سلسلة وجوه الفيوم| “عم صلاح”.. أول من أدخل صناعة السجاد اليدوي في “دسيا”

ارتبط اسمه باسم قرية “دسيا” إحدى قرى مركز الفيوم، التي نالت شهرتها بفضله، إنه ذلك الرجل الستيني صاحب البشرة السمراء والتجاعيد البسيطة، هو صلاح محمود خليل، المشهور بعم صلاح، حسب ما يطلق عليه تلامذته الذين يصغرونه قليلا فى العمر.

دسيا- القاهرة

سافرت أسرة صلاح إلى القاهرة، عندما كان عمره لا يتجاوز 8 أعوام، واستقرت في منطقة الحمزاوي بحي الأزهر، ألحقه والده بورشة لصناعة السجاد.

صلاح بدأ يتعرف على أسرار الصنعة حتى أتقنها، ولما تجاوز عقده الثاني بقليل في العام 1977، قرر الشاب صلاح العودة إلى قريته “دسيا” ليحول ورشته إلى مصنع، لتعليم شباب القرية حرفة السجاد اليدوي، ليواجه مشكلة ندرة وكلفة الأيدي العاملة في القاهرة.

يقول عم صلاح رجعت إلى القرية وأسست مصنعي، الذي أصبح بيتي أيضا، وأسكن فيه إلى الآن، جاء معي من القاهرة أحد أصدقائي وإخوتى الثلاثة وظلوا معى ستة أشهر، في التجهيز والإعداد.

يتابع أن الفكرة لاقت إقبالا ونجاحا لم يكن متوقعًا، لدرجة أنه في بداية الثمانينيات كان نحو 60% من أبناء القرية يعملون فى صناعة السجاد اليدوي، الذي يستخدم فيه خيوط الحرير أوالصوف أوالحرير المخلوط بالصوف.

90 عاملًا

كما بلغ عدد العمال 90 عاملًا يعملون على 30 نول، وكل من يتعلم ويتقن الصنعة، ويريد أن يستقل عن المصنع، أتكفل بتوفير له نول خاص فى بيته لتعليم أهل بيته حتى وصل عدد الأنوال فى بعض البيوت إلى ثلاثة أنوال.

يتابع رائد صناعة السجاد اليدوى فى الفيوم كنت أسافر إلى محافظة القاهرة مرتين كل أسبوع لإحضار الخامات من “الكحال” الشهير بخان الخليلي، أو من محلات إسماعيل علي، وتسلم جزء من مبالغ أثمان السجاد المتفق على بيعه بالقاهرة، وتوزيع هذه المبالغ على “الصنايعية” وباقي أجورهم كانوا يقبضونها بعد الانتهاء من عملهم.

مهارة ودقة “الصنايعية” جعلت متر السجاد يصل نحو 4 آلاف جنيه خلال التسعينيات، وكان السياح يفضلونه عن السجاد الإيراني المشهور.

يسرح قليلا ويعود بذاكرته إلى الوراء، وترتسم على ملامحه ابتسامة خفيفة وهو يقول: كنت الأب الروحي للكثيرين من أبناء القرية، كان من يريد الزوج يستشيرني أولا، حتى الآباء كانوا يطلبون مشورتي قبل تزويج أبنائهم، كما كنت المسؤول عن شراء الجهاز ولوازم الفرح.

كان المصنع سببا فى زواج الكثيرين، وكثيرا ما كان يُطرق باب بيت عم صلاح آخر ساعات الليل لحل مشكلة عائلية، فضلًا عن أن الأمهان كن يرسلن أطفالهن للمصنع، من أجل التدريب على “الصنعة”.

البساط

يعتدل في جلسته ويقول بحماس: كان “الصنايعية” على قدر من الحرفية صلنا لدرجة أننا صنعنا “البساط”، وهو نوع من السجاد المفضل لأهل دول الخليج العربى، وكان مقاس السجادة  خمسة أمتارعرض× تسعة أمتار طول، وأدخلنا على السجاد خيوط القصب والذهب.

ولأن دقة وجمال السجاد يقاس بعدد العُقد في المترالمربع، كنا نصنع سجاد يحتوى المتر المربع منه على ألف عقدة، ويمثل السجادة اليدوي تحفة فنية تتوارثها الأجيال.

