حتى اليوم، يوضح أن ذلك يرجع إلى الالتزام بترنيم الألحان باللغة القبطية. إلى جانب طريقة تلحينها وتسليمها، بما يمنحها امتدادا أفقيا من مكان لآخر، وامتدادا رأسيا عبر الأزمنة. ويؤكد أن الدليل الأوضح على ذلك هو أن تسجيل الألحان الكنسية ترتل بالأسلوب ذاته. رغم اختلاف الأشخاص والأماكن والزمان.

وفيما يخص مشاركة الكنيسة في مشروعات توثيق الترانيم، يوضح أن هناك جهودا قائمة لتدوين النوتات الموسيقية للألحان التي قل استخدامها حتى لا تندثر. أما عن الألحان المهددة بالاختفاء، فيشير إلى أن بعضها أصبح قليل الممارسة. ولا يرتل إلا في مناسبات محدودة، ولا يحفظه كثيرون. ما يجعله عرضه للاندثار، وإن كان ذلك لم يحدث فعليا حتى الآن.

اقرأ أيضا:

الباحث «يوسف طيبة»: الترجمة المباشرة أهم عامل في فهم اللغة المصرية القديمة

احتفالا بأعياد الميلاد.. المتحف القومي للحضارة يفتح أبوابه لمعرض «روح ومحبة»

«هالة فودة»: التلي أصعب أنواع التطريز.. والأزياء المصرية في حاجة لفرض نفسها في السوق

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.