«مسجد التوبة» بدمنهور: بين قدسية المكان وجدل التأسيس
في قلب مدينة دمنهور التاريخية، يقع «مسجد التوبة» بالقرب من محطة السكة الحديدية، وتفتح أبوابه على شوارع المدينة الرئيسية. يجمع المسجد بين مراكز المدينة التجارية، شاهدا على حياة السكان اليومية، محتضنا ضيوفهم ومودعا أمواتهم. ليس المسجد مجرد مكان لأداء الصلاة، بل هو رمز لعاصمة محافظة البحيرة الممتدة جغرافيا، والمتنوعة ثقافيا وحضاريا.
جدل حول تاريخ التأسيس
يتباين الحديث حول تاريخ تأسيس الجامع بين الروايات الشعبية والحقائق الأثرية. فبعض المصادر المحلية تنسب تأسيسه إلى القائد عمرو بن العاص خلال الفتح الإسلامي لمصر، أي حوالي 21 هجريا/642م. بينما يشير خبراء الآثار إلى أنه لا يوجد دليل قاطع على ذلك. ولم يتم ضم الجامع إلى قائمة وزارة الآثار، شأنه شأن مسجد الحبشي بدمنهور وعدد من مساجد محافظة البحيرة القديمة.
النشأة وسبب التسمية
يقول الدكتور إبراهيم مرجونة، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية الآداب جامعة دمنهور، إن جامع التوبة من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في المدينة. وتكشف كتب الجغرافيا الإسلامية عن أهمية دمنهور خلال العصور الإسلامية، ما يرجح وجود مسجد جامع فيها منذ وقت مبكر.
ويضيف: تعددت الروايات حول سبب تسمية المسجد بـ”جامع التوبة”. فهناك رواية تربطه بحادث توبة جماعية لأهالي المدينة، حيث اجتمعوا في المسجد للدعاء والاستغفار بعد محنة أو أزمة أصابت المدينة. بينما ترى روايات أخرى أن الاسم يعكس الدور الدعوي والروحاني للمسجد على مر العصور، دون ارتباط بحادثة محددة.

الطابع الإنشائي والمعماري
يشير الدكتور مرجونة إلى أن جامع التوبة خضع لعدة مراحل من التجديد والترميم عبر العصور الإسلامية المختلفة، خصوصا في العصور المملوكية والعثمانية. وهو ما يفسر وجود عناصر معمارية متنوعة في البناء الحالي. وعن دور المسجد وتأثيره يوضح: “ظل الجامع عبر القرون مركزًا دينيًا واجتماعيًا مهمًا في مدينة دمنهور. حيث احتضن حلقات تعليم القرآن والعلوم الدينية. كما كان مكانًا لاجتماع السكان في المناسبات الدينية والاجتماعية”.
وتابع: “تذهب الرواية الأكثر شيوعًا في المصادر المحلية إلى أن تأسيس المسجد يعود إلى القائد المسلم عمرو بن العاص أثناء الفتح الإسلامي لمصر في القرن الأول الهجري. ووفقًا لهذه الرواية، بعد دخول المسلمين إلى مناطق دلتا النيل، أمر عمرو بن العاص ببناء مسجد في دمنهور ليكون مركزًا للصلاة وتعليم الإسلام للسكان المحليين. وهو ما يتوافق مع السياسة العمرانية التي اتبعها المسلمون في المدن المفتوحة”.
رواية عمرو بن العاص
يضيف أستاذ التاريخ: “على الرغم من شيوع هذه الرواية، فإن المصادر الإسلامية المبكرة لا تذكر اسم جامع التوبة صراحة. وعند مقارنة الروايات المختلفة حول تأسيس المسجد وتسميته، يتضح أن الرواية التي تنسب تأسيسه إلى عمرو بن العاص تبقى ممكنة من الناحية التاريخية. لكنها لا تستند إلى نص صريح في المصادر المبكرة”.
ويقول: “أما التفسيرات المتعلقة بالتسمية، فتبدو أقرب إلى التفسيرات الاجتماعية والدينية التي نشأت في الذاكرة الشعبية. وتشير الدراسة النقدية إلى أن المسجد قد يكون تأسس بالفعل في مرحلة مبكرة من العصر الإسلامي. بينما ظهرت تسميته الحالية في فترة لاحقة نتيجة الدور الروحي والدعوي الذي أداه في حياة سكان المدينة. هذا التداخل بين التاريخ المكتوب والذاكرة الشعبية يعكس طبيعة تطور المعالم الدينية في المدن الإسلامية عبر العصور.
وتكشف الدراسة النقدية للروايات المتعلقة بجامع التوبة عن وجود فجوة بين الروايات الشعبية والمصادر التاريخية المكتوبة. فبينما تنسب الروايات المحلية تأسيس المسجد إلى عمرو بن العاص في سياق الفتح الإسلامي لمصر، فإن المصادر المبكرة لا تقدم دليلًا قاطعًا على ذلك”.

