بين الملعب والحارة.. رحلة «الكرة» في السينما والدراما المصرية
خلال هذه الأيام، تتعلق عيون وقلوب الملايين حول العالم بأقدام لاعبي كرة القدم وهم يعزفون لحنًا يستظهر جماليات اللعبة وفنونها، في ظل منافسة قوية لحصد لقب استثنائي هو «كأس العالم». ذلك الحدث الرياضي الفارق الذي تجاوز تأثيره حدود المنافسة الرياضية، ليصبح واحدًا من أهم الأحداث التي تنشغل بها الشعوب، وتوليها الحكومات اهتمامًا فارقًا خاصًا. كما تحولت البطولة إلى صناعة شديدة الأهمية، ومكون اقتصادي مؤثر يرتبط بعدد من الأنشطة المكملة.
ويتطلع ملايين المصريين إلى البطولة الأهم، التي تستضيفها ثلاث دول للمرة الأولى، هي: المكسيك والولايات المتحدة وكندا، وبمشاركة 48 منتخبًا للمرة الأولى منذ تأسيس البطولة قبل نحو قرن، حيث يشارك منتخب مصر للمرة الرابعة في تاريخه.
أفلام سينمائية محدودة وتأثير ممتد
على الرغم من الشعبية الجارفة التي تتمتع بها كرة القدم في مصر منذ ظهورها في القرن التاسع عشر، إلا أن السينما المصرية لم تذهب كثيرًا إلى الملاعب، ولم تجعل اللعبة الأكثر جماهيرية بطلة رئيسية لأحداثها، إلا في عدد محدود من الأعمال التي نجحت في توثيق علاقة المصريين المدهشة بالساحرة المستديرة.
فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اليوم، قدمت السينما المصرية نماذج مختلفة للاعب الكرة والمشجع والنادي الرياضي، في محاولة لرصد التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع المصري عبر العقود.
كانت البداية عام 1937 مع فيلم “شالوم الرياضي”، بطولة الفنان علي الكسار، الذي يُعد من أوائل الأعمال التي اقتربت من عالم كرة القدم، إذ عَكس الفيلم بدايات انتشار اللعبة في الشارع المصري، وتحولها إلى ظاهرة جماهيرية تستقطب اهتمام مختلف الفئات.
ثم تغيب كرة القدم عدة عقود عن شاشة السينما، ربما لأن صناع الفن السابع في تلك المرحلة انشغلوا بقضايا اجتماعية أكثر إلحاحًا، وحصروا كرة القدم في كونها مجرد لعبة.
وحين جاءت حقبة السبعينيات، قدمت السينما فيلم “أونكل زيزو حبيبي”، بطولة محمد صبحي، الذي مزج بين الكوميديا وكرة القدم، مستعرضًا تأثير اللعبة في حياة الشباب والأطفال. بينما حمل فيلم “4-2-4” الذي تم عرضه عام 1981، اسم إحدى أشهر الخطط الكروية، مقدمًا معالجة ساخرة تدور داخل أجواء الأندية الرياضية والصراعات المرتبطة بها.
اقرأ أيضًا: كرة القدم بين «الظواهر الأنثروبولوجية» و«الفرجة الشعبية»

“شحاتة أبو كف” و”الحريف”.. الأهم
مع مرحلة الواقعية الجديدة التي شهدتها السينما المصرية بداية من عقد الثمانينيات، والتي قادها عدد من المخرجين، مثل محمد خان، وعاطف الطيب، وداود عبد السيد وغيرهم، جاء التحول الأبرز في تناول عالم كرة القدم، من خلال فيلم “غريب في بيتي” عام 1982، الذي كتبه وحيد حامد، وأخرجه سمير سيف، وقام ببطولته نور الشريف وسعاد حسني.
وتناول الفيلم للمرة الأولى بصورة مباشرة، حياة لاعب كرة القدم المحترف من خلال شخصية “شحاتة أبو كف”، التي تحولت لاحقًا إلى أيقونة. فهذا اللاعب القادم من أقاليم مصر إلى القاهرة بحثًا عن المجد والشهرة داخل نادي الزمالك، نجح العمل في تقديمه بصورة إنسانية بعيدًا عن الأضواء، كاشفًا عن التحديات الاجتماعية والشخصية التي يواجهها.
