22 عاما في مخزن متحف.. ألمانيا تطارد 7 تجار آثار مصرية مسروقة

انضمت ألمانيا إلى التحقيقات المستمرة في فرنسا والولايات المتحدة عن بيع آثار مصرية مسروقة. وبدأت العديد من المتاحف والجامعات العامة في ألمانيا في تحقيقات جنائية في الاتجار الواسع النطاق بالآثار المنهوبة من الشرق الأوسط.

سقوط رأس عصابة تهريب الآثار

هذه التحقيقات الألمانية كشفت عن مكان اختفاء “شاهد توت عنخ” قبل بيعه لمتحف اللوفر الفرنسي، وتفاصيل تورط 7 من تجار الآثار المصرية المسروقة. بل وذكر اسم مالك آثار مصري شغل منصب وزاري على مدار 20 عاما.

البداية ترجع إلى كشف التحقيقات تفاصيل مصادرة تابوت ذهبي وخمس قطع أخرى من متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك. وإدانة سبعة تجار وهواة جمع التحف والقائمين على المعارض الفنية في باريس، بمن فيهم جان لوك مارتينيز، الرئيس السابق لمتحف اللوفر الذي يتم التحقيق معه منذ مايو الماضي.

ووفقا لمجلة “ذي آرت نيوز بيبر” كشفت مصادر مطلعة على التحقيق، في كل من فرنسا وألمانيا، أن القاضي الفرنسي “جان ميشيل جنتيل” أصدر أوامر اعتقال ضد أربعة تجار مقيمين في هامبورج.

والتجار الأربعة هم “روبن ديب” المحتجز الآن في باريس، و”سيروب سيمونيان” واثنين من ابناء سيمونيان. باعتبار الأب لعب دورا مهما كمورد للقطع الأثرية المُباعة لمتحف “متروبوليتان” ومتحف “اللوفر أبوظبي”.

ورغم إصدار أوامر الضبط، إلا أنها مازالت معلقة. وقال المتحدث باسم المدعي العام في هامبورج: “لا تزال إجراءات تسليم سيمونيان الأب معلقة، وتم رفض مذكرات ضبط ابناءه لأنهم سيحاكمون في ألمانيا”.

وعن ابنائه، اختاروا عدم الإجابة على أي أسئلة خلال مقابلات الشرطة. على الرغم من أن أحدهم كان قد نفى جميع الإدعاءات من خلال محامي في وقت سابق”.

إنكار مستمر

بحسب أوراق التحقيقات فإن تورط سيمونيان يرجع إلى أكثر من 20 عاما. لكن في عام 2020 في هامبورج، داهمت الشرطة المحلية كل من معرض ديونيسوس للعملات والآثار القديمة، وشقة سيمونيان البالغ من العمر الآن 80 عامًا. هو عضو في عائلة تجارة آثار أرمنية، نشأت في القاهرة وذات نشاط تجاري في ألمانيا منذ عقود.

حاولت حينها المجلة البريطانية الحديث معهما. لكن زعم كل من سيمونيان وديب، مدير معرضه، أن لديهما وثائق تصدير وشحن قانونية من مصر يرجع تاريخها إلى السبعينيات. وهو الوقت الذي كان يُسمح فيه القانون المصري بتجارة الآثار.

بل وزعموا أيضًا أن معظم القطع حصلوا عليها من أشقاء سيروب الراحلين، وهما سيمون وهاجوب سيمونيان. وبحسب ما قالوه كان قد اشترى سيمون مخزونًا من تاجر آثار في القاهرة يدعى حبيب تواضروس وكان هاكوب مسؤولًا عن شراء مجموعة “خشبة باشا” التي كان مقرها أسيوط. وتم بيعها وتصديرها في أوائل السبعينيات.

هل سُرقت آثار مصرية خلال ثورة 2011؟

كما أصرا على أن العديد من القطع قيد التحقيق لا يمكن نهبها خلال الثورة المصرية عام 2011. كما زُعم في وسائل الإعلام، لأنه تم تسجيلها منذ فترة طويلة في المجموعات والمتاحف الألمانية.

وبحسب معلومات جديدة في القضية تم جمعها من أمناء معارض في جميع أنحاء ألمانيا. قام سيروب سيمونيان المولود في القاهرة عام 1942، بجمع مقتنيات مخزونه على مدار عقود وباعها للعديد من المتاحف.

