محو الهوية والتاريخ.. هل يتعمد الاحتلال والولايات المتحدة تدمير الأماكن الأثرية والتراثية خلال الحروب؟
«أصبحت الحروب تقاس بما يُمحَى من ذاكرة الشعوب من تاريخ وتراث، لا بعدد القتلى أو حجم الدمار فقط»… في طهران، يصارع تاريخ بلاد فارس للبقاء شاهدا على حضارة عريقة، في ظل ضربات الاحتلال والولايات المتحدة الأخيرة، التي تسببت في تضرر أو تدمير أكثر من 56 موقعا تراثيا، من قصر جولستان إلى الأسواق القديمة والمواقع المسجلة على قوائم التراث العالمي.
ورغم المواثيق الدولية التي تكفل حماية التراث خلال النزاعات المُسلحة، إلا أن هذا المشهد تكرر في كل حرب خاضها الاحتلال في المنطقة، ليصبح «الحجر والبشر» أول الضحايا.
في هذا التحقيق، يرصد «باب مصر» مصير الأماكن التاريخية والأثرية والتراثية في البلاد أثناء حروبها مع الاحتلال أو القوات الأمريكية، ويطرح تساؤلات حول عدة: هل أصبح قصفها أمرا مُتعمدا؟ وكيف تحولت المواقع التاريخية إلى جزء من النزاعات المسلحة اليوم؟ ولماذا تحول الحروب من صراع على الأرض إلى صراع على الذاكرة والهوية؟
طهران في مهب الصواريخ
في إيران، أحدث البلدان التي تخوض حربا مع الاحتلال منذ فبراير 2026. تضرر نحو 50 موقعا تراثيا أو تم تدميره جراء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. لتعلن طهران أن مواقعها الثقافية والتاريخية كانت المتضرر الأول.
وأعلنت وزارة التراث الثقافي والسياحة الإيرانية أن ما لا يقل عن 56 متحفا ومعلما تاريخيا وموقعا ثقافيا تضرر خلال الحرب التي بدأت في 28 فبراير. وبحسب وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية (إرنا)، لحقت معظم الأضرار بـ19 موقعا في مدينة طهران. من أبرزها قصر جولستان، والسوق الكبير، ومبنى مجلس الشيوخ السابق.
كما تضررت مواقع تاريخية أخرى في محافظات أصفهان وكردستان ولورستان وكرمانشاه وبوشهر وإيلام. وشملت الأضرار أجزاء من ساحة نقش جهان في أصفهان، المُسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. كما تأثرت متاحف ومجمعات تاريخية في مدن سنندج وخرم آباد وسيراف. إضافة إلى قلعة “فلك الأفلاك” في خرم آباد بمحافظة لورستان.

موقف اليونسكو
من جانبها، أعلنت منظمة اليونسكو توثيق تضرر أربعة مواقع إيرانية مدرجة على قائمة التراث العالمي جراء الهجمات. وأشار البيان إلى ثلاثة منها تقع في أصفهان، اثنان منها في ساحة نقش جهان. وهما: المسجد العباسي (الجامع) الذي يعود للعصر الصفوي، وقصر علي قابو. كما تضرر جناح “جهل ستون”، وهو مبنى ذو أعمدة تحيط به حدائق تضم جداريات وفسيفساء تاريخية.
وفي سياق التحذيرات الدولية من استهداف التراث الثقافي، ندد المجلس العربي للاتحاد العام للآثاريين العرب بالاعتداءات التي تطال المواقع الأثرية في لبنان، مطالبا بوقف ما وصفه بالعدوان الغاشم على التراث الإنساني، وما يترتب ليه من محو لذاكرة الشعوب التاريخية والأثرية.
ويهيب المجلس، المنبثق عن اتحاد الجامعات العربية بمنظمة اليونسكو، وشرفاء العالم، والأمم المتحدة، والمنظمات المعنية بالتراث، بضرورة التدخل العاجل لحماية المواقع الأثرية ذات القيمة التاريخية والحضارية، ومن بينها مواقع في مدينة صور وصيدا وعرنون، وقلعة الشقيف، ومعبد أشمون وكذلك قلعة دير كيفا (مارون) وقلعة تبنين (تورون)، وجسر جيب جنين الروماني، ومنطقة العدلون، ومعبد عين هيرشي.
