من بين 600 متقدم.. 9 فنانين يعرضون حصاد «نقطة انطلاق» في الفيوم
«عبلة للفنون» و«ساويرس» تحتفيان بحصاد النسخة الثانية من منحة الإقامة الفنية
اختتمت مؤسسة عبلة للفنون، بالتعاون مع مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية، الأسبوع الماضي، النسخة الثانية من برنامج الإقامة الفنية «نقطة انطلاق»، وذلك من خلال معرض فني استعرض حصاد التجارب الإبداعية لتسعة فنانين وفنانات شباب شاركوا في البرنامج على مدار ثلاثة أشهر بمركز الفيوم للفنون في قرية تونس. وضم المعرض أعمالًا متنوعة في مجالات النحت والتصوير والطباعة والجرافيك، عكست التطور الفني للمشاركين وما وفرته الإقامة من مساحة للتجريب والإنتاج والتبادل المعرفي.
نقطة انطلاق
تُعد منحة الإقامات الفنية “نقطة انطلاق” برنامجًا فريدًا يهدف إلى دعم الفنانين الصاعدين ومنحهم فرصة للتفرغ والإنتاج الفني. وشهدت النسخة الثانية إقبالًا واسعًا، حسب ما ذكر إبراهيم عبلة، المدير التنفيذي لمركز الفيوم للفنون في قرية تونس.
وأشار إلى استقبال نحو 600 طلب مشاركة من مختلف محافظات الجمهورية، قبل أن تختار لجنة التحكيم، التي ضمت الفنانين محمد عبلة وإيمان الرشيدي وطارق الكومي وعلية عبد الهادي ومحمد يونس، 43 فنانًا وفنانة من 13 محافظة للمشاركة في معرض عام، انتهى باختيار تسعة فنانين خاضوا الإقامة الفنية المكثفة بمركز الفنون، والتي أثمرت عن أعمال عُرضت للجمهور في المعرض الختامي.
وأكد إبراهيم أن التجربة كانت ملهمة للغاية، فقد مكث الفنانون التسعة لمدة ثلاثة أشهر بعيدًا عن الأهل والأصدقاء، لكنهم أثبتوا أن الرهان على الفنانين الشباب كان رهانًا صائبًا، وهو ما انعكس في أعمال فنية مميزة، وأشار إلى أن التجربة أثرت في جميع المشاركين، وكانت رحلة مشوقة أسهمت فيها البيئة الطبيعية للفيوم.
وأضاف المدير التنفيذي لمركز الفيوم للفنون بقرية تونس: “لا يستطيع أحد نسيان الدور الذي قامت به من البداية الفنانة الكبيرة إيفلين بورية، التي حولت تلك القرية البسيطة إلى وجهة ثقافية، وهو ما استكمله مركز الفنون”.

شريك مؤمن بأفكارنا
شاركت مؤسسة ساويرس في تلك التجربة الهامة، وتقول ليلى حسني، المديرة التنفيذية لمؤسسة ساويرس: “نحن في مؤسسة ساويرس نعمل في مجال التنمية منذ 25 عامًا، ونرى أن التنمية لا بد أن تسير جنبًا إلى جنب مع الفن، لأن الفن يمنح الفرد مساحة للتواصل والمشاركة مع المجتمع وطرح آرائه الشخصية والتعبير عن مشكلاته الخاصة أو القضايا العامة”.
وتابعت: “كان من الصعب بالنسبة لنا كمؤسسة أن نجد شريكًا مؤمنًا بأفكارنا وما نقوم به من عمل، ويستطيع تطبيق ذلك على أرض الواقع بشغف وحب، لكننا وجدنا ذلك في مؤسسة عبلة للفنون. ونحن فخورون جدًا بهذا التعاون، وبالنتاج الفني الذي شاهدناه، والأهم من الأعمال الفنية نفسها هي الرحلة والتجربة والخبرات والاندماج في المجتمع التي خاضها الفنانون التسعة على مدار ثلاثة أشهر”.
اقرأ أيضًا:تركت الهندسة واختارت الحُلي.. «أميرة القاضي» تحول التراث إلى فن يُرتدى
نموذج ملهم يشجع مؤسسات أخرى
كان للفنان الكبير محمد عبلة، رئيس مجلس أمناء مؤسسة عبلة للفنون، دور كبير في دعم وتوجيه المشاركين في هذا البرنامج، واستضافتهم في مركز الفنون بقرية تونس بالفيوم. وحول هذه المنحة يقول: “أتمنى أن تتحول هذه المبادرة إلى نموذج ملهم يشجع مؤسسات أخرى على تنفيذ تجارب مماثلة لدعم الفنانين الشباب، لما لذلك من دور مهم في تشكيل الوعي ونشر الإيجابية في المجتمع”.
ويضيف عبلة: “يمتلك الشباب طاقة وشجاعة وانطلاقًا، وهو ما ظهر في هذا المعرض من خلال أعمال فنية نفذها تسعة فنانين شباب، أتيحت لهم ظروف استثنائية من توفير المكان والوقت، أو ما أسميه “حضانة فنية” تساعدهم على الإبداع. وأرى أن هذه التجربة ستترك ذكريات لا تُنسى في نفوس الفنانين، كما تركوا لنا أعمالًا وذكريات لا تُنسى”.

وجوه الفيوم
الفنانة التشكيلية بسملة محمد، من الأقصر، إحدى المشاركات في المنحة في مجال الجرافيك والطباعة، تعرفت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتقدمت للمشاركة فيها:
تقول: “شاهدت النسخة الأولى من المنحة العام الماضي وتمنيت أن أكون إحدى المشاركات، وحالفني الحظ هذا العام وتم قبولي لإنتاج وعرض أعمالي الفنية في مجال الجرافيك والطباعة. لكن عندما أتيت إلى هنا تعلمت الكثير من الأشياء التي لم أكن على دراية بها، من خلال الورش الفنية المخصصة لنا”.
وتابعت: “ساعدني التواجد في هذا المكان، والاحتكاك بالفنانين المختلفين، والنقاشات التي كانت تدور بيننا، في تطوير إنتاجي الفني، وهو ما انعكس على الأعمال التي عرضتها. فأغلبها بورتريهات أعبر فيها عن الحالات النفسية من خلال الموديل. لطالما ألهمتني بورتريهات الفيوم الشهيرة، لكن عندما جئت إلى الفيوم كانت النقلة الحقيقية”.
وأضافت محمد: “رأيت وجوه الناس العادية من حولي وكأنها وجوه الفيوم القديمة لم تتغير، وكان التواصل معهم في بيئة حية له الأثر الأكبر في نفسي، وهو ما ظهر في لوحاتي الفنية، وكأنها نسخة معاصرة من بورتريهات الفيوم، وإن لم تكن مطابقة لها، فقد حاولت أن تحمل النظرة نفسها التي عشقتها في تلك الوجوه”.
طبيعة الفيوم
مني مهيمن، فنانة بصرية معاصرة ومعيدة بكلية التربية الفنية بجامعة العاصمة، تخصصت أعمالها في التصوير الزيتي، وتقول عن مشاركتها: “أعمل في مجال التصوير البصري، وتميل أعمالي إلى التمويه البصري وعلاقته بسيكولوجية السلوك الإنساني. وقدمت مجموعة من لوحات اللاندسكيب، لكنني تأثرت كثيرًا بطبيعة الفيوم، وهو ما ساعدني على تطوير أسلوبي الفني، وظهر ذلك بوضوح في الأعمال التي شاركت بها في هذا المعرض”.
وتكمل: “الفترة التي قضيتها هنا في الفيوم جعلتني أكثر صفاءًا ذهنيًا، بعيدًا عن أي مؤثرات، كما جعلتني أرى الطبيعة بشكل مختلف، فأصبحت أتعامل معها برؤيتي الفنية الخاصة، وليس باعتبارها مجرد منظر طبيعي. كما تأثرت بألوان الجبال والريف والحقول وبحيرة قارون، وهو ما أضاف الكثير إلى لوحة ألواني”.
اقرأ أيضًا: عرائس «كرمة ماهر».. مشروع لإحياء العروسة القماش بروح تراثية جديدة

العلاقة بين الإنسان والحيوان
كان للنحت نصيب في المعرض، حيث شاركت الفنانة السكندرية الشابة منة مسعد في مجال النحت، وهي خريجة كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، وحصلت على الجائزة الكبرى في صالون الشباب الخامس والثلاثين، والجائزة الأولى في مسابقة الحرية والإبداع بالإسكندرية.
تقول: “تتمحور ممارساتي الفنية ومنحوتاتي حول العلاقة بين الإنسان والحيوان، وهي علاقة بدأ اهتمامي بها منذ الصغر نتيجة تربيتي للحيوانات في المنزل والتعامل معها. فقد ربيت تقريبًا كل أنواع الحيوانات، وهو ما دفعني إلى البحث في طبيعة تلك العلاقة وتطورها عبر العصور”.
وتابعت: “خلال إقامتي بالفيوم منحتني الطبيعة الهادئة، ورؤية العديد من الحيوانات بشكل يومي، حالة غنية من التأمل انعكست بصورة مباشرة على أعمالي النحتية التعبيرية، إذ ركزت بشكل أكبر على تفاصيل الحيوانات وحركاتها”.
وتضيف مسعد: “أرى أن الإقامة الفنية التي حظينا بها من خلال “نقطة انطلاق” كانت مفيدة للغاية، فحتى مع وجود بعض الصعوبات، اكتسبنا خبرات فنية إنسانية كثيرة. كما أضاف لي الاحتكاك بزملائي الفنانين، وأن أكون محاطة بالفن طوال الوقت، الكثير من الخبرات. حتى إنني بعدت تمامًا عن وسائل التواصل الاجتماعي، وكان اقترابي من الطبيعة والقراءة في المكتبة هو الأهم، وهو ما ترك أثرًا كبيرًا في نفسي من خلال هذه التجربة الرائعة”.
فرصة مهمة
يتفق التشكيلي الشاب محمود ماهر، ابن محافظة البحيرة والمتخصص في النحت، على تأثره بتجربة منحة الإقامة الفنية، ويقول: “بعد تخرجي في الجامعة، كان هناك صراع داخلي حول ما إذا كنت سأستمر في طريق الفن ودراستي الفنية أم لا، وهنا ظهرت أمامي المنحة، فتقدمت إليها وحالفني الحظ بالقبول، فقد جاءت في توقيت مناسب لحسم هذا الصراع”.
وتابع: “كانت فرصة مهمة للغاية لاكتساب الخبرات التي كنت أفتقدها في المجال الفني. فقد تعلمت هنا كيفية التعامل مع الفن والفنانين، وكانت هذه المرة الأولى التي أنفصل فيها عن تفاصيل حياتي اليومية المعتادة، ويصبح تركيزي واهتمامي منصبين بالكامل على الفن. لذلك أستطيع القول إن هذه المنحة أضافت لي الكثير على المستوى الشخصي”.

وادي الحيتان بالفيوم
عن مشاركتها في المنحة، تقول الفنانة رولا حشمت، خريجة كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، قسم التصوير: “جو الفيوم مريح للغاية، فأنا من القاهرة حيث الضوضاء، وقد ساعدني هذا الهدوء على توليد أفكار جديدة، كان من أبرزها فكرة علاقة الإنسان بالحيوان، وتصور ما مرت به من مراحل، ومن هنا جاءت فكرة الاستفادة من هذه العلاقة في لوحاتي”.
وتضيف: “كما كانت زيارتي لوادي حيتان بالفيوم نقطة تحول في أعمالي. فعندما رأيت هياكل الحيتان وعظامها وكيف تغير شكلها عبر السنين، أدهشني ذلك وجعلني أفكر في كيفية توظيفه تشكيليًا”.
وتابعت حشمت: “هذه هي المرة الأولى التي أبتعد فيها عن الأهل والأصدقاء لأركز فقط على الفن، لكنها كانت فترة مهمة من التطور على المستويين الشخصي والفني، فقد التقيت بفنانين من جيلي، إلى جانب فنانين كبار أفادونا بخبراتهم وتجاربهم”.
المشاركة المجتمعية
كجزء من محور التنمية المجتمعية في برنامج “نقطة انطلاق”، شكلت ورش الأطفال جزءًا هامًا من البرنامج، حيث شارك أطفال من قرية تونس من خلال نموذج ” الأخ الأكبر والأخت الكبرى”، حيث تم دمج الفنانين المقيمين مع الأطفال بشكل مباشر من خلال جلسات فردية أسبوعية، إلى جانب ورش جماعية موسعة.
ومن خلال هذا التفاعل، تعرّف الأطفال على العملية الفنية، وتم تشجيعهم على اكتشاف مواهبهم وتطويرها، بالإضافة لتنمية ثقتهم بأنفسهم، وترجم ذلك من خلال أعمال فنية شاركوا بها في المعرض الختامي.
اقرأ أيضًا: حوار| الفنان التشكيلي محمد عبلة.. صاحب أول متحف للكاريكاتير في الشرق الأوسط



