دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«سليمان الملك» والقناع الذي يكشف الوجوه

غيب الموت أول أمس الشاعر محمد سليمان عن عمر 80 عاما، ويعد سليمان أبرز شعراء جيل السبعينيات، وأحد مؤسسي جماعة أصوات. الشاعر فتحي عبد السميع يكتب عن تجربة سليمان المتميزة. 

محمد سليمانَ واحدٌ من أهمِّ الشُّعراءِ العربِ، وقد بدأ حياتَهُ منتميًا إلى واحدٍ من أهمِّ الأجيالِ الشِّعريّة، ألا وهو جيلُ السبعينيّات، أو جيلُ الحداثة، أو جيلُ ما بعدَ نكسةِ يونيو الرهيبة، التي دقّتْ في آذانِ الشُّعراءِ والمثقّفين جرسًا هائلًا، راح يُنذرُ طوالَ الوقتِ بالخطرِ الشديدِ المُحدِقِ بالأمّةِ العربيّة، وبالعواقبِ الوخيمةِ للشعاراتِ الجوفاءِ والأوهامِ المُزخرفةِ الرنّانة. جيلٌ بدأ بهذه الكارثةِ كان لا بدَّ أن يحملَ رايةَ الثورةِ ورفضِ الواقعِ، وإعادةِ النظرِ في المسلّماتِ الثقافيّة، وقد جعل القصيدةَ نفسَها عالمًا موازيًا للواقع، وراح يُمارسُ ثورتَهُ من خلالها، وقد بدأ منفتحًا على العالم، ميّالًا للتجريبِ والمغامرة، ومن هنا اتُّهِمَ بالغموضِ والبعدِ عن الواقع، وهو في الحقيقةِ أقربُ ما يكونُ إليه.

لقد اهتمَّ هذا الجيلُ اهتمامًا كبيرًا باللغةِ الشِّعريّة، والصورِ والتراكيبِ الصادمة، وكُنّا في بدايةِ حياتِنا الشِّعريّة نُصنِّفُ الشُّعراءَ وفقَ مقياسٍ أساسيّ، ألا وهو الصورةُ الشِّعريّة؛ فبقدرِ ما تكونُ الصورةُ مُدهشةً وصادمةً يكونُ مقدارُ الشاعر. وهكذا كُنّا نُفضِّلُ حلمي سالم على حسن طلب، معتمدينَ على هذا المقياس.

وسواءٌ أكان هذا المقياسُ سليمًا أم لا، فقد كان ذلك هو الواقعُ الفعلي. وبالفعلِ بدأتْ حركةُ الشُّعراءِ الحداثيّين تتطوّرُ بعيدًا عن ذلك المقياس، وصارت تهتمُّ باللغةِ الشفيفةِ غيرِ المُثقلةِ بالمجازاتِ والتركيباتِ اللغويّةِ المعقّدة، خاصّةً تلك التي تعتمدُ على المضافِ والمضافِ إليه، على أن يكونَ أحدُهما بعيدًا كلَّ البعدِ عن الآخر، ومن أمثلةِ ذلك: جحيمُ الجنّة، أو حديقةُ النار، أو جبلُ الماء، وغيرها من التركيباتِ التي انتصرتْ للغرابةِ ولم تنتصرْ للعجيب. وكان محمّدُ سليمانَ من أوّلِ الشُّعراءِ الذين أدركوا ذلك، وتمسّكوا باللغةِ الشفّافةِ والابتعادِ عن هذه التركيباتِ المعقّدة.

***

ورغمَ أنَّ ثورةَ الشُّعراءِ وقتَها توجّهتْ إلى البحورِ الشِّعريّة باعتبارِها عائقًا أمام تدفّقِ الشاعر، فإنَّ محمّدَ سليمانَ تمسّكَ بالتفعيلة، ومضى بالقصائدِ الحداثيّةِ في طريقِ التطوّرِ الطبيعيِّ لقصيدةِ التفعيلة

لم يتمسّك شاعرُنا بالبحورِ التقليديّةِ فقط، بل لجأ أيضًا إلى الأساليبِ البلاغيّةِ القديمة، ومنها مثلًا أسلوبُ المدحِ بغرضِ الذمّ، وهو أسلوبٌ بلاغيٌّ يُستخدمُ فيه الثناءُ ظاهريًّا، بينما القصدُ الحقيقيُّ هو الذمُّ أو السخرية

يقولُ في إحدى مطوّلاتِه الشِّعريّة:

قفْ…

واقرأْ يٰسينَ وطٰهٰ

وسليمانَ ويوسفْ

وقُلْ: الأعمى لا يُختارُ أميرًا

أو بحّارًا

أو حاملَ سيفْ

فالأعمى يُبصرُ أحيانًا بيديهِ،

والأعمى بالأُذنينِ يرى، ويشدُّ من الأصواتِ

كصيّادٍ محترفٍ قمرًا وطيورًا ومحارًا،

ولهُ أن يبحثَ عن جنّاتٍ

في الصحراءِ، وناسٍ كملائكةٍ ساروا

فوقَ الرملِ وطاروا.

الأعمى سوف يظلُّ أسيرَ عصًا

وحوائطَ وأساطيرَ،

وسوف تظلُّ الظلمةُ قفصًا لهْ.

