دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

إرث الفراعنة يعود للحياة.. «الكتان» ينهض من جديد في حقول المنيا

عاد «الكتان» إلى واجهة المشهد الزراعي من جديد، باعتباره محصولًا استراتيجيًا له استخدامات عديدة في صناعات النسيج والزيوت، وفي هذا الإطار، تشهد محافظة المنيا تجربة واعدة في التوسع بزراعته على مساحة بلغت 600 فدان. في خطوة تعكس توجهًا نحو إحياء هذا المحصول التاريخي. وبين الحقول وعمليات الحصاد، تتجدد الآمال في أن يسهم الكتان في توسيع فرص الاستثمار بالمحافظة.

أقدم المحاصيل الزراعية

حول أهمية صناعة الكتان في مصر القديمة يقول الدكتور مجدي عبدالله زين، مدير منطقة آثار المنيا لـ«باب مصر»: “يعتبر محصول الكتان من أقدم المحاصيل الزراعية التي برع المصريون القدماء في غزل أليافها، وحوّلوها إلى أقمشة وخيوط ومنسوجات كتانية، كما صنعوا منها الحبال التي رفعوا بها الحجارة في بناء المعابد، والشباك التي كانوا يستخدمونها في صيد الطيور والأسماك، كما استخدموا سيقانه في صناعة الأخشاب وبناء البيوت، واستخدموه أيضًا في التحنيط وصناعة الأشرطة التي كانت تُوضع على المومياوات من أجل حفظها بعد عملية التحنيط”.

ويكمل: “كان يُصنع من الكتان أشرعة المراكب والسفن، كما استُخدمت خيوطه في صناعة الحصير والفرش وأغطية الرأس التي كان يرتديها الملوك. أما قش الكتان فصُنعت منه السلال، كما استُخدم في صناعة الطوب بعد إضافته إلى الطين لبناء المنازل، بالإضافة إلى استخدام الزيت المستخلص من البذور في كثير من الأغراض”.

اقرأ أيضا: «الليلة الكبيرة».. مسرح العرائس يحيي التراث المصري في قرى المنيا

الكتان في حقول المنيا.. تصوير: أمير عدلي صاحب تجربة زراعة الكتان
الكتان في حقول المنيا.. تصوير: أمير عدلي صاحب تجربة زراعة الكتان
زراعة الكتان قديمًا

أما عن عملية تصنيع الكتان قديمًا يقول الدكتور مجدي عبدالله: “تبدأ عملية التصنيع بغزل ألياف الكتان ونسجها على أنوال صنعها المصري القديم وبرع فيها، وكان النول المصري القديم يُصنع من خشب السنط وأشجار الفاكهة، وكانت تُلون الأقمشة الكتانية باستخدام الصبغات النباتية”.

وأشار إلى أن مصر القديمة شهدت تطورًا في تلك الصناعة، حيث تم العثور على  عدد من المغازل وقطع من المنسوجات  في القبور الفرعونية. وكان المغزل يتكون من قرص مستدير من الخشب، ومشط مصنوع من السنط، وآخر مصنوع من جريد النخل. وكانت النساء هن المحرك الرئيسي لهذه الصناعة، فكن يدِرن  ورش العمل بين الغزل والنسيج وحياكة الملابس. وقد عُثر على نقوش في بني حسن بالمنيا تُصور امرأتين تقومان بغزل الكتان على النول.

رمز الطهارة

يضيف مدير آثار منطقة المنيا: “تنوعت الأقمشة الكتانية  ما بين الخشنة المناسبة لحياة المصري القديم اليومية، والأقمشة الناعمة الرقيقة المخصصة للملوك والصفوة  والوزراء والكهنة. كما استخدم زيت الكتان في الإضاءة  وأداء الطقوس الدينية في المعابد، ولم يقتصر استخدامه على ذلك، بل استُخدم كذلك في الطعام وتسكين الآلام والالتهابات والحروق”.

ويتابع: استخدم الكهنة الكتان الأبيض أثناء قيامهم بالطقوس الدينية، حيث كان يرمز للطهارة، كما كانوا يرفضون إدخال الجثث غير المكفنة بالكتان إلى المعابد، إذ كانوا يعتقدون أن الكتان هو الأفضل في التكفين. وظل ذلك سائدًا لدى عامة المصريين حتى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وكان يُطلق عليه “الكتان المرحومي”. وقد وُجدت على جدران المقابر نقوش ورسومات لعمليات زراعة وحصاد محصول الكتان.

