في معبد أبو سمبل.. الشمس تُقبل وجه رمسيس الثاني

على بعد 280 كيلو متر جنوبي مدينة أسوان، وحوالي 40 كيلو مترًا شمال الحدود المصرية السودانية، وهي المنطقة التي تقع بين الشلال الأول والثاني، التي كانت تسمى قبل حفر بحيرة ناصر النوبة القديمة، يقف معبد أبو سمبل شامخًا ومعلنًا عن اسم الملك رمسيس الثاني (1279- 1212 ق.م)، أحد أعظم الملوك الذين حكموا مصر في حقبة الدولة الحديثة من التاريخ الفرعوني.

تمثال المللك رمسيس الثاني
تمثال المللك رمسيس الثاني

رمسيس بين الحرب والسلام

مع الموت الغامض للملك توت عنخ أمون في نهايات الأسرة الثامنة عشر (1550- 1292 ق.م) وسطو الكاهن الأكبر أي على الحكم، بزواجه من أرملة توت، والذي كان شيخًا مسنًا قليل الخبرة في السياسة وشؤون الحكم، الأمر الذي شجع القائد العام للجيش حور محب للاستيلاء على الحكم، ليكون آخر ملوك الأسرة الثامنة عشر، قبل أن يثور عليه رمسيس الأول قائد القوات ليؤسس الأسرة التاسعة عشر وينتقل الحكم من رمسيس الأول إلى ابنه سيتي الأول، ومن بعده رمسيس الثاني.

حكم الملك رمسيس الثاني مصر لـ67 سنة، قضى منها 42 سنة في مشروعه العسكري ما بين حروب دفاعية ضد شعوب البحر والليبيين والحيثيين وقمع لثورات النوبة المتتالية، وكللت مجهوداته الحربية بانتصاره المسجل على جدران معابده في معركة قادش.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها وأكد رمسيس تفوقه العسكري، قضى الثلث الأخير من حكمه في تشييد المباني والمعابد على طول نهر النيل لتخليد ذكراه.

سجل إنجازات رمسيس الثاني المعمارية متعددة، حيث أكمل المعبد الذي شيده والده في العرابة المدفونة بسوهاج، وشيد بجواره معبدًا له، كما أتم بناء بهو الأعمدة العظيم بالكرنك، وأقام معبده المعروف باسم الرمسيوم في البر الغربي من الأقصر، بالإضافة إلى مجموعة مقابر له ولأبنائه وزوجته ووالدته في وادي الملوك ووادي الملكات، من أبرزها المقبرة الرائعة لمعشوقته الملكة نفرتاري ومجموعة من المسلات، بعضها ما زال موجودًا في مصر، والآخر يحل ضيفًا على عواصم أجنبية، وأخيرًا يذهب بعيدًا على خلف الشلال الأول في النوبة، ليشيد مجموعته المعمارية الفريدة، والتي سميت باسم معابد أبو سمبل، واختار رمسيس مناسبة مهمة للبدء في إنشاء معبده هناك وهي مناسبة العيد الثلاثيني لجلوسه على عرش مصر.

الشمس تتعامد على وجه رمسيس
الشمس تتعامد على وجه رمسيس

الحب والسياسة

علاقة رمسيس بالنوبة كانت علاقة تقليدية فرضتها الظروف التاريخية والجغرافية، حيث دلت المصادر التاريخية أن ملوك مصر منذ عصر الأسرات الأول اعتبروا النوبة جزءًا من الدولة المصرية، لكن النوبيين لم يعترفوا بذلك، وعلى مر العصور كانت العلاقة علاقة شد وجذب بينهما، حركات عصيان دائمة من النوبيين وحملات تأديبية لفرض السيطرة من جانب ملوك مصر.

لكن رمسيس الثاني، الذي امتاز بنظرته السياسية الحكيمة قرر أن يستخدم أسلوبًا جديدًا في دمج النوبيين في النسيج المصري وهو “المصاهرة السياسية”، ليتزوج الأميرة نفرتاري، والتي كانت ابنة لأحد النبلاء ذو الجذور النوبية.

ومن الواضح أن نفرتاري كانت فائقة الجمال، ويفسر ذلك اسمها والذي يعني “أجملهن” أو “جميلة الجميلات”، ويبدو أن رمسيس شغف بها حبًا، لذا فقد شيد لها معبدًا جنائزيًا خاصًا بجوار معبده في أبو سمبل، كما أقام لها مقبرة فريدة في ألوانها ونقوشها في وادي الملكات بالبر الغربي بالأقصر.

احتفالات التعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني
احتفالات التعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني

معبد أبو سمبل الكبير

أهم ما يميز المعبد واجهته المهيبة المنحوتة في الصخر بعمق 63 مترًا، ويبلغ ارتفاعها 33 مترًا وعرضها 38 مترًا، ونحت في الواجهة أربع تماثيل عملاقة للملك رمسيس الثاني يبلغ ارتفاعها 20 مترًا، ورغم من ضخامة التماثيل؛ إلا أن الفنان برع في تصوير الابتسامة الرقيقة على وجه الملك، وهو يستقبل أشعة الشمس المشرقة، وتقودنا الواجهة إلى قاعة معمدة بثمانية تماثيل للملك في الوضع الجنائزي أو الأوزيري، وعلى الحوائط من الجوانب الأربع مناظر تصور وتحكي انتصار رمسيس على الحيثيين في معركة قادش، وتلا تلك القاعة قاعة أصغر ذات أربعة أعمدة مربعة، وهي تحتوي على مناظر تقديم القرابين، وفي نهاية المعبد حجرة قدس الأقداس، والتي يتصدرها أربعة تماثيل هي من اليسار إلى اليمين على الترتيب الإله بتاح، اله ممفيس ثم الإله آمون رع اله طيبة ثم رمسيس كإله، وأخيرًا الإله رع حور آختي إله هليوبوليس.

المعبد الصغير

يبعد حوالي 150 مترا شمال المعبد الكبير وتزين واجهته 6 تماثيل أربعة منها لرمسيس وتمثالين لزوجته نفرتاري، وتؤدي الواجهة إلى قاعة أعمدة تتزين من الأمام برأس المعبودة حتحور.

وتحتوى مناظر تجمع نفرتاري مع الآلهة، في مناظر تقديم القرابين، ومن القاعة الأولى ندلف إلى القاعة الثانية أصغر، ومنها إلى قدس الأقداس والذي يتوسطه تمثال الربة حتحور.

واجهة معبد أبي سمبل الكبير
واجهة معبد أبي سمبل الكبير

إنقاذ المعبدين

وبمجرد البدء في تحويل مجرى النيل، وحفر بحيرة ناصر في الستينات، ظهرت الحاجة الملحة لإنقاذ آثار النوبة، بعد أن غرقت تلك المعابد تمامًا تحت المياه، وفي عام 1964 تبنت هيئة اليونسكو مشروع إنقاذ آثار أبو سمبل، وجرى تقطيع المعبدين ونقلهما إلى ربوة أعلى بـ65 مترًا، وتبعد عن الموقع الأصلي بحوالي 120 مترًا، وبحلول عام 1968 انتهى العمل في نقل المعبدين قطعة قطعة بما يعادل حوالي 150 ألف متر مكعب.

كما تم بناء قبتين خراسانيتين فوق كلا المعبدين وتم تغطيتهما بالصخور لتحاكي الشكل الأصلي للمعبدين لحمايتهما من عوامل التعرية والفيضان.

الشمس تقبل وجه رمسيس

ويقول الدكتور أبو مسلم رئيس البعثة “المصرية – الإسبانية” للآثار الفلكية في البحث الذي وثق فيه نتائج عمل البعثة، والتي درست اتجاه محاور المعابد المصرية القديمة ودلالتها الفلكية في عام 2004، “لا نستطيع أن نستنتج شيئًا عن ارتباط علم الفلك القديم بمعابد مصر العليا والنوبة السفلى بدون أن نذكر تلك الظاهرة العالمية المنتشرة والتي تخص كثافة الضوء التي تتوغل داخل الحرم القدسي في المعبد الرئيسي لرمسيس الثاني في أبوسمبل وفى فجر الثاني والعشرين من فبراير سنة 2004م كنا ضمن أناس قليلين من المحظوظين الذين رصدوا تلك الظاهرة بالكامل من الحرم القدسي الداخلي (قدس الأقداس) بينما كانت هناك مجموعة من السائحين اليابانيين يمرون خلفنا وهم غاية فى الدهشة وقد كنا بالقرب من هذا المشهد المهيب الماثل أمام أعيننا”.

ويشير الدكتور زاهي حواس، أستاذ الآثار المصرية في كتابه أبو سمبل معابد الشمس المشرقة، إلى أن ظاهرة تعامد الشمس على وجه الملك رمسيس في قدس الأقداس كانت تحدث كل عام في 21 من شهري أكتوبر وفبراير تخليدًا ليوم ولادته ويوم تتويجه.

ويوضح أن الموعد تغير إلى 22 بعد نقل المعبد إلى ربوة أعلى تبعد حوالي 120 مترًا عن موقعه القديم، مشيرًا إلى أن الظاهرة ليست مصادفة بل هي مقصودة وتم رصدها في معابد أخرى مثل معبد الدير البحري ومعبد دندرة والكرنك، وهي تشير إلى استخدام المصريين القدماء لعلم الفلك في وضع إحداثيات محاور المعابد، بطريقة تسمح بحدوث الظاهرة في مناسبات وتواريخ معينة.

وتعد ظاهرة تعامد الشمس على وجه رمسيس إحدى أهم المناسبات السياحية العالمية والتي يحتشد لها الآف من كل بقاع الأرض لتسجيل تلك اللحظة التي تقبل فيها الشمس.

مراجع وأسانيد:

1- أبو سمبل معابد الشمس المشرقة – د. زاهي حواس (نسخة بي دي إف)

2-اتجاه المعابد المصرية القديمة في مصر العليا ودلالتها الفلكية- د. ابو مسلم شلتوت، رئيس البعثة المصرية الاسبانية للاثار الفلكية ( بحث- نسخة بي دي إف)

3-المعبد في الدولة الحديثة في مصر الفرعونية- بهاء الدين محمود – الهيئة العامة للكتاب –طبعة 2001.

4- الموقع الرسمي للهيئة العامة لتنشيط السياحة

ملحوظة: جميع الصور مأخوذة من كتب سياحية وأثرية عدا الصورة ذات اللوجو من أرشيف ولاد البلد

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى