دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

أسيوط بلا ثقافة.. حين سقطت «قصور الثقافة» في فخ الصراعات الإدارية

في محافظة بحجم وتاريخ أسيوط، لا يبدو تعثر قصر الثقافة مجرد خلل إداري عابر، بلا علامة مقلقة على تراجع دور يفترض أنه يشكل خط الدفاع الأول عن الوعي والفهم. بين غياب القيادات، وجمود اللوائح، وتآكل الإمكانيات، يتحول أكبر صرح ثقافي في الإقليم من مساحة للحياة والإبداع إلى مبنى بلا روح.. «باب مصر» يرصد كيف وصلت المنظومة الثقافية إلى هذا المستوى، ومن يدفع ثمن الفراغ حين تنسحب الثقافة من المشهد.

زيارة الوزير وإقالة المدير

لم تكن زيارة وزير الثقافة آنذاك، أحمد فؤاد هنو إلى محافظة أسيوط زيارة بروتوكولية عابرة. بل تحولت إلى لحظة كاشفة لما تعيشه المؤسسات الثقافية في أسيوط من اضطراب إداري وتراجع واضح في الدور الثقافي. وجاءت الزيارة خلال فترة تولية حقيبة وزارة الثقافة، ضمن جولة تفقدية لعدد من المواقع الثقافية بالمحافظة.

وخلال جولته داخل قصر ثقافة أسيوط، تفجرت أزمة داخل المسرح كشفت حجم الإهمال والارتباك داخل أكبر صرح ثقافي في الصعيد. لتنتهي الزيارة بقرار إقالة مدير القصر على خلفية ما جرى.

ثقافة أسيوط.. بلا مدير عام للثقافة

لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد، فالقصر الذي يفترض أن يكون مركزًا نابضًا بالحياة الثقافية ظهر شبه خال من الجمهور والنشاط. في وقت يغيب فيه أيضًا مدير عام فرع ثقافة أسيوط منذ فترة طويلة. بينما تدار المنظومة مؤقتًا عبر “مُيسر أعمال” لا يملك الصلاحيات الكاملة لإدارة مؤسسة بهذا الحجم.

هذا المشهد يطرح أسئلة ملحة: كيف وصل أكبر صرح ثقافي في الصعيد إلى هذه الحالة من الفراغ الإداري؟ ومن المسؤول عن تراجع الدور الثقافي في محافظة طالما كانت واحدة من أهم مراكز الإبداع في الصعيد؟ ولماذا تبدو الثقافة هنا وكأنها تدار بلا رؤية واضحة أو قيادة حقيقية؟

أكد عدد من العاملين بقصر ثقافة أسيوط – رفضوا ذكر أسمائهم- أن عدم وجود مدير رسمي لقصر ثقافة أسيوط. وكذلك لفرع ثقافة أسيوط لفترات ممتدة، تسبب في تعطيل اتخاذ القرارات، تأجيل فعاليات، وغياب خطة واضحة، وارتباك إداري بين الموظفين. وذكر أحد الموظفين لـ«باب مصر» أن أي نشاط يحتاج إلى موافقات متعددة. وفي غياب مدير ثابت يتأثر العمل حتى في حال وجود ميسر للأعمال، فيكون مصير الفعاليات إما الإلغاء أو التأجيل.

قصر ثقافة أسيوط.. تصوير: جاسمين مهني
قصر ثقافة أسيوط.. تصوير: جاسمين مهني
شهادات مبدعين.. الجمهور تم “تطفيشه

يقول علي عبد الحليم، 40 عامًا، أحد رواد المسرح: “زمان كان المسرح في قصر الثقافة مليان جمهور. دلوقتي بقى النشاط محدود جدًا، ومفيش خطة لجذب الشباب ولا دعم حقيقي للفرق المستقلة”، مضيفًا أن الروتين قتل الحماس. وأي فكرة جديدة تضيع وسط دوامة الموافقات.

وأضاف: “كان فيه روح للمكان، لكن بكل آسف حدثت صراعات حدثت داخل الثقافة، كلها صراعات شخصية، ووصل الأمر إلى القضاء. ما أدى إلى تحويل ثقافة أسيوط إلى ساحة صراع على من يستحق الإدارة، وتناسوا جميعًا دورهم الحقيقي. والحقيقة أن ذلك أدى إلى قتل الدور الثقافي مع سبق الإصرار والترصد”.

فيما قال سيد علي، 34عاما، موظف بالتربية والتعليم: “كنت باخد أولادي ورش رسم ومسرح، دلوقتي ما بقاش فيه انتظام. والطبيعي إن الناس تدور على بديل”، مضيفًا أنه كان هناك نادي سينما تعرض فيه أفلام بقصر الثقافة، لكن دون مقدمات تم إيقافه. وعندما سأل عن السبب قال له أحد الموظفين: “أوامر من فوق”.