وأشار الدكتور مجدي عبدالله إلى أن الكتان يعتبر أكثر تماسكًا واحتمالًا من القطن، ويُعد من أنسب الأقمشة لكساء الإنسان، كما أنه مناسب للطقس الحار والبارد على حد سواء، وقد استمرت فنون غزل الكتان في مصر لفترات طويلة حتى أطلق عليه العرب اسم “القباطي”. وكانت صناعة الكتان  في مصر القديمة حرفة مقدسة، وتوجد العديد من قطع المنسوجات الكتانية القديمة في متاحف العالم مثل متحف برلين.

أهمية كبيرة في الاقتصاد

يشير محمود محمد مندراوي، مدير أثار المنيا الشمالية إلى أن الكتان في مصر القديمة كان له أهمية كبيرة في الاقتصاد المصري، حيث كان مصدرًا من مصادر الدخل والتبادل التجاري  في المملكة المصرية القديمة، مثلما كان القطن المصري طويل التيلة في القرن العشرين.

ويقول: “ازدهرت زراعة الكتان في مصر القديمة بسبب مناخ مصر المناسب لزراعته، حيث كان يُزرع في فصل الشتاء ويُحصد في فصل الربيع خلال فترة انحسار فيضان النيل. وكانت الأقمشة المصنوعة من الكتان مناسبة جدًا للمصريين القدماء، نظرًا لطبيعة الكتان الناعمة والخفيفة، إذ إن طقس مصر الحار كان يتطلب ارتداء هذا النوع من النسيج”.

ويكمل مندراوي: كانت الأقمشة من الكتان النباتي هي المفضلة والأكثر شيوعًا في تلك الفترة، على عكس الصوف الذي كان يُعد غير مرغوب فيه في مصر القديمة، إذ كان المصري القديم يهتم بنقاء الملابس. وكان يُنظر إلى الصوف، لكونه من مصدر حيواني، على أنه غير طاهر لأنه يحبس العرق والروائح، كما أن الكهنة كانوا يرفضون ارتداء الصوف في المعابد أثناء الطقوس الدينية، ولم يكن الصوف مفضلًا لدى الطبقات الراقية، إذ اعُتبر من ملابس الرعاة.

لذلك تربع الكتان على عرش الموضة المصرية القديمة، ووصل المصري القديم في صناعته إلى درجة فائقة من الإتقان، حتى إن نسيجه كان يفوق الحرير الطبيعي المستورد من ممالك شرق آسيا من حيث النعومة والخفة والجودة.

الكتان في حقول المنيا.. تصوير: أمير عدلي صاحب تجربة زراعة الكتان
الكتان في حقول المنيا.. تصوير: أمير عدلي صاحب تجربة زراعة الكتان
القباطي المصري

يوضح مدير آثار المنيا الشمالية أنه نظرًا لأهمية الكتان وجودته العالية في مصر القديمة منذ العصور الفرعونية وحتى بعد دخول العرب لمصر، فقد أهدى المقوقس، عظيم مصر آنذاك، إلى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، عندما أرسل إليه رسولًا برسالة يدعوه إلى الإسلام، هدايا من بينها ثياب من “القباطي المصري”، وهو نوع من الأقمشة المصرية المصنوعة من الكتان فائق الجودة والنعومة والشفافية.

وسمي “القباطي” بهذا الاسم نسبة إلى “أقباط مصر”، وكانت هذه عادة من عادات الملوك في الهدايا، حيث كانوا يتبادلون أجود ما يملكون. وكان “القباطي المصري” المصنوع من الكتان من أجود ما أنتجته مصر القديمة، إضافة إلى لونه الأبيض الناصع. كما كانت مصر تُصدر الكتان إلى الممالك القديمة مثل الفرس والروم، مما جعله مصدرًا مهمًا للدخل في مصر القديمة.