ويؤكد المجلس أن استهداف هذه المواقع يمثل انتهاكا صارخا للمواثيق والاتفاقيات الدولية المعنية بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. مشددا على ضرورة التحرك الفوري لوقف هذه الانتهاكات، والعمل على توثيق الأضرار واتخاذ التدابير اللازمة لحماية ما تبقى من هذا التراث الإنساني.
الممتلكات الثقافية والنزاع العسكري
«يقر القانون الدولي في نصوصه المختلفة بوضوح حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. ويعدّ الاعتداء عليها أمرًا مدانًا ومحظورًا». هكذا علق الدكتور حسين عبد البصير، عالم الآثار والمدير العام السابق لأهرامات الجيزة ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية.
ويصف عبد البصير ذاكرة الإنسان بأنها تتجسد في الحجر. مؤكدا أن الاعتداء على التراث في أزمنة الحروب هو عدوان مباشر على الذاكرة الإنسانية وهوية الشعوب، وعلى حقها في الامتداد عبر الزمن.
وأضاف، في تصريحات خاصة لـ«باب مصر»: “أثبتت التجربة الإنسانية المؤلمة مرارًا أن النصوص وحدها لا تكفي إذا لم تسندها إرادة حقيقية للمحاسبة. وكثيرا ما تختبئ الجرائم الكبرى خلف عبارات مثل “الضرورة العسكرية” أو “الضرر الجانبي” أو “الخطأ غير المقصود”. بينما تكون النتيجة واحدة: موقع أثري مدمر، أو متحف منهوب، أو مدينة تاريخية فقدت روحها إلى الأبد”.
وأوضح أن الموقع الأثري إذا تهدم لا يمكن تعويضه. وإذا نهبت طبقاته وسياقاته ضاعت معلومات لا يمكن لأي علم حديث استعادتها بالكامل. مضيفا: “الدفاع عن المواقع الأثرية والتراثية في إيران أو العراق أو سوريا أو فلسطين أو أي مكان في العالم هو دفاع عن المستقبل نفسه”.

الدرع الأزرق
جددت هذه الغارات المخاوف بشأن التراث الإيراني. ما دفع السلطات إلى تطبيق اللوائح الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي، ووضع شعار «الدرع الأزرق» على المتاحف والمعالم الأثرية والمجمعات التاريخية. وهو رمز أُنشئ بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع المسلح.
وبحسب موقع “مركز واشنطن لحقوق الإنسان”، وضِع شعار “الدرع الأزرق” على أكثر من 120 موقعا ثقافيا. بهدف التأكيد على أنها مواقع تراثية وليست أهدافا عسكرية؟ إذ يستخدم هذا الرمز لتمييز المعالم والمتاحف والمكتبات والمحفوظات ذات القيمة الثقافية للبشرية.
حقد حضاري تاريخي
لم تسلم المواقع التاريخية في إيران من القصف الأمريكي والإسرائيلي. رغم أن اتفاقية لاهاي لعام 1954 تكفل حمايتها أثناء النزاعات المسلحة. وفي هذا السياق، قال الدكتور عبدالرحيم ريحان، خبير الآثار وعضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس حملِة الدفاع عن الحضارة المصرية، إن استهداف التراث الثقافي قد يكون متعمدا.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«باب مصر»: “بالطبع، هناك حقد حضاري تاريخي على الإرث الثقافي العربي الممتد لآلاف السنين. خاصة الحضارتين المصرية والعراقية. وهو ما ظهر جليا خلال حرب الخليج من تدمير المتاحف والآثار العراقية”.
وتابع أن ذلك يرتبط بمحاولات تهويد التاريخ في فلسطين، وفترة احتلال سيناء، وكذلك في العراق. من خلال السعي للاستحواذ على القطع الأثرية وتزوير التاريخ لحساب المنظمات الصهيونية الممولة بشكل كبير.
تزوير التاريخ
لكن، هل يمكن اعتبار تدمير التراث في النزاعات جزءًا من استراتيجية “إعادة تشكيل الهوية” أو محو الذاكرة الجمعية؟ يوضح الدكتور عبدالرحيم ريحان أن إسرائيل فعلت ذلك بالفعل خلال فترة احتلال سيناء. مضيفا: “زورت التاريخ، ونسبت قلعة إسلامية في طابا- وهي قلعة صلاح الدين الأيوبي بجزيرة فرعون- إلى عهد نبي الله سليمان. وقد جرى الرد على أكاذيبهم علميًا. كما تم تزوير مسار طريق الحج المسيحي في سيناء. ورسم نقش “المينوراه” على هضبة حجاج الواقعة في طريق الحج المسيحي قرب مدينة سانت كاترين”.