وبداية معرفته بطرق عملية البيع، كانت عندما حصل “سيروب أوهان سيمونيان” على درجة الدكتوراه في التوابيت المزخرفة في عام 1973 من غوتنجن. وهناك أقام علاقات مع القائمين على المعارض الفنية وخبراء الآثار والفن.

ألمانية رفضت شراء آثار مصرية مسروقة

وبعد سنوات حاول بيع الآثار التي جمعها، لكن تصدت لها سيدة على مدار خمسة أعوام. وللمرة الأولى، وافقت على الحديث إيليني فاسيليكا، التي ترأست متحف “رومر وبيليزايوس” في هيلدسهايم الألمانية منذ عام 2000 إلى 2005. بعد عشر سنوات من عملها كخبير آثار في متحف “فيتزويليام” في كامبريدج.

تروي إيليني كل ما لاحظته خلال عملها. وفي البداية قالت إنها صُدمت عندما علمت أن سيروب سيمونيان كان يحتفظ بمخزن الآثار الخاص به في ألمانيا.

وعلمت أن قطعة آثار تم شرائها منه مزورة عندما قدم لها وثيقة لشراء سفينة مرمر، ونموذج قارب، وإكليل من “جامع هامبورج” التي عرفت لاحقا أن اسمه سيروب سيمونيان، مقابل أكثر من 250 ألف يورو.

وتابعت أنه بحسب الاتفاقية والعقد الذي تم توقيعه مع المدينة من خلال المدير السابق للمتحف، اتفقا أنه سيعير قطعا أثرية لمعارض متجولة باسم المتحف. في مقابل شراء مدينة هيلدسهايم بعض القطع لمتحفها.

آثار مزيفة

ولاحظت خلال معرض أقيم لمدة 3 أشهر في تايوان، أن 30% من القطع المملوكة لسيمونيان كانت دون المستوى. ووجدت أن القطع المعروضة للبيع للمتحف تم ترميمها بشكل كبير.

لم تتردد إيليني وأبلغت المجلس بأن هناك محاولة لبيع آثار مزيفة. وكانت حينها على خلاف مع بعض مسؤولي المدينة الذين شنوا حملة إعلامية ضدها. وأيد تقييمها مدير المتحف المصري في برلين، ديتريش فيلدونج، الذي ذكر أن القطع الثلاثة، بعد ترميمها بعناصر حديثة. فقدت أصالتها وكان من المفترض أن تتضمن قطعة واحدة على الأقل طريقة ترميم صحيحة.

تمثال فرس النهر الأزرق - متحف اللوفر أبو ظبي
تمثال فرس النهر الأزرق – متحف اللوفر أبو ظبي

وفي جواب بخط ديتريش فيلدونج بتاريخ 29 مايو 2001، أشار عالم المصريات البارز إلى أن طريقة ترميم القطع الأثرية ذات المصدر المجهول، هي طريقة غير صحيحة.

“خشبة باشا” المصري

بتتبع تاريخ هذه المجموعة فإنها ترجع إلى مالكها المصري “خشبة باشا” الذي شغل مناصب وزارية في مصر منذ عام 1924 حتى عام 1949، وقطعة آثار منها تحمل وثيقة ترجع إلى عام 1931 وموثقة بـ48 صورة محفوظة في متحف “متروبوليتان” بنيويورك.

ولكن سعر القطع الثلاث كان مبالغا فيه. وتم بيعها بمبلغ 200 ألف يورو، ولكن في قاعدة بيانات المتحف قُدرت قيمتها بحوالي 100 ألف يورو، وأخيرا بحسب السعر التقديري التي طلبته الشرطة، فاعتبرت “دار سوذبيز” أن القطع الثلاث تبلغ قيمتها حوالي 50 ألف يورو فقط.

لكن كان رد “إجبريخت” على عملية البيع التي تمت بأربعة أضعاف ثمنها أن القطع الأثرية خضعت للفحص من قبل “لويز جيسترمان” و”أورسولا روسلر كولر” من جامعة بون. لكن عملية التقييم كانت من خلال الصور فقط دون ذكر الترميم.

ورغم ذلك استمر وجود القطع الأثرية المملوكة إلى “سيروب سيمونيان” في متحف المدينة. وخرجت في معارض متنقلة حول العالم في مدريد وفي الولايات المتحدة بدلا عن متحف “هيلدسهايم”.