وبعد عامين فقط، أي في عام 1984، كانت السينما المصرية على موعد مع درة أعمالها التي تناولت اللعبة الشعبية الأولى، حين قدم المخرج محمد خان واحدًا من أهم أفلامه، وهو “الحريف” بطولة عادل إمام.
لم يتناول الفيلم الاحتراف أو نجومية الملاعب، بل اتجه إلى كرة الشوارع والحارات الشعبية، ولعبة “الكرة الشراب”، حيث عالم المهمشين الذين يتصارعون على جنيهات قليلة، مكتفين بمتعة اللعب وإشباع موهبتهم، رغم الفقر والاحتياج. ويجد البطل “فارس”، الذي جسده عادل إمام، في المباريات الشعبية متنفسًا للهروب من ضغوط الحياة والعمل والأسرة.
لقد اختار صناع العمل، بشير الديك ومحمد خان، عالم الكرة الشراب في الأحياء الشعبية، لأنهم أرادوا الكشف من خلاله عن صراعات اجتماعية واقتصادية تسحق هؤلاء البسطاء، كاشفين عن شخصيات مستغلة، مثل “الأعرج” واللاعب السابق العجوز كابتن مورو.
ويظل “الحريف” هو “سفر المهمشين” في الحياة، وليس فقط في عالم كرة القدم، كما يُعد أهم رصد لعلاقة المصري البسيط باللعبة، باعتبارها جزءًا من الحياة اليومية وليست مجرد وسيلة للترفيه.
وبعد سنوات قليلة، جاءت تجربة مغايرة قدمها المخرج شريف عرفة عام 1988، من خلال فيلم “الدرجة الثالثة”، بطولة أحمد زكي وسعاد حسني عن سيناريو وحوار ماهر عواد، بمشاركة عصام عبد الله.
وحاول الفيلم تقديم رؤية مختلفة لعالم كرة القدم ومكوناته، معتبرًا ساحتها رمزًا للصراع بين الطبقات، ومتطرقًا إلى العلاقة بين الجمهور البسيط وإدارة المؤسسات الرياضية، بما تحمله من صراعات نفوذ ومصالح.
اقرأ أيضًا: أبرزهم “الحريف” و”الدرجة الثالثة”.. سيرة كرة القدم في 48 فيلم مصري

ظهور نجوم الكرة في أفلام السينما
غابت كرة القدم مرة أخرى، ثم عادت اللعبة إلى الشاشة من خلال أفلام مثل “الزمهلاوية”، الذي تناول ظاهرة التعصب بين جماهير الأهلي والزمالك في إطار كوميدي، ثم فيلم “كابتن مصر”، الذي قدم صورة لاعب الكرة المعاصر بوصفه نجمًا جماهيريًا تحيط به الأضواء والشهرة.
ولم تقتصر علاقة كرة القدم بالسينما على تناول اللعبة نفسها، بل امتدت إلى مشاركة عدد من نجوم الملاعب في الأعمال السينمائية، ويظل الراحل صالح سليم النموذج الأبرز والأكثر نجاحًا، بعدما تحول من نجم كروي إلى بطل سينمائي في أفلام مهمة، مثل “الشموع السوداء” و”الباب المفتوح”.
كما شهدت السينما ظهور عدد من نجوم الكرة في أدوار مختلفة أو كضيوف شرف، مثل إكرامي، وجمال عبد الحميد، وطاهر الشيخ. ومؤخرًا، جاءت تجربة أحمد حسام ميدو من خلال فيلم “الحريفة”، إنتاج 2024.
ويقوم الفيلم على بطولة شبابية تضم نور النبوي وأحمد غزي، إلى جانب نجم الكرة السابق أحمد حسام “ميدو”، حيث يمثل العمل نقلة مهمة في الأعمال التي تناولت عالم كرة القدم، إذ أعاد تصويرها بعيدًا عن عالم النجوم والملاعب الكبرى والأضواء، إلى ساحات المدارس والشوارع وحياة الناس البسيطة في المناطق الشعبية.