ويردف: “تم الرد على هذه الادعاءات بدراسات نشرتها في الدورية العلمية لمجلس الآثاريين العرب. كما يحدث الأمر ذاته في فلسطين، من خلال أعمال التنقيب أسفل المسجد الأقصى دون نتيجة تذكر. إذ أن معظم ما يعثر عليه آثار إسلامية، ما يدفع إلى تهويد أسماء الأماكن وسرقة التراث الفلسطيني. بما في ذلك الفنون والأكلات وغيرها، وكذلك الحال في العراق”.

تدمير آثار العراق
في عام 2003، ألحق التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة أضرارا جسيمة بتراث العراق الثقافي والتاريخي، خلال غزو واحتلال البلاد. ووفقا لتصريحات سابقة لسعد إسكندر، المدير العام للمكتبة والأرشيف الوطنيين العراقيين، فإن الخسائر الثقافية والفكرية التي تكبدها العراق آنذاك فاقت الخيال.
ولحقت أضرار جسيمة بمقتنيات الهيئة العامة للآثار والتراث، والمتحف العراقي، والمكتبة الوطنية العراقية، ومتحف “قائد النصر”. الذي يضم هدايا الدولة المقدمة لصدام حسين. فضلا عن غيرها من المرافق الهامة. بحسب موقع وزارة خارجية الاتحاد الروسي.
كما تعرضت آثار عراقية للسرقة ومحاولات التهريب. وتم تدمير “بيت الحكمة”- المكتبة والمركز الأكاديمي الشهير الذي يضم وثائق تعود إلى العصر العباسي- إضافة إلى تدمير العديد من المخطوطات عمدًا. باستخدام الفوسفور الأبيض ومدافع المياه القوية، وفقا للتقارير. كما دمرت مدينة “إريدو” الأثرية، التي يعود تاريخها إلى أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد.
نهب تاريخ الحضارات
في هذا الصدد، يعلق الدكتور حسين عبد البصير، المدير العام السابق لأهرامات الجيزة ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، على تدمير عشرات المواقع التراثية في إيران والعراق وسوريا وفلسطين وغيرها من بلدان الشرق. ويقول إن هذا التدمير “ليس خبرا عابرا في سياق حرب عابرة. بل هو فصل جديد من فصول الجريمة الكبرى التي ترتكب بحق الإنسان، عندما يحرَم من ماضيه، ويفصل عن ذاكرته، وينتزع من جذوره”.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ«باب مصر»: “لقد رأينا في العراق، بعد الغزو الأمريكي، كيف يمكن لحضارة من أعرق حضارات الإنسانية أن تُترك نهبا للفوضى والسرقة والدمار. رأينا المتحف العراقي ينهب، والمواقع الأثرية تنتهك، والذاكرة البابلية والآشورية والسومرية تداس تحت أقدام الحرب”.

التهام المدن القديمة
يتابع د. حسين: “كان هذا التدمير علامة دامغة على أن الاحتلال. حين يفتقد الحس الحضاري، أو يقدم منطقه العسكري المجرد على واجبه الإنساني، يتحول إلى قوة هدم، لا للواقع وحده، بل للتاريخ أيضا”. وتطرق إلى الوضع في سوريا، قائلا: “رأينا كيف يمكن للصراع الطويل أن يلتهم المدن القديمة. ويجعل من التراث رهينة بين قصف النظام، وعنف الجماعات المتطرفة، وفوضى الحرب المفتوحة”.
ويشير إلى تكرار المشهد في فلسطين، مضيفا: “رأينا كيف يقف التراث هناك في مرمى الاستهداف. لأن الصراع لا يدور على الأرض وحدها، بل على الرواية أيضا. وعلى من يملك الحق في الذاكرة والشهادة التاريخية على الوجود”.
تدمير المواقع الأثرية والتراثية بقطاع غزة
في نوفمبر 2023، ندد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بهجمات الاحتلال الإسرائيلي على المعالم والمواقع الأثرية والتراثية في قطاع غزة. واصفا إياها بأنها استهداف صريح للتراث الثقافي الفلسطيني.
وأكد المرصد أن القانون الدولي الإنساني يحظر استهداف المواقع الثقافية والدينية عمدا. وأنها لا تعد أهدافا عسكرية، مستشهدا باتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح. فضلا عن البروتوكول الثاني الملحق بها لعام 1999.

آثار فلسطين
من بين المواقع التي استهدفها الجيش الإسرائيلي، الجامع العمري الكبير التاريخي في وسط مدينة غزة. الذي يعود تاريخه إلى نحو 1400 عام، ويقع على مساحة 4100 متر مربع. ويعد من أكبر وأقدم المساجد في القطاع.
كما دُمرت ثلاثة كنائس تاريخية. من بينها كنيسة القديس برفيريوس، التي يرجع تاريخها إلى عام 407 ميلادية، ودير القديس هيلاريون في تل أم عامر، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 1600 عام. ودمرت أيضا عدة مواقع أثرية. منها موقع البلاخية الأثري وميناء غزة القديم، الذي يعود إلى نحو 800 قبل الميلاد. إضافة إلى تدمير ما يقرب من 146 منزلا قديما، إلى جانب مساجد وكنائس تاريخية.
كما طال التدمير عددا من المؤسسات الثقافية، أبرزها المركز الثقافي الأرثوذكسي، ومتحف رفح، ومتحف القرارة، ومركز غزة للفنون، وجمعية “ميلاد” وغيرها. ووصفت المنظمة الحقوقية هذا التدمير بأنه “تقليص مقصود” للتراث التاريخي والثقافي. معتبرة استهداف هذه المواقع جريمة حرب وانتهاكا لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية.
الهوية الثقافية
«تعتمد الهوية الثقافية اعتمادًا أساسيًا على التراث الثقافي، بشقيه المادي واللامادي. وفي النزاعات الحالية في الشرق الأوسط، تقوم هذه الصراعات في كثير من الأحيان على أسس عرقية أو دينية». هكذا أوضح الدكتور يوسف كنجو، الباحث في معهد آثار الشرق الأوسط في جامعة توبنجن الألمانية، والمدير السابق لمتحف حلب الوطني، فكرة إعادة تشكيل الهوية من خلال تدمير التراث أثناء النزاعات.
ويضيف، في تصريحات خاصة لـ«باب مصر»: “تهدف الحروب إلى القضاء على الآخر، بما في ذلك معتقداته ومنتجاته المادية. مع السعي في المقابل إلى الحفاظ على كل ما يعزز الهوية الخاصة ويثبت الذاكرة الجماعية”.
ويتمتع الدكتور يوسف خبرة واسعة في مجال حماية الآثار خلال فترات الحروب. مؤكدا أن استهداف التراث يأتي في إطار صراع أوسع على الهوية والذاكرة.

خسائر غزة الثقافية بالأرقام
تضرر أو دُمر نحو 200 مبنى تاريخي، و12 متحفًا، وعدد من المراكز الثقافية، من بينها الجامع العمري الكبير، وقصر الباشا بما يحويه من كتب ومخطوطات نادرة. إضافة إلى متحف رفح ومتحف عكاد. كما تعرض متحف القرارة الثقافي، ومركز رشاد، ومعهد كنعان. والأرشيف المركزي لمدينة غزة لأضرار وتدمير. بحسب بيان وزارة الثقافة الفلسطينية في فبراير 2024.
وفي سياق متصل، أعد مركز صون التراث الثقافي، بالتعاون مع مشروع “علم الآثار المهددة بالانقراض” بجامعة أكسفورد، تقريرًا أظهر تضرر 226 موقعًا تراثيًا خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر 2024. وبلغت خسائر التراث الثقافي في غزة أكثر من 300 مليون دولار حتى نهاية يناير 2024، بحسب تقديرات البنك الدولي.
إبادة ثقافية
«ما يحدث في فلسطين أو لبنان أو إيران هو إبادة بشرية وثقافية، تستهدف القضاء عل كل ما له علاقة بالعرب، قبل الإسلام وبعده». هكذا وصف الدكتور عبدالرحيم ريحان حجم الخسائر الثقافية.
ويضيف في تصريحاته لـ«باب مصر»: “تشمل هذه الإبادة كل ما يتصل بالمسلمين عموما. في ظل محاولات لتشويه الوعي عبر الغزو الفكري، ونشر أفكار مضللة عن تفوق الغرب وتخلف العالم الإسلامي. حتى باتت بعض الانتصارات العسكرية تصور على أنها هزائم”.