وكتب العالم الأمريكي روبرت بيانكي مقالا يتساءل فيه كيف يمكن لسيمونيان أن يحتفظ بهذا الكم من الآثار ويحميها لفترة طويلة في متحف دون أي عقد أو وثيقة!

مخبأ سري لآثار مسروقة في متحف ألماني

وعن هذه الإشكالية توضح فاسيليكا أنها اكتشفت أن سيمونيان كان يحتفظ بعشرات الصناديق الممتلئة بالآثار في مستودع المتحف، فوق مخزن للإطارات دون أي أوراق رسمية للمخزن. ودون توقيع أي عقد مع المتحف أو المدينة، وبالتالي لا يوجد أي تحقق من الأصل التاريخي لها.

وتتذكر شكل قطع آثار شاهدتها بين مقتنياته، ومن بينها تمثال لفرس النهر باللون الأزرق الذي تم بيعه في عام 2015 لمتحف “اللوفر أبوظبي” مقابل مليون يورو تقريبا.

بحسب ما كشفته فإن المدير السابق للمتحف هو الوحيد الذي كان له حق الوصول إلى مكان صناديق الآثار، وبعد إبلاغها الشرطة في عام 2001 فتح المدعي العام تحقيقا جنائيا لخيانة الأمانة والاحتيال ضد كل من سيمونيان وإجبريخت.

ووفقًا لملفات القضية القديمة، قال كبير المحققين في 9 نوفمبر 2001: “إن إجبريخت استفاد من مبالغ مالية من صديقه سيمونيان، من خلال حساب في سويسرا”. وبعدما أصدر طلب أمر تفتيش منزله وحساباته أغلقت القضية بشكل غامض خلال شهر واحد فقط.

في ديسمبر 2001 أصيب إجبريخت بمرض السرطان. وفي عام 2002 طلبت المدينة الألمانية والمتحف إزالة المخزن والذي تم إرساله، إلى مؤسسات أخرى في بون وترير ولاحقًا في مانهايم.

أصول غامضة

تستكمل إيليني شهادتها التي لم تصرح بها طوال هذه السنوات. وقالت إن سيمونيان قدم آثارا إلى المتحف المصري في ميونيخ الذي ترأسته منذ 40 عاما، لكنها أنهت عملها بالمتحف بعدما كشفت وجود غموض حول مصدر هذه القطع، وعلمت أيضا أن أحد إخوته كان في أزمة نفسية سبب الآثار المصرية.

إيليني فاسيليكا
إيليني فاسيليكا

وازداد الأمر غموضا حين وصلت مجموعته إلى “مانهايم” الألمانية. وظلت هذه الآثار في المتحف في مانهايم، وصرح حينها “ريس إنجيلهورن” مدير المتحف لمدة شهرين فقط منذ نهاية عام 2012 وحتى مطلع عام 2013 بأنه رفض اقتناء المتحف أيا من هذه القطع بسبب فشل سيمونيان في تقديم أوراق ملكية أصلية.

وحاول سيمونيان بيعها من خلال اتفاقية عرض لمدة طويلة بمقابل. لكن رفضها المتحف أيضا لأنها كانت ذات مصدر مشكوك فيه حول مصدرها الحقيقي.

وصارع “مايكل هوفيلر مولر” عالم الآثار الذي كان مسؤولاً عن المشروع لعدم إتمام هذه الصفقة، لكن من الواضح أنه واجه أزمات لم يستطع النجاة منها، لهذا انسحب من المشروع بأكمله وقدم استقالته وتم تعيينه مديرا للمتحف المصرية بجامعة بون خلال الفترة من عام 2009 حتى عام 2011.

ويقول متحف مانهايم إنه قدم العام الماضي جميع المعلومات والوثائق ذات الصلة التي طلبتها الشرطة الجنائية الفيدرالية، والتي توضح أن جزء من مجموعة سيمونيان ذهبت إلى بون، ووفقًا لتصريحات سيروب سيمونيان، فإن الثلاث قطع محل التحقيق الفرنسي والأمريكي المسروقة تم تخزينها في هذا المتحف في بون حتى عام 2010 بالإضافة إلى 50 قطعة أثرية أخرى.