اقرأ أيضا: حين يتحول التاريخ إلى لوحات.. ختام «ملتقى جبل الطير» بمشاركة 40 فنانا في المنيا

التوسع في زراعة الكتان

نظرًا لأهمية محصول الكتان في دعم صناعة الغزل والنسيج، تفوقت العديد من محافظات الوجه البحري في زراعته، مثل محافظة الغربية، والتي تضم قرية شبرا ملس التابعة لمركز زفتى، والتي تًعد واحدة من أكبر القرى الصناعية النموذجية التي تشتهر على مستوى الجمهورية بلقب “قلعة الكتان”.

وانتقلت تجربة زراعة الكتان إلى محافظة المنيا، التي أعلنت هذا العام نجاح زراعة مساحة تبلغ 600 فدان بمحصول الكتان لأول مرة، بمتوسط إنتاج يصل إلى نحو 4.5 أطنان للفدان الواحد، ما يفتح آفاقًا جديدة لنهضة صناعية مرتقبة في صعيد مصر، من المأمول أن تعيد لعروس الصعيد مكانتها في إنتاج الألياف الطبيعية وصناعة الغزل والنسيج، وتخلق فرصًا استثمارية جديدة في الظهير الصحراوي.

«من الحقل إلى المصنع»

حول نجاح تجربة زراعة الكتان بالمنيا “من الحقل إلى المصنع”، يقول المهندس أمير عدلي، 57 عامًا، صاحب مشروع زراعة الكتان بالمنيا لـ«باب مصر»، متحدثًا عن أسرار نجاح زراعة محصول الكتان بالظهير الصحراوي بمركز أبوقرقاص على مساحة 600 فدان: “فكرت في نقل هذه التجربة من الغربية إلى محافظة المنيا، لاسيما أن محصول الكتان محصول مهم وغني، حيث يدخل في صناعات الغزل والنسيج ولا يقل أهمية عن محصول القطن، كما يدخل في تصنيع الزيوت والألياف وبعض الصناعات الأخرى، ويتيح توفير العديد من فرص العمل.

وتبدأ زراعة الكتان من شهر أكتوبر، ويتم حصاده بداية من شهر أبريل حتى هذا الوقت من العام. وقد لاقت التجربة في محافظة المنيا نجاحًا غير مسبوق، وكان منظر الأهالي من الرجال والنساء وحتى الأطفال مبهجًا داخل حقول الكتان وقت الحصاد، حيث لكل منهم دوره الخاص؛ فالرجال يحصدون، والنساء والأطفال يجمعون الكتان ويقومون بربطه وتحميله على العربات لنقله إلى مرحلة الفرز”.

صعوبات تواجه الزراعة

أما عن أبرز الصعوبات التي تواجه زراعة الكتان بالمنيا، يقول عدلي: “تُعد تكلفة نقل المحصول من أبرز التحديات التي تواجه هذه الزراعة، إذ تصل تكلفة النقلة الواحدة عبر سيارات النقل التي تنقل المحصول إلى المصانع في مدينة طنطا إلى نحو 7000 جنيه، في حين لا تتجاوز حمولة السيارة 2 طن، ما يجعل التكلفة مرتفعة”.

ويضيف: “أطالب بتخصيص قطعة أرض بجوار الأراضي الزراعية لإنشاء مصنع لتصنيع الكتان، لتقليل تكلفة النقل الباهظة، كما سيسهم هذا المصنع في فتح آفاق جديدة للتنمية الصناعية بالمحافظة، فضلًا عما سيوفره من فرص عمل كبيرة، وهو ما سيؤدي بدوره إلى مضاعفة المساحات المزروعة. فالكتان محصول خير من جذوره حتى ساقه وثماره”.

الكتان في حقول المنيا.. تصوير: أمير عدلي صاحب تجربة زراعة الكتان
الكتان في حقول المنيا.. تصوير: أمير عدلي صاحب تجربة زراعة الكتان
 إعادة إحياء صناعة الغزل والنسيج بالصعيد

يضيف عدلي أن من أهم الأسباب التي دفعته للتفكير في زراعة الكتان هو عزوف مزارعي المنيا عن زراعة القطن في السنوات الأخيرة، رغم أن محافظة المنيا كانت تُعد قلعة من قلاع الغزل والنسيج في مصر. ويأمل أن تسهم زراعة الكتان في عودة المنيا إلى سابق عهدها، وتربّعها مجددًا على عرش صناعة الغزل والنسيج.

اقرأ أيضا: من كل بلد حكاية.. جامعة المنيا تجمع ثقافات الشعوب في معرض مفتوح

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.