بين«الأبوكريفا» والوصفات الطبية القديمة.. قراءة في مخطوطات جامعة مانشستر
تستعد جامعة مانشستر للاحتفال بعيد دخول السيد المسيح إلى أرض مصر، من خلال معرض خاص يُقام في 30 مايو ولمدة يوم واحد للمخطوطات القبطية النادرة في «مكتبة جون رايلندز» العريقة. وسيتم عرض اثنتي عشرة مخطوطة قبطية تعود إلى أكثر من ألف عام، إلى جانب كتب طقسية وبرديات من الحياة اليومية، كما ستتاح فرصة الاطلاع والتفاعل المباشر مع المخطوطات باللمس.
المشروع الممتد لعامين، من فبراير 2026 حتى يناير 2028، يستكشف المجموعة الغنية من المخطوطات القبطية المحفوظة في “معهد ومكتبة جون رايلندز للأبحاث” في مانشستر، بهدف خلق حوار يجمع بين البحث الأكاديمي والمعرفة المجتمعية، كما يعمل على إعادة إحياء المخطوطات القديمة بوصفها جزءًا من تقاليد ثقافية وروحية مستمرة. ويطرح المشروع أيضًا تساؤلات عدة، منها: كيف وصلت هذه المخطوطات من مصر إلى مانشستر؟
مخطوطات نادرة
وفقًا للدكتور إبراهيم ساويرس، أستاذ القبطيات بجامعة مانشستر، فإن الجامعة العريقة التي تأسست عام 1824 تضم عددًا من المكتبات الضخمة، أبرزها مكتبة “جون رايلندز” التاريخية والأثرية، التي تحتضن مجموعة كبيرة من المخطوطات القبطية النادرة تُقدر بالمئات. لذلك تقرر تنظيم احتفالية خاصة بالتعاون مع باحثين بالجامعة للاحتفاء بعيد دخول السيد المسيح إلى أرض مصر.
ويضيف: “وفقًا للتقويم القبطي، يقع هذا العيد في الرابع والعشرين من شهر بشنس، الموافق الأول من يونيو، إلا أن القائمين على الفعالية استقروا على إقامتها يوم السبت 30 مايو، ليتزامن مع العطلة الأسبوعية ويتيح الفرصة لأكبر عدد من الحضور”. ويتابع: “سيتضمن المعرض، الذي يستمر ليوم واحد، عرض 12 مخطوطة من أندر المخطوطات القبطية، كما ستشهد الفعالية إلقاء كلمة ومحاضرة تعريفية تشرح تاريخ هذه المخطوطات وتفاصيلها”.
وفي خطوة استثنائية غير مألوفة في المتاحف والمعارض التي تكتفي عادة بعرض الآثار خلف واجهات زجاجية، سيتاح للزوار التفاعل المباشر ولمس بعض هذه المخطوطات الأصلية. وإلى جانب المعرض، ستوفر المكتبة جولات إرشادية مجانية داخل مبنى “جون رايلندز” احتفاءً بالجالية المصرية وتراثها العريق.

إعادة كتابة تاريخ الأطفال الأقباط
وفقًا للدكتور إبراهيم ساويرس، فإن العرض يتضمن جزءًا من بردية صغيرة تمثل قاموسًا يونانيًا قبطيًا يعود إلى فترة مبكرة للغاية، وكان يُستخدم لتعليم الأطفال الكلمات اليونانية عبر ترجمتها إلى القبطية في شكل قوائم مرتبة.
كما تحتوي البرديات على سير لعدد من القديسين والشهداء الذين قضوا خلال فترة الاضطهاد الكبير في عهد الإمبراطور دقلديانوس في القرن الثالث الميلادي، ومن أبرزها سيرة القديس “بيجيمي”، وهو راهب شهير من أهل الدلتا التقى بالأنبا شنودة رئيس المتوحدين في سوهاج، مشيرًا إلى أن اسم هذا القديس غير شائع في الوقت الحالي.
قصة مخترعة
إلى جانب المخطوطات القبطية الموجودة في مانشستر، تم اكتشاف مخطوطات عربية يجري العمل عليها حاليًا، من بينها صفحة مكتوبة باللغة القبطية البحيرية تتناول سيرة الشهيد مار جرجس ذي الأصول الفلسطينية، والذي يُعد من أشهر الشهداء في مصر.
كما كشف البحث عن نصوص “الأبوكريفا”، وهي نصوص غير قانونية، من بينها نص شهير جدًا يضم رسائل متبادلة بين السيد المسيح وملك يدعى “أبجر”. واعتبر ساويرس هذه القصة مختلقة تاريخيًا، إلا أن النص يحظى بشهرة واسعة، وتوجد منه نسخة قبطية في مانشستر متاحة صورتها على الموقع الإلكتروني، كما عُثر على نسخة عربية من النص وسط زحام المخطوطات، وهو ما يشكل مادة بحثية مثيرة للاهتمام للمتخصصين في النصوص الأبوكريفية.