يستكمل عم صلاح ذكرياته، كانت فترة السنوات الثمانية التى دارت فيها الحرب بين العراق وإيران فترة رخاء بالنسبة إلينا، وفتحت السوق أمامنا وخصوصا سوق دول أوربا وألمانيا واليابان، الذين يفضلون السجاد المصنوع من الخيوط الحريرية، أما السوق الأمريكي، فقد كان يفضل السجاد الصوف، وتوسعنا بشكل لافت وزادت حركة البيع، وهو ما جعلنا نطور من مهاراتنا فكنا نختار الرسومات والتصميمات كل عام بحسب خطوط الموضة العالمية، إضافة إلى إبداعتنا في اختيار الألوان، وهو ما كان يميزنا عن غيرنا من منتجي السجاد اليدوي.

تدهور الحال

ولأن صناعة السجاد اليدوى ارتبطت بزبائن يعرفوا قيمة الفن اليدوي، ولا يجدون ما يدفعونه كثيرا في سجادة تعد قطعة فنية، كان أكثر الزبائن من السياح الأجانب والعرب، وهو ما خلق ارتباطًا وثيقا بالنشاط السياحي.

كان من نتائج تدهور السياحة وركودها تدهور صناعة السجاد اليدوي، والتى بلغت أعلى درجات الانهيار بعد ثورة يناير، لأن كثير من البازارات أغلقت أبوابها، وامتنع التجار عن إعطاء خامات أو نقود أو حتى تسلم ما أنتجناه من سجاد، فترك شباب كثير المهنة بعد أن أصبحت لاتدر دخلا، بينما كان من مؤهلات الشاب حين يتقدم للزواج بإحدى بنات القرية أن يعمل في مهنة السجاد اليدوي، بحسب عم صلاح.

تكتسى ملامح وجه عم صلاح بمسحة من حزن وآسى وهو يقول: “خسرت كل اللي عملته، كل فلوسي ضاعت، كان ليا فلوس عند التجار في الهرم تقدر بأكثرمن مائة ألف جنية، لم أحصل عليها، لأن ما أصاب السياحة خرب بيوت ناس كتير”.

يتابع “العامل الغلبان هو من تحمل الضرر الأكبر، لأن التجار أصحاب رأس المال، يتحكمون في هذه الحرفة بشكل كامل، في ظل غياب دور حكومي يهتم بالصناعات اليدوية من تدريب وتمويل وتسويق، وأتمنى أن تهتم الحكومة الآن بهذه الصناعة قبل أن تنتهي للأبد”.

لست نادما على مشواري

يصطحبني عم صلاح إلى الدور الأرضي بمنزله، المكون من ثلاثة أدوار، يعيش فيه مع أبنائه، كان يشغل هذا الدور مصنعًا للسجاد اليدوي، اقتطع منه عم صلاح، حجرة صغيرة وفتح بها بابا على الشارع مستغلًا إياها لينشئ بقالة صغيرة، حتى يتمكن من العيش هو وزوجته بما تعود به من ربح قليل  يسد نفقاته وأسرته بالكاد.

كان يدور أمامي في “المصنع” وهو يشير إلى أماكن الأنوال “زمان”، والتي أصبح مكانها الأن شاغرًا، ثم أشار بيده على سيارة قديمة بنية اللون من طراز “فيات”، قائلًا هذه السيارة نقلت عليها إلى القاهرة جميع قطع السجاد التي أنتجها أبناء القرية، ما زلت محتفظا بها ولم أفكر فى بيعها، كانت شاهد وشريك مشواري الطويل.

ربنا يتولانا

يغالب دمعة في عينيه وهو يقول “بِعت الأنوال خردة، وألغيت رخصة المصنع منذ سنتين فقط، فقد كان عندي أمل إن الأيام هتتعدل بس لقيتني بدفع ضرائب على مصنع مهجور”.

“لست نادما على مشواري، لأني علمت ناس كتير وهذا مصدر للسعادة رغم أي شيء، لكني حزين على أن مهنتى تدمرت، ولم أكن أتخيل أنني سأستيقظ يومًا على ما أنا فيه، بعد أن أسست المهنة في قريتي طلعت المولد بلا حمس”.

تركته ويتردد في أذنيّ كلمة ألقاها مطرقًا “ربنا يتولانا”.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى