«أحد السعف».. طقوس دينية وبهجة شعبية في أسيوط والمنيا
كتبت: جاسمين مهني وأسماء منتصر
تتزين الكنائس وتعلو الترانيم في احتفالات الأقباط بـ«أحد السعف» في محافظتي أسيوط والمنيا، إذ يتوافد المواطنون من مختلف الفئات للمشاركة في قداسات الشعانين. وفي هذه المناسبة تمتلئ الكنائس والمنازل بسعف النخيل، إلى جانب صناعة الأشكال اليدوية من الصلبان والتيجان والقلوب، في مشهد يؤكد على عمق ارتباط الأهالي بهذه الذكرى التي تحيي دخول السيد المسيح إلى القدس.
استقبال الأهالي للمسيح بالسعف
يقول موريس بطرس، 50 عامًا، من أسيوط، إنهم يفرحون جدًا بالاحتفال بأحد السعف، مشيرا إلى أن الأجواء جميلة والجميع ينتظره حتى المسلمون. ويحرصون على الاحتفال به لما له من قدسية خاصة في القلوب. فقد تم استقبال السيد المسيح في مدينة القدس معبرين عن فرحتهم باستخدام أغصان الزيتون. وهو ما كان سببا في تسميته بأحد السعف أو أحد الشعانين، ويطلق عليه البعض أيضا عيد الزيتون.
ويتابع بطرس أن الكنائس تحتفل بأحد الشعانين. وهو يسبق أسبوع الآلام، ويعد الأحد السابع من الصوم الكبير والأخير، كما يسبق عيد الفصح أو ما يعرف بعيد القيامة. وهو اليوم الذي دخل فيه المسيح إلى القدس، ويعد يوم فرح وسعادة وعيدا بالنسبة لهم.
عادات وتقاليد خاصة
توضح إيمان فريد، 45عامًا، ربة منزل، أن الاحتفال بأحد السعف أو أحد الشعانين يتم من خلال مجموعة من العادات والتقاليد الخاصة. حيث يتم تداول سعف النخيل خارج الكنيسة، ويستخدم في صنع الصلبان الصغيرة وأشكال متنوعة مثل التيجان التي توضع على الرأس. ويعد هذا اليوم مبهجا للجميع من الأقباط في أسيوط. خاصة الأطفال الذين يشاركون في تصنيع أشكال خاصة بهم. إلى جانب سرد قصة دخول المسيح إلى القدس وغناء الترانيم القبطية.
وتضيف فريد أن الكنيسة تشهد في هذا اليوم صلوات خاصة تعرف بدورة الشعانين داخل الكنيسة. حيث يقوم الكهنة بالطواف مع المصليين حاملين سعف النخيل مرددين الترانيم. وهو مشهد له مكانة خاصة في القلوب، لأنه يسود الفرح والبهجة بهذه المناسبة العظيمة. كما يتم تلاوة بعض الفصول من الإنجيل وهو ما يعد رمزا روحيا لانتشار رسالة المسيح في العالم كله.
وتشير إلى أن هذا يأتي بعد الصوم الكبير، وهو صوم من الدرجة الأولى، حيث يمتنع فيه عن أطعمة معينة. وقد سمحت الكنيسة بأكل السمك في هذه الفترة احتياجا للبروتين. كما يوجد صوم يونان، وصوم الأربعاء والجمعة، وصوم الميلاد والغطاس، وصوم السيدة العذراء. وتؤكد إيمان سعادتها بالاحتفال بهذه الأعياد التي تجمع الأسر على اقتناء السعف وارتدائه خلال قداس أحد الشعانين.
موسم بيع سعف النخيل
يقول معوض لوقا، 49 عامًا، بائع سعف النخيل، إن أحد السعف موسما مهما لهم كبائعين. حيث يقومون بتجميع سعف النخيل وتصميم أشكال مختلفة منه وبيعه للناس في الشوارع وأمام الكنائس. وهي عادة متوارثة منذ عشرات السنين عن الأجداد. وتعد مصدر رزق لهم وإن كان مؤقتا. ويقبل على شراء السعف معظم الأهالي، بل حتى بعض المسلمين يشترونه لأطفالهم.
ويضيف أنهم يسهرون ليلا لتصميم هذه الأشكال. إذ تتطلب دقة ومهارة خاصة، وأحيانا يأتي بعض الزبائن لتعلم طريقة التصنيع بأنفسهم، فيقومون بتعليمهم. كما أصبحت الأشكال التي يصممونها، مثل الطاقية والصليب والأسورة، متداولة عبر الإنترنت. ما يتيح للمشتري اختيار ما يناسبه من تصاميم متنوعة وجميلة. ويشير إلى أن الإقبال يتأثر بارتفاع الأسعار. حيث تبدأ أسعار المنتجات من نحو 20 جنيها وتختلف حسب الشكل والمجهود المبذول في تصنيعها.