التخطيط العمراني والمعماري
حول التخطيط العُمراني، يؤكد الدكتور مرجونة أن المسجد ينتمي إلى الطراز التقليدي للمساجد المصرية. حيث يتكون من صحن يتوسطه فضاء مكشوف تحيط به أروقة للصلاة. ويضم المسجد قاعة صلاة رئيسة تتجه نحو القبلة، قائمة على صفوف من الأعمدة التي تحمل السقف الخشبي، وهو أسلوب شائع في عمارة المساجد التقليدية.
كما يضم المسجد محرابًا يتجه نحو القبلة، إضافة إلى منبر خشبي يُستخدم لإلقاء خطبة الجمعة. وتتميز هذه العناصر بالزخارف الهندسية المميزة للفن الإسلامي. وترتفع مئذنة الجامع بشكل واضح فوق مباني المدينة المحيطة. مما يجعلها معلمًا بصريًا مهمًا في المشهد العمراني لدمنهور.
ويوضح: تشير كل هذه السمات المعمارية إلى أن المسجد ربما خضع لعمليات تجديد أو إعادة بناء خلال العصر المملوكي. وهو أمر شائع في المساجد القديمة التي استمر استخدامها عبر القرون. وفي العصر الحديث، استمرت أعمال الترميم للحفاظ على الطابع المعماري للمسجد وتهيئته لاستقبال المصلين، وهو ما يعكس أهميته الدينية والثقافية في المدينة.
الدور الشعبي والرسمي
أما عن أهمية المسجد الدينية، يقول الشيخ عطية جبريل، إمام وخطيب مسجد التوبة، إنه يعد المسجد الجامع الرئيسي لمحافظة البحيرة، وتقام فيه الاحتفالات الرسمية والدينية. كما تنقل شعائر صلاة الجمعة عبر الإذاعات والقنوات الرسمية.
ويشهد المسجد صلاة العيدين التي يحضرها المسؤولون. ويقع في موقع متميز وسط المدينة، مجاور للسكة الحديدية والأسواق، ما يجعله مقصدا لأهالي دمنهور. حيث يخرج منه أيضا عدد كبير من الجنائز القريبة من المقابر. كما يقام فيه جميع الأنشطة الدعوية والثقافية مثل: خطبة الجمعة ومقرأة الجمهور عقب الصلاة، ودروس علمية ومنهجية للأطفال والكبار، وندوات ثقافية وأنشطة وزارة الأوقاف.
ويضيف الشيخ جبريل أن المسجد لا يخلو من صلاة الجماعة على مدار اليوم، نظرا لكثرة الأسواق والأنشطة حوله، وموقعه الحيوي بالنسبة لسكان المدينة.

حقيقة الهدم والبناء
يؤكد الباحث خالد معروف، المتخصص في تراث مدنية دمنهور أن مسجد التوبة يعد ثاني مسجد في مصر وإفريقيا بعد مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط، طبقا للروايات المتواترة بين أبناء المدينة. رغم عدم وجود دليل موثق من المؤرخين على تلك الروايات.
ويقول: “كان المسجد قبل هدمه سنة 1956 يتميز بالبساطة، بثلاثة أبواب وصحن مكشوف تحيط به أماكن الصلاة. ومنذ إنشائه، تغيرت مساحته وشكله على مر القرون، خصوصا بعد الزلزال الذي ضرب مصر سنة 1303هـ في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، مما أدى دمار كبير في دمنهور.
وتعرض المسجد أيضا للهدم الكامل بعد زلزال سبتمبر 1955، وأعيد بناء المسجد الحالي بنفس المساحة وافتتح عام 1959، وشهد عدة ترميمات كان آخرها سنة 2020”.
بين الروايات الشعبية والمعلومات الأثرية
حول عدم ضم المسجد للمنشآت الأثرية، يقول الدكتور علاء النحاس، مدير إدارة الوعي الأثري في منطقة آثار البحيرة، إن عدم ضمه يرجع لعدم أثريته أو انتفاء صفته الأثرية. وأيضا عدم احتوائه على أي عناصر أو شواهد أثرية.
ومع ذلك، أكد النحاس أن للمسجد قيمته التاريخية في وعي أهالي دمنهور والبحيرة. فهو أحد أهم وأشهر المعالم في المدينة، حتى لو لم يتوفر دليل أثري قاطع على ذلك. ويقول: “سواء كانت الرواية شعبية أم حقيقية، أو سواء كان المسجد أثريا أم لا. فإن وعي السكان بأهميته يضفي عليه قيمة كبيرة”.
هذا ما أكده أيضا الدكتور أحمد الأدهم، مدير آثار البحيرة الأسبق، إذ شدد على أن الرواية التي تفيد أن المسجد تم إنشاؤه في عام 21 هجريا لا يمكن تأكيدها. فلا توجد آثار أو مستندات تاريخية، وكل ما يتردد هو مجرد أقوال متناقلة من جيل لآخر. وأضاف أن موسوعة “الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة وبلادها الشهيرة”، التي صدرت عام (1886م – 1305هـ) تحدثت عن جميع مساجد دمنهور الشهيرة. ولم تذكر مسجد التوبة، مشيرا إلى أن هذا المسجد حديث الإنشاء نسبيا رغم ما يتم تداوله من روايات شعبية.



