دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

أشرف البولاقي ومعلقة الكائن المجنح

ترك الشاعر أشرف البولاقي ثمانية دواوين شعرية، هي:

1- «جسدي وأشياء تقلقني» (1999)، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

2- «سلوى وِرد الغواية»، الهيئة المصرية للكتاب، 2003.

3- «واحدٌ يمشي بلا أسطورة»، الهيئة المصرية للكتاب، 2008.

4- «والتينِ والزيتونةِ الكبرى وهند»، الهيئة المصرية للكتاب، 2013.

5- «نصوص من كتاب الأصدقاء»، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2017.

6- «جيلان من كازبلانكا»، دار بردية للنشر والتوزيع، 2018.

7- «عاريا في انتظار المجاز»، دار الأدهم للنشر والتوزيع، 2020.

8- «يقطر من خناجرهم جميعًا»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2021.

ويعتبر ديوانه الثالث من أهم هذه الدواوين، لأنه جاء بعد تجربتين سابقين، ووصل من خلاله إلى ذروة كبيرة كانت مدخله الحقيقي إلى الحركة الثقافية، وإلى الخروج من الشعر التقليدي إلى أفق مختلف. ومن هنا يجب الحديث عن هذا الديوان عند الحديث عن التجربة الشعرية للبولاقي.

***

سوف نقوم هنا بفكيك بنية الديوان، وتحليله تحليلا نصيا دقيقا. يعيدنا هذا الديوان إلى صورة الشاعر العربي القديم، وصورة القصائد المعلقة على أستار الكعبة. فالديوان عبارة عن قصيدة طويلة اختار لها عنوانا لافتا هو «واحد يمشي بلا أسطورة»، وكأن الطبيعي هو أن يسير كل واحد من الناس حاملا أسطورة ما أو حتى مجموعة من الأساطير، سواء كانت أسطورة شخصية ترتبط بإنجازاته في الحياة، أو أسطورة ثقافية تتحكم في أفعاله وسلوكه وتتحدد بناء عليها هويته، وهو يدفعنا إلى العديد من الأسئلة المرتبطة بذلك الشخص وكنهه، والمقصود بالأسطورة، ومعنى سيره مجردا منها.

***

وإثارة مثل هذه الأسئلة تعني أننا أمام عنوان ناجح يحتوي على قدر من الإثارة والتشويق، كما يقدم لنا مفتاحا قد يفيدنا ونحن نقتحم تلك المطولة ونتفاعل مع ما تطرحه من صور ورموز وجماليات مختلفة، وروابط فنية تضم عناصر ذلك البناء بحجمه الكبير، وحالاته المتنوعة، وتشابكاته المختلفة، وهي أمور جديرة بأن نتناولها هنا، خاصة وأن القصيدة تعتمد على عدد من الشخصيات التي تلعب أدوارا مختلفة مثل شخصية البحر، و امرأة المتكلم، وشخصية الأب الذي لم تذكر التوراة غير بكائه، وكذلك التناص الكبير مع حكاية يوسف عليه السلام، وغيرها مما يطول تناوله، وسنحاول هنا الوقوف عند صورة الشاعر كما تطرحها القصيدة، فتحديد ملامح المتكلم وطبيعة موقفه، والزاوية التي يتناول منها العالم تعد مدخلا جيدا لا لمجرد الوقوف علي موضوعاته أو رؤاه، بل أيضا الجماليات والأساليب الفنية التي يعتمد عليها.

خاصة وأن القصيدة تجسد تجربة طويلة تتعدد مراحلها وتتباين مواقفها، وقد تتحول إلى النقيض كما تتحول المواجهة مثلا إلى رحيل ومغادرة، أو كما يتحول الثوري المناضل في المظاهرة إلى صوفي يرى نجاته في جبل يعصمه من البلاد ومصيرها المحتوم، ونحن لا نستطيع أن نتوقف على إشارات تحدد لنا تلك الفترة الزمنية لكننا نستطيع تلمسها عبر عبارة: “مر عشرون احتراقا” (صـ63)، والعبارة هنا تكشف عن مرور فترة محددة لكن ليست بالسنوات ولكن بالتجارب القاسية والأليمة، أي أننا لسنا أمام قصيدة تعبر عن حالة محددة، بقدر ما نحن أما عمل يسعى ليقدم خلاصة فترة طويلة تستوعب العديد من الحالات المختلفة، وتقدم خلاصة تجارب لا تجربة واحدة وإن دارت تلك التجارب في بعد واحد هو العلاقة المعقدة بين البطل والبلاد، وقد اتضحت له معالم تلك العلاقة وأبعادها.

***

يظهر المتكلم في القصيدة بوصفه شاعرا من خلال إشارات كثيرة، غير أن الصفات أو الملامح تتغير من شاعر إلى آخر، وفق ظروف معينة، قد ترتبط ببعد زمني، أو مدرسة أدبية ينتمي إليها، أو حتى اتجاه خاص يسلكه الشاعر، ومن هنا يصبح تقصي ملامح ذلك البطل الذي تقدمه القصيدة بوصفه شاعرا وسيلة لمعرفة موقع الشاعر والقيم الجمالية التي ينتمي إليها.