فعل ممنهج
“تدمير الآثار ليس نتيجة عرضية للحرب، بل قد يكون -في بعض الأحيان-فعلا مقصودا ومنهجيا”. هكذا يستكمل الدكتور حسين عبدالبصير حديثه عن استهداف التراث في الحروب. ويضيف: “ليس مقبولًا، لا أخلاقيًا ولا قانونيًا ولا حضاريًا، أن تُعامل الأرض التي تحمل رفات التاريخ كما لو كانت فراغًا مباحًا. أو اعتبار المواقع الأثرية خسائر جانبية يمكن التسامح معها لتحقيق أهداف عسكرية”.
ويتابع: “حين يكون الموقع الأثري معروفًا، ومُسجلًا، وموثقًا، ومعلوم القيمة. ثم يتعرض للتدمير أو التخريب أو الإهمال الجسيم في سياق حرب أو احتلال. فإن الأمر يتجاوز الخطأ العارض إلى نطاق المسؤولية التاريخية، وربما الجريمة التي لا تسقط أخلاقيًا مهما حاولت السياسة تبريرها”.
ويوضح أن القوى العسكرية الكبرى تملك من أدوات الرصد والمعرفة ما يمكنها من تمييز المواقع الأثرية وتقدير حساسيتها. ما يحملها مسؤولية مضاعفة. ويؤكد: “حين يستهدف التراث، يراد في أحيان كثيرة إذلال الشعب وكسر روحها. وإشعارها بأنها بلا ماضٍ أو سند حضاري. إن ضرب الآثار هو ضرب لفكرة الاستمرارية نفسها، ومحاولة لمحو الشاهد المادي على وجود هذه الأمة عبر التاريخ”.
تراث مُسجل باليونسكو
لم تسلم المواقع الأثرية والتراثية في لبنان من هجمات الاحتلال. ومن بينها محيط المعابد الرومانية في بعلبك شرق البلاد، التي ظلت شاهدة على العمارة الرومانية لأكثر من ألفي عام. ووفقا لـهيئة الإذاعة البريطانية، في نوفمبر 2024، تعرض موقف سيارات بالقرب من الموقع المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو لغارة جوية من الاحتلال الإسرائيلي. ما أدى إلى تدمير مبنى عثماني يعود تاريخه إلى مئات السنين.
أثرت هذه الاعتداءات على المباني الأثرية، وتسببت في سقوط أجزاء ضعيفة منها. كما أدى القصف الإسرائيلي إلى تدمير أجزاء من سور القلعة الخارجي وثكنة “جورو”، وإلحاق أضرار بقبة “دورس” الأثرية.
وبحسب الموقع الرسمي للجيش اللبناني، استهدفت الغارات مواقع عدة. منها قلعة تبنين الصليبية، وجامع بليدا التاريخي، وقلعة ميس، ومقام النبي بنيامين، ومقام النبي شمعون، وكنيسة دردغيا، ومدينة صور الفينيقية. بالإضافة إلى تدمير مبنى “المنشية” التاريخي، وانهيار أجزاء من فندق “بالميرا” في لبنان. إضافة إلى تدمير سوق النبطية التراثي.
الأجيال الجديدة
كيف يؤثر فقدان هذه المواقع على الهوية الثقافية، خاصة لدى الأجيال الجديدة؟ يوضح الدكتور يوسف كنجو، الخبير الأثري، أن فقدان المواقع الأثرية والتراثية يؤثر بشكل عميق على الهوية الثقافية. خاصة لدى الأجيال الجديدة، التي تحتاج إلى شواهد مادية ملموسة تعزز ارتباطها بتاريخها وهويتها الجماعية.
ويضيف أن تدمير هذه المواقع يجعل من الصعب نقل هذا الإرث الثقافي بشكل حي ومباشر للسكان. فعلى سبيل المثال، تُعد المدينة القديمة في حلب عنصرًا أساسيًا في تشكيل الهوية الثقافية للسكان. كما يشكّل الجامع الأموي الكبير في حلب جزءًا محوريًا من هذا التراث.
ويشير إلى أنه خلال سنوات النزاع، تعرّضت أجزاء كبيرة من هذا الموقع. إضافة إلى الأسواق التاريخية المحيطة به، لدمار واسع. وهو ما ينعكس بشكل أكبر على الأجيال الجديدة التي لن تتمكن من رؤيتها. فتغدو الهوية الثقافية أكثر هشاشة، لاعتمادها بدرجة أكبر على السرديات غير الملموسة بدلا من التجربة الحية.