لوائح قديمة.. ثقافة بلا رؤية حديثة

أوضح موظف بثقافة أسيوط – فضل عدم ذكر اسمه- أن الأزمة ليست فقط في الأشخاص، بل في المنظومة الثقافية نفسها. وقال: “نحتاج مديرين لديهم رؤية فنية قادرة على إدارة جمهور. وفهم للتسويق الثقافي، والتواصل مع الشباب. اللوائح الحالية عقيمة وتركز على المسار الوظيفي أكثر من الكفاءة القيادية”.

وأضاف أن هناك غيابا لمعايير واضحة، مثل عدد المبادرات المنفذة. والقدرة على جذب الجمهور الذي اختفى تقريبًا حاليًا بسبب صراعات حدثت خلال السنوات السابقة وما زالت مستمرة. وكلها مشاكل شخصية لا تمثل كوننا في مكان ثقافي راق يعمل به صفوة ومفكرون ومبدعون. كما غاب تطوير الموارد الذاتية، ما يجعل التقييم إداريًا بحتًا لا ثقافيًا.

قصر الثقافة حين يصبح طاردا للثقافة

أضاف أن أكبر آفة يعاني منها قصر الثقافة بأسيوط هي اللوائح والقوانين المنظمة لما يسمى بـ”الثقافة الجماهيرية”. وهو مصطلح عتيق عفا عليه الزمن، ولم يعد قادرا على مواكبة التطور من حولنا. فمن غير المنطقي التعامل بلوائح وقوانين تعود إلى السبعينيات، لم تتغير إلا قليلا جدا عام 2026، مع انتظار نتائج إيجابية.

وأشار إلى عقم هذه اللوائح وجعل الفساد والمحسوبية والشللية والروتين والبيروقراطية وتعيين غير الأكفاء في المناصب القيادية أو لتنفيذ الأنشطة. نظاما كاملا يتم العمل به داخل الهيئة العامة لقصور الثقافة. فتكون النتيجة قرارات غير منطقية وغير مفهومة، أدت إلى إيقاف وطرد أنشطة حيوية من قصر الثقافة. كما حدث مع نشاط نادي السينما، الذي كان من أكثر الأنشطة جذبا للجمهور في قصر أسيوط بعد افتتاحه عقب التجديد عام 2013. ثم أوقفه أحمد عواض، رئيس الهيئة الأسبق، بقرار غير مفهوم ومبررات وصفت بأنها واهية عام 2016.

فرع ثقافة أسيوط.. تصوير: جاسمين مهني
فرع ثقافة أسيوط.. تصوير: جاسمين مهني
ازدهار مؤقت

كما أشار إلى ما حدث مؤخرًا مع نادي القصة، النشاط الذي بدأ وازدهر وتطور في كنف قصر الثقافة منذ عام 2002. وأقام خمسة مؤتمرات على مسرح القصر، أحدها افتتحه وزير الثقافة الأسبق حلمي النمنم. وكان ضيف الشرف فيه الأديب الراحل صنع الله إبراهيم، إلا أنه – بحسب قوله- تم طرد النادي من قصر أسيوط بسبب الشللية والمحسوبية. ولم يستطع أحد من قيادات الثقافة في أسيوط حمايته أو الدفاع عنه.

وأوضح أنه في المقابل يتم الإبقاء على الأنشطة الروتينية، التي تُنفذ بشكل آلي. مثل نادي الأدب الذي تصرف له ميزانية لأنشطته. بينما يكون الإنتاج محدودا، ويحضر فعالياته عدد قليل من المهتمين. وكذلك معارض الفنون التشكيلية التي تعرض أعمالها يوم الافتتاح فقط، ثم تبقى قاعة المعارض مغلقة بقية الأيام.

تعيين غير الأكفاء

يبقى تعيين غير الأكفاء في مناصب الإدارة أو لتنفيذ الأنشطة – بحسب روايته- أكبر الآفات. وهو ما أدى إلى تدهور قصر ثقافة أسيوط على مدار السنوات الخمس وأربعة شهور الماضية، نتيجة تعيين مدير “لأن اللوائح تقتضي ذلك”. بغض النظر عن كفاءته أو مدى جدارته بالمنصب. من دون محاولة جادة لتصويب الوضع، طالما أن اللوائح في صفه.

وطالب بإلغاء مسمى “الثقافة الجماهيرية” والهيئة العامة لقصور الثقافة. وتحويل قصور الثقافة في عواصم المحافظات إلى كيانات مستقلة بميزانيات خاصة تدير بها شؤونها بسلاسة. على غرار أماكن ثقافية خاصة مثل ساقية الصاوي، معتبرا أنه من غير المقبول أن يقدم مكان كهذا منتجا ثقافيا متنوعا وقويا. بينما يعجز قصر ثقافة أسيوط- رغم كبر مساحته وتعد تجهيزاته- عن تقديم مستوى مماثل.

إطفاء الحلم الثقافي 

تابع الموظف حديثه: “تخيلوا محافظة بحجم أسيوط يتوقف فيها النشاط الثقافي بهذا الشكل وتتدهور حالتها العامة. الثقافة تمثل خط دفاع فكري واجتماعي مهم، وتراجعها يعني تراجعا في الوعي العام”.

وأشار إلى أن قصر ثقافة أسيوط ليس مجرد مبنى، بل مساحة كانت يومًا ما تعج بالحياة،. وأن الفراغ الإداري والروتين لا يقتلان الأنشطة فقط، بل يطفئان الحلم الثقافي لجيل كامل. منوها بواقعة اختلاس حدثت في الفرع. ورغم إثباتها رسميا- بحسب قوله- يحاول البعض التكتم عليها. مؤكدا أن غياب مدير عام للفرع مرتبط بتداعيات تلك الواقعة التي مضى عليها أكثر من عام.

ولفت إلى أنه منذ أكثر من شهرين تمت إقالة مدير قصر ثقافة أسيوط من قبل وزير الثقافة آنذاك، بسبب خلافات تمت خلال زيارته للموقع. وحتى الآن لا يوجد مدير للقصر، فيما تكاد الأعمال تكون متوقفة.

فجوة رقمية وعزلة عن الشباب

يقول الدكتور أحمد مصطفى، كاتب وعضو اتحاد كتاب مصر وعضو نادي أدب قصر ثقافة أسيوط ومحاضر مركزي بإقليم وسط الصعيد الثقافي بهيئة قصور الثقافة، إن مشكلة قصور الثقافة ليس فقط في عدم وجود مدير لها، ولكنها متعددة الجوانب.

وأوضح: “نحن الآن نتحدث عن ثورة رقمية تحتاج استغلال الوسيط الجديد في التواصل والتفاعل مع شباب وجمهور مشغول على الدوام، ولن ينجح هذا التواصل إلا باستكشاف الجمهور المطلوب نفسه”.  وأضاف أن هناك أيضا مشكلات تتعلق بتبنى العمل الثقافي والإيمان بخطورته وأهميته، “فلو كان هذا الإيمان موجودا لوجدنا قوافل ثقافية في المدارس، وانفتاحا كاملا بين الجامعات وقصور الثقافة”.

 فقر الإمكانيات

أشار مصطفى إلى أن ضعف الميزانيات أدى إلى عدم تحديث المكتبات منذ عام 2013 في معظم قصور الثقافة، وعدم شراء أدوات فنية أو موسيقية، لافتا إلى أن بعض الفرق ما زالت تستخدم أدوات مر عليها أكثر من ربع قرن، بل يقترب بعضها من نصف قرن، فضلا عن بدلات غير ملائمة.

وأضاف: “مثلا فريق مسرح المكفوفين، وكل الممثلين من المكفوفين، ومعظمهم يقطن في مراكز بعيدة جدا أو قرى بعيدة، وليس لهم بدل انتقال وينفقون من جيوبهم، كتعذيب على امتلاكهم موهبة أو عقوبة فوق طاقتهم”.

 وتابع أحمد، مشيرا إلى أزمة الأندية المستقلة مثل نادي القصة أو الترجمة أو الزجل أو غيرها، مؤكدا أن جميع هذه الأندية تعمل بشكل تطوعي، ولا تطلب مقابلا ماديا، وكل ما تحتاجه قاعة تمارس فيها نشاطها، وتنطلق فعالياتها تحت اسم هيئة قصور الثقافة، التي يفترض أن ترحب بوجود متطوعين وفنانين يعملون دون مقابل، يكتشفون مواهب جديدة، ويسهمون في التوعية وتطوير الممارسات الفنية، وعقد مناقشات ثقافية واجتماعية وفكرية.

واختتم قائلا: “نفاجأ أحيانا بأن قصور الثقافة تطرد هذه الأندية، وكأنها لا ترغب في مزيد من أنشطة اكتشاف المواهب أو العمل التطوعي”.

رد مسؤول

تواصل «باب مصر» مع مسؤول بإقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي، الذي أكد أنه غير مصرح له بالرد أو الحديث في هذا الشأن، مشيرا إلى أن الرد يكون من الهيئة العامة لقصور الثقافة. كما تواصلنا هاتفيا مع المسؤول الإعلامي للهيئة أكثر من خمس مرات، إلا أن هاتفه كان مغلقا، وتم إرسال رسائل عبر “واتساب”، لكنها لم تلق ردا حتى كتابة هذه السطور.

اقرأ أيضا:

قرار وزاري يغير مصير «فيلا جمال الدين» ومنزل «دانيال مكسيموس» في منفلوط.. ما القصة؟

من قلب الصحراء.. كيف تحولت «محمية الوادي الأسيوطي» إلى ذاكرة حية للتنوع البيئي؟

«النحل الفرعوني» بأسيوط.. كنز بيئي وطبي موثق منذ آلاف السنين

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.