كما استخدم لعبة كرة القدم كوسيلة لتحليل الواقع وتقديم صورة عن نماذج متباينة من الشباب المعاصر، مستخدمًا لغة سينمائية تناسبهم وتعبر عنهم. ولعل هذا هو سبب نجاحه الجماهيري الكبير، الذي دفع صناع العمل، المخرج رؤوف السيد والمؤلف إياد صالح، إلى تقديم جزء ثانٍ للفيلم حمل اسم “الحريفة 2 – الريمونتادا”، وهو مصطلح كروي يعني العودة من الهزيمة إلى النصر في المباراة.
ورغم أن عدد الأفلام التي تناولت كرة القدم لا يتناسب مع مكانة اللعبة في المجتمع المصري، فإن الأعمال التي قُدمت نجحت في توثيق جوانب مختلفة من علاقتنا بالكرة، من أحلام الاحتراف والشهرة، إلى مباريات الحواري الشعبية، مرورًا بحكايات الجماهير والانتماء للأندية، وهي علاقة تبدو مرشحة لإنتاج المزيد من القصص السينمائية في المستقبل، في ظل استمرار كرة القدم باعتبارها الشغف الأول للمصريين.

ظهور محدود في الدراما التلفزيونية
رغم أن كرة القدم تمثل الشغف الأول للمصريين منذ أكثر من قرن، إلا أن حضورها في الدراما التلفزيونية ظل محدودًا. فمنذ ظهور التليفزيون المصري عام 1960 وحتى الآن، لم تنتج الدراما المصرية عددًا كبيرًا من المسلسلات التي اتخذت من الملاعب واللاعبين والأندية عالمًا رئيسيًا لأحداثها، مكتفية في أغلب الأحيان بتناول اللعبة بشكل عابر، أو توظيفها كخلفية لبعض الشخصيات الدرامية.
ويظل مسلسل “الكابتن جودة”، الذي عُرض في منتصف الثمانينيات، أبرز نموذج للدراما الرياضية المصرية، حيث تناول قصة مدرس تربية رياضية يحاول نشر الثقافة الرياضية واكتشاف المواهب في إحدى القرى المصرية.
وفي عام 2010 ظهرت تجربة مختلفة من خلال حكاية “كابتن عفت” ضمن سلسلة “حكايات وبنعيشها”، حيث قدمت ليلى علوي شخصية امرأة تعمل داخل المجال الرياضي، وتواجه تحديات عديدة في بيئة يغلب عليها الطابع الذكوري.
وبعيدًا عن الأعمال التي جعلت كرة القدم محورًا رئيسيًا للأحداث، شهدت الدراما المصرية حضورًا متفرقًا للعبة من خلال حلقات أو مشاهد تناولت ثقافة التشجيع والانتماء للأندية.
ومن اللافت أن عددًا من نجوم كرة القدم المصريين ظهروا في أعمال درامية وتلفزيونية على مدار العقود الماضية، سواء من خلال المشاركة التمثيلية أو الظهور بشخصياتهم الحقيقية، وفي مقدمتهم صالح سليم، إلى جانب أسماء أخرى مثل إكرامي الشحات وجمال عبد الحميد وغيرهم. إلا أن الظهور في الأعمال التلفزيونية ظل محدودًا، وربما النموذج الأنجح هو أحمد صلاح حسني، الذي انتقل من الملاعب إلى عالم التمثيل ونجح في ترسيخ حضوره الفني.
وفى الوقت الذي أصبحت فيه كرة القدم صناعة ضخمة وجزءًا أصيلًا من الحياة اليومية للمصريين، لا تزال الدراما التلفزيونية بعيدة عن هذا العالم الثري.
اقرأ أيضًا: أبرزهم “الحريف” و”الدرجة الثالثة”.. سيرة كرة القدم في 48 فيلم مصري