هل تسمعُ في الميدانِ أناشيدَ العُميان،

وتلمحُ في مرآتك مثلي

صورَ المقتولينَ

وبعضَ ظلالِ القتلة؟

الأعمى هنا رمزٌ للجهلِ والعجزِ وضيقِ الأفق، أو العمى الفكري، والشاعرُ يُقدّمُ الأعمى بصورٍ شِعريّةٍ بديعةٍ لا تُنزلهُ منزلةَ العاجز، بل على العكس، يمنحُهُ النصُّ إمكاناتٍ كبيرةً وقدراتٍ هائلةً قد لا يملكها المبصرون

فالأعمى يرسمُ حدًّا بين النخلةِ والعصفورِ،

ويعرفُ أنَّ الحائطَ ليس امرأةً،

والغيمةَ ليست سورًا،

وهو يرى بالأُذنين، ويشدُّ من الأصواتِ قمرًا وطيورًا ومحارًا، تمامًا مثل الصيّادِ المبصرِ المحترف.

هذه الصورةُ الشِّعريّةُ الجميلةُ للصيّادِ يُثبتها الشاعرُ، لا ليعتزَّ بها ويتباهى بجمالها، بل ليقومَ بنسفِها نسفًا

ويبدأُ النسفَ من خلالِ التبرّؤِ منها؛ فهو يضعُها على لسانِ شخصٍ آخرَ يُحاورهُ ويُجادله، فلا يمنحُ الصورةَ نفسَهُ، ولا يسمحُ لها بالمرورِ عبرَ صوتِه، ثم يأتي النسفُ عبرَ صوتِه بشكلٍ صريح، إذ يقولُ الشاعر

الأعمى سوف يظلُّ أسيرَ عصًا

وحوائطَ وأساطيرَ،

وسوف تظلُّ الظلمةُ قفصًا لهْ

هكذا يحكمُ على الأعمى حكمًا نهائيًّا قاسيًا، ويجعلهُ إلى الأبدِ قرينًا للظلمةِ والأقفاص.

***

الأعمى هنا ليس هو الأعمى المعروف، بل رمزٌ للأمورِ التي يُقاومها الشاعرُ ويثورُ عليها، مثل الظلمةِ والأقفاصِ والحوائطِ والأساطير. وهكذا يتعاملُ في كثيرٍ من الأحيانِ مع الكلمةِ بوصفِها رمزًا يمكنُ أن يحملَ الكثيرَ من الدلالات

***

ويتميز الشاعر بتقنية القناع الشعري، وقد اختار قناعًا يتكوّنُ من اسمِه ويُحيلُ في نفس الوقت إلى النبيِّ سليمانَ عليه السلام، أحدِ الرموزِ الكبرى للحكمة، وهذا القناعُ هو “سليمانُ الملك”. ومن المعروفِ أنَّ تقنيةَ القناعِ ظهرتْ في الشعرِ التفعيليِّ والحداثي، كما هو الحالُ مع قصيدةِ “الأخضر بن يوسف” لسعدي يوسف، و”أغاني مهيار الدمشقي” لأدونيس، وكأن القناع يكشف هوية الشاعر، حيث وتتآلفُ تجربةُ “سليمان الملك” مع تجربةِ سعدي يوسف أكثرَ من تآلفِها مع تجربةِ أدونيس، الذي كان في ذلك الوقتِ رمزًا كبيرًا لشعرِ الحداثة.

وهناك أمرٌ آخرُ يُذكّرُنا بالتراثِ القديمِ في شعرِ سليمان، وهو الحوليّات، وهي قصائدُ جاهليّةٌ اشتهرتْ بجودتِها العاليةِ وإحكامِ صياغتِها، حيثُ كان الشاعرُ يمكثُ حولًا كاملًا (سنةً) في نظمِها وتهذيبِها وعرضِها على أصحابِه. سُمّيتْ بهذا الاسمِ نسبةً إلى “الحول”، وتُعرفُ أيضًا بـ”المُحكَّمات” أو “المُقلَّدات” لشدةِ تنقيحِها، ممّا جعلها نموذجًا للأدبِ الرصين.

في أعمالِه الكاملةِ المكوّنةِ من اثني عشرَ ديوانًا، كان محمّدُ سليمانَ يتمتّعُ بالنَّفَسِ الطويل، فتأتي قصائدُه طويلةً في الغالب، وهي تختلفُ عن الحوليّاتِ في كونِ الشاعرِ هنا لا يقضي الشهورَ في التنقيح، بقدرِ ما يأتي ذلك من كونِ القصيدةِ تجربةً أمسكَ بها الشاعرُ ويريدُ أن يذهبَ بها إلى آخرِ نقطةٍ ممكنة

لقد عاشَ الشاعرُ ثورةً كبيرةً على الشعرِ القديم، ومع ذلك لم ينقطعْ عنه؛ فتمسّكَ بالبحورِ الشِّعريّة، لكنّه لم يسمحْ للموسيقى الصاخبةِ بالطغيانِ على القصيدة، كما تمسّكَ بالصورِ الشِّعريّة، لكنّه انفتحَ على السرد، وغسلَ الصورَ وجرّدها من التعقيداتِ والتركيباتِ التي لا تنصرُ الشعرَ بقدرِ ما تُبهته. وهكذا تركَ لنا تجربةً ثريّةً وغزيرة وجديرةً بالحفاوةِ والتقدير.

اقرا أيضا:

«الهلالية» سيرة كل إنسان

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.