والقطع الثلاث هي شاهد توت عنخ آمون الجرانيتي ومجموعة جنائزية للأميرة تم بيعها لمتحف اللوفر أبوظبي، بالإضافة إلى شاهد آخر تم الاستيلاء عليه في نيويورك وأعيد إلى مصر.

**

وتقول مصادر أخرى مطلعة على التحقيق، أن معهد “ترير” احتفظ بأجزاء من سفر الخروج الذي اشتراه متحف متروبوليتان واستولى عليه المدعي العام لمنطقة نيويورك، وبردية أرتيميدوروس، التي كانت في سبب فضيحة كبرى في إيطاليا، بالإضافة إلى رأس كليوباترا التي تم بيعها في عام 2018 لمتحف “اللوفر أبوظبي” بسعر 35 مليون يورو.

وبالتالي فإنه على حد وصف المدعي العام في هامبورج فإن التحقيقات كشفت أنه بطريقة غير مقصودة ساعدت الهيئات العامة في ألمانيا، لعدة عقود، دون قصد أحد التجار في تخزين هذه الآثار المسروقة دون إثبات.

بردية مزيفة

لم تكن لدى إيليني فاسيليكا أي فكرة أنها ستقع في طريق سيروب سيمونيان مرة أخرى عندما تم تعيينها في عام 2005 مديرة للمتحف المصري في تورين، قبل أشهر من تعيينها مسؤولا للفن والثقافة في بنك “كومباجينا دي سان باولو” الذي كان راعيا للمتحف خلال عملية شراء بردية “آرتيميدوروس” اليونانية.

ووصل طول البردية إلى 2.5 متر، ويرجع تاريخها إلى شبه الجزيرة الآيبريبة، وهي منسوبة إلى عالم الجغرافيا “أرتيميدوروس أفسس” الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، وعن البردية هي عبارة عن خريطة غير مكتملة موضحة بها 40 رسمة لبشر وحيوانات.

وكانت هذه البردية من ممتلكات سيمونيان، وادعى أنه اشتراها من مجموعة “خشبة باشا”، ولكن هذه لم تكن المرة الأولى التي تظهر فيها البردية. إذ نشرت عنها دراسة في عام 1998 كتبها باربل كرامر، أستاذ علم البردي في ترير، واحتفظ سيروب بجزء من البردية الكبيرة في مخزنه.

**

وترجع محاولات سيمونيان لبيع هذا الجزء من البردية إلى عام 1999 برفقة صديقه “كلاوديو جالازي”. بحسب وثائق قانونية، وتجدد طلبه لبيعها للمتحف مقابل 2.75 مليون يورو لكن إيليني باعتبارها مشرفة على دفع هذه الاموال من البنك قدمت ما يفيد أنها قطعة مزيفة.

تروي إيليني كيف توصلت إلى أنها مزيفة، وتقول: “بحثت عن مصدر القطعة وتوصلت إلى بيانات متناقضة تفيد أنها خرجت من مصر بعد الحرب العالمية الثانية، في عام 1971، ولكن بفحص القطعة بواسطة مختصون أوضحوا أن القطعة قديمة لكن الرسومات المدونة عليها حديثة”.

وتستكمل: “رفض مجلس إدارة المتحف ولجنته العلمية بالإجماع اقتناء مثل هذه القطعة المثيرة للجدل، واعتبروها مثالا واضحا على التزوير، وأوضح علماء آخرون أيضا أن هذه القطعة خضعت لعمليات ترميم غير صحيحة من المحتمل أنها أجريت في شتوتجارت”.

لم تفصح إيليني عن الضغوط التي تعرضت لها لقبول شراء هذه القطعة لكنها أوضحت رفضها شراء القطعة أو اقتراضها للعرض بمقابل مالي، باعتبارها ممثلة البنك عن المتحف. وتتابع: “رفض مجلس إدارة المتحف ولجنته العلمية بالإجماع وجود هذه القطعة”، وبالفعل تم التحقيق مع سيمونيان في عام 2016 إذ اتهمه المدعي العام بارتكاب جرائم احتيال لكن في عام 2018 تم إغلاق القضية بسبب قانون التقادم.

اقرأ أيضا:

إدانة خبير فرنسي في بيع آثار مصرية مسروقة وفصله من عمله بالسعودية

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى