70 عاما في الحدادة.. «عم عبده» يصنع أدوات المزارعين بيديه
بين لهيب النيران، وارتفاع درجات الحرارة، والحديد الساخن، وأعين أنهكها الإرهاق، يجلس «عم عبده»، ابن محافظة الأقصر، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الكبر، بينما يمسك بقطعة حديد يضعها على نيران مشتعلة، ليتمكن من تصنيع أدوات حديدية متنوعة تُستخدم في الأراضي الزراعية، أو داخل المنازل والأحواش، أو لإصلاح قطع قديمة يطلبها الزبائن مقابل أجر زهيد، لكنه اعتاد العمل والشقاء بدلا من الفراغ.
تسخين الحديد بلهيب النيران
عم عبده حسن، البالغ من العمر 80 عامًا، يعمل في مهنة الحدادة منذ أن كان في العاشرة من عمره. حيث ورثها عن والده، الذي كان يعد من أشهر الحدادين في أرمنت جنوب محافظة الأقصر. ويعمل في تصنيع المناجل والفؤوس، والمقصات، وحلقات الحديد التي تستخدم لربط المواشي في الأحواش.
يقول عم عبده: “أقوم بتصنيع الآلات الحديدة المتنوعة. وأحيانا أصلح الأجزاء التالفة باستخدام طريقة تسخين الحديد بلهيب النار، لتشكيل وتحديد الشكل المطلوب للآلة. سواء كان مقصا أو منجلا يستخدمه المزارعون وغيرها من الأدوات الحديدية”.
المناجل والفؤوس
يعمل عم عبده بكثافة خلال مواسم الزراعة. حيث يزداد الطلب على المناجل والفؤوس، إضافة إلى الحلقات الحديدية الصغيرة الخاصة بالمواشي، التي يستخدمها الأهالي لربط أرجلها ومنعها من الهروب. كما يزداد الطلب في موسم حصاد القمح على أدوات حديدية معينة وفق احتياجات المزارعين. إذ أنه يلتزم بتنفيذ ما يطلبه الزبائن”.
يستيقظ مبكرًا مع بداية ضوء النهار، ويبدأ في تشغيل الكور لفترة قصيرة لرفع درجة حرارته، قبل وضع الحديد عليه لتشكيله. ثم ينهي عمله في وقت الظهيرة، خاصة مع تراجع قدرته على العمل لساعات طويلة بسبب تقدمه في العمر. فيستريح من حرارة النيران ويتناول طعام الغداء.

طريقة تصنيع الآلات الحديدية
يوضح عم عبده أن تصنيع الأدوات الحديدية تبدأ بشراء الحديد الخام بالكيلو. ثم تسخينه باستخدام ما يعرف بـ”الكور” أو “الموتور”. حيث يتم دفع الهواء وإشعال الفحم حتى تصل درجة الحرارة إلى مستوى عال يسمح بتشكيل الحديد. وبعد تسخينه، يتم طرقه بالشاكوش للوصول إلى الشكل المطلوب.
ويشير إلى أن مدة تصنيع الأداة تختلف من قطعة لأخرى، فبعضها يستغرق نحو ساعة ونصف أو ساعة إلا ربع. مثل المقص أو “الطورية”، بينما تحتاج الأدوات الأكبر حجما إلى وقت أطول.
العمل وسط لهيب النيران
رغم بلوغه الثمانين من عمره وظهور علامات التقدم في السن عليه. إلا أن عم عبده يفضل مواصلة العمل وسط النيران والحديد على الجلوس دون عمل، قائلا: “دي تسلية أحسن ما أنام جنب الحيط”.
وقد تسبب الدخان الكثيف الناتج عن عملية تسخين الحديد في إصابته بإجهاد شديد في العينين واحمرار وتورم، إلى جانب تدهور حالته الصحية. حتى إنه خضع لعدة عمليات في عينيه، لكن دون تحسن يذكر، قائلا: “عيني وجعاني والله.. رحت كشفت وعملت 4 عمليات، لكن مفيش فايدة”.
وعن عدم ارتدائه نظارة واقية أثناء العمل، أوضح: “أنا اتعودت أشتغل كده، ماعرفش ألبس نظار.، ما اتعودتش عليها، والنهارده أو بكرة هموت خلاص، ما يهمش، ربنا يقضيها على خير إن شاء الله”.

أمنية عم عبده.. أداء العمرة
تظل أمنية عم عبده الوحيدة هي زيارة بيت الله الحرام وأداء مناسك العمرة أو الحج. إلا أن عقبات تتعلق بأوراق التجنيد حالت دون تمكنه من السفر. رغم محاولاته المتكررة، يعبر بعينين دامعتين: “حاولت أقدم للسفر لأداء العمرة أو الحج، لكن معرفش.. الزيارة نصيب وقسمة، لو لينا نصيب كان جابها ربنا. في مشكلة في الورق بتاعي”، مناشدا المسؤولين مساعدته في تحقيق أمنيته قبل أن يلقى ربه في ظل كبر سنه.
ويؤكد محمد، نجل عم عبده، معاناة والده في استخراج أوراق السفر. موضحا أن إدارة الجوازات بمحافظة الأقصر رفضت استخراج جواز سفر له منذ نحو ثلاث سنوات، بسبب ضرورة تقديم ما يثبت موقفه من الخدمة العسكرية.
وأشار إلى أنه تم التوجه إلى محافظة قنا للحصول على شهادة تحديد الموقف من التجنيد، إلا أن محاولات البحث في السجلات القديمة لم تسفر عن أي بيانات. خاصة أن بطاقة والده كانت قديمة ولم يثبت بها موقفه من التجنيد، ومع تحديثها بالنظام الحديث ظلت البيانات على وضعها السابق. ما أدى إلى استمرار تعثر استخراج جواز السفر، وبالتالي عدم تمكنه من السفر لأداء مناسك الحج أو العمرة في السعودية.
اقرأ ايضا:
«فتل الحبال».. حكاية حرفة قديمة تنشط مع موسم الحصاد
صيادو الأقصر يواجهون أزمة.. اختفاء الزريعة والتغيرات المناخية تقلص الثروة السمكية
«الغابة الشجرية» في الحبيل.. استثمار بيئي يحمي المناخ ويوفر المياه