الذاكرة الشفوية وحفظ التاريخ
عن إمكانية أن تعوض الذاكرة الشفوية فقدان الوثائق والمخطوطات التاريخية أو غياب المواقع الأثرية، يرى الدكتور عبدالرحيم ريحان، الخبير الأثري، أن التراث المادي والتراث اللامادي وجهان لنفس العملة. ولا يمكن لأي أمة أن تفصل بينهما، إذ لا يعوض أحدهما الآخر، بل يكمل كل منهما الآخر.
ويؤكد ضرورة السعي إلى توثيق الذاكرة الشفوية للشعوب، باعتبارها أحد أهم وسائل الحفاظ على التاريخ في ظل فقدان الشواهد المادية.
محاسبة الاحتلال على التدمير الثقافي
هل توجد آليات فعالة لمحاسبة الاحتلال على تدمير المواقع الأثرية؟ ينفي الدكتور يوسف كنجو وجود آليات فعالة حتى الآن. باستثناء بعض الإجراءات الرمزية، مثل عدم السماح بالمشاركة في فعاليات دولية.
وحول دور المؤسسات الدولية، مثل “اليونسكو”، في حماية التراث. يوضح أنه من حيث المبدأ يُفترض أن يكون دورها فاعلًا، من خلال وضع الاتفاقيات الدولية، وتسجيل المواقع على قائمة التراث العالمي. وتقديم الدعم الفني والتقني للدول. إلا أن فعالية هذا الدور تبقى محدودة في سياقات النزاعات المسلحة.
ويضيف: “في حالات مثل سوريا والعراق واليمن، لم تتمكن المنظمة من منع تدمير العديد من المواقع الأثرية. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها أنها منظمة دولية لا تمتلك أدوات تنفيذية مباشرة على الأرض. كما تعتمد في تمويلها وقراراتها إلى حد كبير على دعم الدول الأعضاء، الذي قد يتأثر بالاعتبارات السياسية”.
ويردف: “غالبًا ما يقتصر دورها على التوثيق، وإصدار بيانات الإدانة. وتقديم الدعم بعد وقوع الضرر، أكثر من قدرتها على التدخل السريع أو منع الاعتداءات بشكل فعلي. وعليه، تظل حماية التراث الثقافي في مناطق النزاع تظل مرهونة بالإرادة السياسية للدول. أكثر من اعتمادها على قدرات المؤسسات الدولية وحدها”.
دور المؤسسات الدولية
فيما يتعلق بكيفية حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاع المسلح، يوضح الدكتور عبدالرحيم ريحان أن هناك تدابير محددة نصت عليها اتفاقية لاهاي لعام 1954. والتي تعرف الممتلكات الثقافية بأنها كل ما هو منقول أو ثابت، مثل المباني المعمارية أو الفنية، والمواقع الأثرية، والتحف الفنية، والمخطوطات، والكتب. وغيرها من الممتلكات ذات القيمة التاريخية أو الفنية أو الأثرية.
كما تشمل هذه الممتلكات المجموعات العلمية، ومجموعات الكتب المهمة، والمحفوظات، والمباني المخصصة لحماية وعرض هذه الممتلكات. مثل المتاحف ودور الكتب الكبرى ومخازن المحفوظات. وكذلك المخابئ المعدة لحمايتها في أوقات النزاع. ومن بين هذه التدابير المقترحة أيضا إنشاء نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد باستخدام تقنيات المسح الضوئي (فوتوسكان) للقطع الأثرية. بهدف تكوين قواعد بيانات رقمية تحفظها من الضياع.
كما تجيز المادة (6) من الاتفاقية وضع شعار مميز على الممتلكات الثقافية لتسهيل التعرف عليها وتجنب قصفها. فيما تنص المادة (7) على إمكانية اتخاذ تدابير عسكرية. من خلال إعداد أقسام أو متخصصين ضمن القوات المسلحة تكون مهمتهم ضمان احترام هذه الممتلكات. والتعاون مع السلطات المدنية المسؤولة عن حمايتها.
اقرأ أيضا:
«قصر جولستان».. أيقونة الفن المعماري الإيراني في مرمى الغارات
هل اعتنق المصريون البوذية؟ هذا ما يخبرنا به تمثال «برنيكي» المكسور| خاص
صراع «روتشيلد» على كنوز مصر.. الزجاج المملوكي ومصابيح المساجد في مهبّ المزادات