تراث شعبي
في سياق متصل، عثر الباحث على صفحات تضم عظات قبطية صعيدية تُنسب إلى الأنبا شنودة، من بينها نص بعنوان “أنا أرى غيرتكم”، يتحدث فيه عن جدية الرهبان وسلوكهم المنضبط، وهو أمر لافت، نظرًا لأن الأنبا شنودة – وفقًا لساويريس – كان معروفًا بكثرة انتقاداته لرهبانه ونادرًا ما كان يمدحهم.
كما تضمنت المخطوطات نصوصًا أخرى تقدم تعاليم روحية للرهبان والعوام على حد سواء، بالإضافة إلى صلاة أثرية شهيرة لدى الأقباط في العصور الوسطى تُعرف باسم “صلاة أبو تربو”، وكانت تستخدم تاريخيًا في غياب العلاج الطبي لعلاج من تعرضوا لعض الكلاب (داء الكلب)، حيث كانت تُتلى على الشخص أو الطفل المصاب.
ورغم أن هذه الصلاة لم تعد مستخدمة منذ زمن طويل، فإنها توثق مرحلة معينة من التراث الشعبي والديني، وتمثل جزءًا من المخطوطات المكتوبة على الورق أو جلد الحيوان.
أما على صعيد البرديات، فقد كشفت المجموعات عن وصفات طبية متنوعة حظيت بنقاشات واسعة بين الباحثين، خاصة فيما يتعلق بمدى معرفة القدماء بمرض السكري. إذ توجد بردية صغيرة مكتوبة بلهجة مصر الوسطى الخاصة بنواحي المنيا والأشمونين، تحتوي على قائمة بنباتات معروفة بقدرتها على خفض نسبة السكر في الدم.
ويطرح ذلك تساؤلًا بحثيًا حول ما إذا كان الأقباط القدامى قد شخصوا مرض السكري وعرفوا هذه النباتات كعلاج له. كما تظهر وصفات طبية أخرى مدى معرفة الأقباط في مصر الوسطى بمكونات النباتات واستخداماتها العلاجية، مثل دمج نباتات محددة لتقليل تدفق الدم ووقف النزيف في حالات الجروح، وهي وصفات تتوفر منها ثلاث قطع داخل مكتبة جون رايلندز في مانشستر.

علامات موسيقية مستمرة
في كشف آخر حول هذه المجموعة، أشار ساويرس إلى العثور على نصوص طقسية مسيحية مكتوبة على برديات في حالة ترميمية حرجة، تحتوي على ما يعرف بالعلامات الموسيقية التي توضح كيفية أداء الألحان الكنسية.
وأوضح أن اللحن الواحد قد يُودي بسرعة أو يُمدد ببطء، وللتفريق بين الطريقتين في حال عدم حفظ المرتل للحن، كانت توضع علامات موسيقية على هيئة دوائر مفرغة أو مغلقة أو خطوط مائلة بعدد معين، لترشد القارئ إلى مواضع التطويل أو التقصير أو الخطف والدمج، وهو ما يعد توثيقًا جوهريًا في تاريخ الأقباط واهتمامهم بتوريث ألحانهم عبر الحفظ الشفهي الممتد لعشرات القرون.
ويضيف: “تفاجأت الأوساط العلمية في مانشستر عندما علموا أن الكنيسة القبطية لا تزال تستخدم هذه الطريقة التقليدية في الحفظ والتعليم حتى اليوم”. واستشهد بأحد الشمامسة المعاصرين البارزين في القاهرة، وهو أسامة لطفي، الذي أصدر سلسلة كتب ضخمة تعتمد بالكامل على الشرطات والنقاط لتعليم الألحان وحفظها بالطريقة الأثرية ذاتها، مؤكدًا أن هذا البحث أحدث صدمة علمية إيجابية، بعدما كشف أن هذا التراث الموسيقي الحي لا يزال مستمرًا حتى اليوم.
ويذكر أن مكتبة جون رايلندز تضم أكثر من 600 مخطوطة قبطية، وهي مخطوطات مكتوبة بخط اليد تقدم رؤى فريدة حول تاريخ الكنيسة القبطية والعوالم الدينية والاجتماعية في مصر خلال أواخر العصر القديم وبدايات العصر الإسلامي. وعلى الرغم من أهمية هذه المخطوطات، إلا أنها لم تنل حقها الكافي من الدراسة والنشر.
اقرأ أيضًا: بين درب اللبانة وشارع النبي دانيال.. تجارب معاصرة في ترميم المدن التاريخية