وبامتداد الديوان يظهر لنا ذلك الشاعر من خلال بعد واحد هو علاقته بالبلاد، وبوصفه ذلك الكائن الرائي والحالم والمفسر ومستودع أسرار الفصاحة والتعبير، وهي أوصاف ليست جديدة، بل ترتبط بالشاعر منذ كان لكل قبيلة شاعرها، وقد أضفت عليه منذ عهد بعيد هالة أسطورية، فكان في صياغة الرواة كائنا مجنحا، وفي صياغة الأعراب تمثالا يجسد عظمته وتقديرهم لدوره، والشاعر هنا امتداد لتلك الصورة، يقول (صـ32):

أنا أسطورة الرؤيا

وتأويل الخرافة

سيد الأحلام

والتعبير سري

صاغني بعض الرواة مجنحا

وأقام تمثالا لي الأعراب

تلك هي صورة الشاعر المحفوظة في الذاكرة، والتي دخل الشاعر هنا إلي عالم الكلمة واضعا ذلك النموذج في حسبانه، وفي يقينه أن يكون امتدادا له، وهو ما لم يحدث، بل حدث النقيض، فالأعراب باعوه بخسا بدلا من نحت تمثال له، لقد جردوه من الأسطورة التي اعتادوا إسباغها علي الشعراء. حتى إنهم جمعوا بين مطولاتهم وأقدس ما لديهم وهو الكعبة، لكن الوضع اختلف فقط من تلك الناحية، فما زال يحمل كافة الخصائص الأخرى والجوهرية، وكأن مرد ذلك الاختلاف يرجع إلى خطأ بعينه، فعدم اصطفائه لا يعني انتهاء الفكرة، بقدر ما يعني مواصفات أخري مطلوبة حتي تعود له هالته الأسطورية:

سأموت بعد دقيقة

وأرى بعيني البلاد

هل اصطفت غيري

تعلمه الكتابة والغناء؟

لعلها تختار صاحبي الذي

سيخونني في الأمسيات

أنا الذي أهديت نصف قصائدي

ورماد أسئلتي له

قلت: احتفل

ودع البلاد تسبني.

البولاقي في لحظة تأمل
البولاقي في لحظة تأمل
***

اقرأ أيضا: «الهلالية» سيرة كل إنسان

لم يعد إذن كما كان يتوقع  شاعر البلاد، وهو لا يعرف ما إذا كانت قد اصطفت غيره أم لا، لكنه يتوقع أن تختار صاحبه الذي يرتبط بالخيانة ونكران الجميل، وكأننا أمام مواصفات أخرى جديدة يحتاجها الشاعر كي ترد له مكانته أو أسطورته الشخصية، ورفض تلك الصفات التي تبدو متناقضة مع الطبيعة المعروفة للشاعر، لا يعني نبذ الشاعر فقط بل يتجاوز ذلك حيث يتحول إلى ملعون تطارده الألفاظ البذيئة والمهينة، وهنا نتحول مع صورة الشاعر إلى اتجاه آخر، هو اتجاه المناضل بالكلمة، أو الشاعر الثوري الذي يهتف للبلاد سعيدا بصوته العبقري، بينما يلوح الرفاق علي الرصيف، وينزفون.

وهي صورة قريبة العهد اتضحت معالمها مع الشعر الثوري الذي رأيناه خلال الستينات علي وجه خاص، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فلا يظل بطل المطولة شاعرا ثوريا، بل يتجه اتجاها آخر يتمثل في الرحيل من المكان إلى ذاته أو التصوف أو غيرها من أنواع العزل الاختياري وهي ترتبط أيضا بمرحلة غادرها إلى التصوف واقتفاء الأنبياء، برومثيوس سابقا لا يفقد إيمانه بروعة الحرائق، لكنه يعرف أنها لن تفعل شيئا بسبب ذلك الآخر اللعين.

لقد باعه الأعراب بخسا بدلا من نحت تمثال له، لقد بعد تجريده من أسطورته وعلى النحو الذي تحول معه من الحلم بأن يكون مغني البلاد إلى فضاء بعد أن جردوه من الأسطورة، وصار الارتباط بها مجرد مرحلة، تعقبها هجرة إلي فضاء آخر، تصبح فيه مفردة البلاد مزعجة، وجديرة باللعن والشتم.

مرة أخرى تقول لي البلاد!

كأنني شجر يتيم

والبلاد حدائق

تبا لها

ستجرني وأنا المهاجر (صـ58)

تبا لها.. هذي البلاد (صـ59)

وهكذا يقف البطل مع نهاية التجربة على مشارف الهجرة، التي لا تبدو هي الأخرى مصيرا نهائيا، فثمة ما يجره مرة أخرى للبلاد، ثمة ما يدعوه لتغيير موقفه متمثلا في رمز “البنت” التي تعد بعثا جديدا لحكايته وخطواته الأولى بكل ما فيها من أمل وتوقع لصباح جديد.

شاهد: قصيدة للشاعر أشرف البولاقي

اقرا أيضا: «سليمان الملك» والقناع الذي يكشف الوجوه

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.