أحد السعف في المنيا
في محافظة المنيا، تشهد ساحات الكنائس مظاهر احتفالية مميزة. حيث يفترش بائعو السعف الأرض في صفوف بسيطة، ممسكين بقطع السعف ويشكلونها في هدوء إلى تيجان وقلوب تضفي أجواء من البهجة. ويقبل المواطنون على شراء السعف وسنابل القمح لتزيين رؤوسهم وملابسهم بها، ووضعها على أبواب المنازل.
ويتوافد الأقباط على الكنائس للاحتفال بأحد السعف، حيث تزين القاعات بسعف النخيل والورود. بينما يحمل الأطفال الصلبان والورود المصنوعة من السعف، ويؤدون ألحانا روحانية تعرف بلحن الشعانين.
ويؤكد كل من كرولس وديفيد، وبجوارهم عبدالمسيح وسامح وشادي من بائعي السعف أمام الكنائس بمركز أبو قرقارص، أن المواطنين يقبلون على شراء منتجات السعف المصنوعة من “قلب النخيل الأبيض”. مثل التيجان والقلوب والأساور والصلبان، احتفالا بذكرى دخول المسيح إلى القدس. كما يحرص الأقباط خلال العيد على تزيين المنازل والكنائس بسعف النخيل، وارتداء التيجان المصنوعة منه، خاصة الأطفال.
ويشيرون إلى أنهم ورثوا هذه المهنة عن أجدادهم، حتى أصبحت جزءا من يومهم قبل أن تكون مجرد وسيلة للرزق. حيث تتحرك أيديهم بخبرة وسرعة، بينما تتوقف أمامهم العائلات لاختيار قطع تحمل فرحة يوم مختلف. فهنا لا يباع السعف فقط، بل تصنع لحظات بسيطة من السعادة. يحملها الأطفال فوق رؤوسهم وتبقى في الذاكرة مع كل عام جديد.
مهنة متوارثة من الجدود
يقول سامح سمير، أحد بائعي السعف، إنهم ينتظرون هذه المناسبة كل عام لبيع السعف. وقد توارثوا هذه المهنة عن أجدادهم، حتى أبدعوا في تشكيل، ويتم عرض المنتجات أمام الكنائس. وتبدأ الأسعار من نحو 30 جنيها حسب الحجم والشكل، مع وجود طلب على تصميمات خاصة. خصوصا الأطفال الذي يحبون ارتداء التيجان المصنوعة من السعف.
ويضيف أن سعف النخيل كان قديما يرمز إلى النصر، لذلك أصبح رمزا للاحتفال. ويتم تشكيله إلى العديد من الأشكال مثل التاج والصليب والورود وغيرها خلال أحد السعف الذي يسبق أسبوع الآلام.
ويؤكد كرولس عيد، بائع سعف بأبوقرقاص في المنيا، أن أشكال السعف متعددة. منها الصليب بكل أحجامه، وميداليات الصليب الصغيرة، والتاج الذي تكتب عليه الأسماء، والسنابل. وجميعها تصنع من السعف فقط دون أي مواد أخرى. وعن طريقة تصنيع السعف، يقول إنها تمر بعدة مراحل، حيث أولا يتم تنشيف السعف. ثم ترطيبه بالماء ووضعه في الخيش حتى يلين. وبعدها يبدأ تشكيله إلى الأشكال المختلفة بمرونة. وهو ما يضمن استمرار السعف لأطول فترة ممكنة دون تلف.
مشاركة في القداسات
يشير ديفيد جرجس، بائع سعف آخر، إلى أن الرجال والنساء والأطفال يشاركون في هذه المناسبة بفرح، باعتبارها مناسبة مبهجة للجميع. حيث يتوجهون صباح أحد السعف مبكرا إلى الكنيسة حاملين مشغولات السعف لحضور زفة السعف، وسط فرحة الأطفال بحمل الأشكال المختلفة. ثم يشاركون في الصلاة بها، ويعودون بها إلى المنازل لتعليقها، لتظل ذكرى حتى العام التالي.
ويقول شادي عماد، بائع آخر، إنه تعلم هواية تضفير السعف منذ الصغر في عمر 12 عاما من عائلته التي اشتهرت بهذه المهنة. وكان يكتسب كل عام أشكالا جديدة من تصميمات السعف. ويقوم بتشكيل أحجام مختلفة من التيجان والصلبان، إلى جانب ابتكار أشكال جديدة مثل “الجمل” المصنوع من سعف النخيل. فضلا عن صليب السنبلة المزين بالورود، وأشكال تحتوي على القربان، وكذلك سنابل القمح والشمعة الخضراء.
ويشير عبد المسيح إبراهيم، بائع سعف، إلى أن الباعة يتمركزون بجوار الكنائس. حيث يختار كل صانع سعف موقعه لعرض منتجاته. كما يقوم البعض بإهداء هذه المشغولات لبعضهم البعض، ويتزينون بها. في حين يقبل كثير من المسلمين على شراء السعف لمشاركة الأقباط احتفالاتهم.
اقرأ أيضا:
أسبوع الآلام.. الموائد تستقبل «الفول النابت» و«ورق العنب» و«الخل»







