دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

تمثال «الجندي المجهول».. كيف بدأت حكايته في بورسعيد وانتهت في أستراليا

في مدن قليلة فقط يمكن أن يتحول التمثال إلى حكاية، وأن يصير الحجر ذاكرة تمشي بين الأمم. وفي بورسعيد، المدينة التي اعتادت أن تكون مفترق طرق للتاريخ، وقف تمثال آسر وفريد في حديقة مطلة على القناة، لكنه حمل في صمته قصة تمتد بين ضفتين من العالم.

كان ذلك هو تمثال ANZAC MEMORIAL، الذي عرفه أهل المدينة ببساطة باسم «تمثال الجندي المجهول». ظل سنوات طويلة واقفا في منتصف حديقة كازينو بالاس، مطلا على شارع السلطان حسين – فلسطين حاليا – وفي مواجهته مباشرة مجرى قناة السويس. كأنه يراقب السفن العابرة بين القارات، أو ينتظر رفاقا لن يعودوا.

كازينو بالاس.. ذاكرة مدينة

لم تبدأ الحكاية بالتمثال، بل بالمكان الذي احتضنه. فقد كان فندق وكازينو بالاس يوما أحد أشهر معالم بورسعيد وأكثرها بريقا. تعود ملكيته إلى رائد السياحة والفندقة الإيطالي سيلفيو سميونينى. الذي حصل عام 1923 على موافقة شركة قناة السويس – التي كانت آنذاك تهيمن على مناحي الحياة في المدينة. بما فيها مشروعات التجميل والتطوير – لبناء الفندق على الأرض المطلة على البحر والقناة، مقابل إيجار سنوي.

فشيد مصدات حجرية لحمايته من الأمواج، ثم أقام «تراسا» خشبيا فاخرا يطل على البحر. قبل أن يضاف إليه لاحقا بناء زجاجي أصبح منصة للفرق الموسيقية القادمة من أوروبا وأمريكا. وهناك عزفت فرق عديدة أشهر المقطوعات الموسيقية في ليالي بورسعيد الصاخبة. ومن بينها أوركسترا Paul Tine التي أحيت ليالي الأحد عام 1949.

تمثال الجندي المجهول (الأنزاك) من أمام فندق كازبنو بالاس أمام مجرى قناة السويس.. تصوير: المصور الإيطالي إيتوري موسكاتيللي.. مصادر مفتوحة
تمثال الجندي المجهول (الأنزاك) من أمام فندق كازبنو بالاس أمام مجرى قناة السويس.. تصوير: المصور الإيطالي إيتوري موسكاتيللي.. مصادر مفتوحة
أنشطة متنوعة

لم يكن «بالاس» مجرد فندق، بل كان مسرحا اجتماعيا وثقافيا للمدينة؛ نزل فيه الملوك والأمراء والرؤساء، وأقيمت به حفلات المحافظين الرسمية. كما استقبلت قاعاته حفلات زفاف أبناء النخبة البورسعيدية.

وقد مرّ به عدد من الشخصيات التي تركت ظلالها في التاريخ؛ فعادت إليه الإمبراطورة أوجيني عام 1905 كمواطنة عادية. مدفوعة بالحنين إلى زيارة بورسعيد بعد خمسة وثلاثين عاما من حضورها افتتاح قناة السويس عام 1869. كما نزل به شاعر النيل حافظ إبراهيم عام 1910. حين حضر إلى المدينة للمشاركة في افتتاح مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية. وألقى هناك قصيدته الشهيرة «العلم والأخلاق».

وفي عام 1919 أقام به الزعيم سعد باشا زغلول أثناء رحلته إلى منفاه في جزيرة مالطا. وعلى مر السنين، ظل الفندق محطة لوجوه صنعت جانبا من تاريخ العصر؛ فمرّ به أيضا المهاتما غاندي، ونزل فيه الملك فاروق. كما صدحت في أروقته خطوات أم كلثوم، وعرفه نجما الشاشة العربية عمر الشريف وفاتن حمامة.

ومع الزمن ظهر الفندق في مشاهد من كلاسيكيات السينما المصرية. مثل فيلم «حب ودموع» عام 1955، وفيلم «إشاعة حب» عام 1961. فكأن «بالاس» لم يكن مجرد فندق على شاطئ البحر، بل دفتر حضور مفتوح لوجوه السياسة والفن والفكر في زمن كانت فيه بورسعيد نافذة مصر على العالم.

تمثال يحكي إنسانية الحرب

وسط كل هذا البريق، كان يقف في الحديقة تمثال صامت يحمل قصة مختلفة تماما. فقد وضع تخليدا لذكرى الجنود الأستراليين والنيوزيلنديين الذين قتلوا في المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1916 و1918.

كان التمثال مصنوعا من البرونز فوق قاعدة جرانيتية. ويصور فارسين من سلاح الفرسان، أحدهما نيوزيلندي والآخر أسترالي. وقد أصيب حصان النيوزيلندي، فيمد الفارس الأسترالي يده ليسند رفيقه، صورة إنسانية للحرب لا تحتفي بالنصر بقدر ما تحتفي بالرفقة والنجاة. ومن هنا جاء اسمه ANZAC MEMORIAL نسبة إلى قوات أستراليا ونيوزيلندا.

رحلة ميلاد صعبة

لم يكن الطريق إلى هذا التمثال سهلا؛ فقد طرحت فكرته في البداية من المحاربين الناجين من الحرب العالمية الأولى. ثم جمع الفرسان الأستراليون والمشاة النيوزيلنديون والهجانة وممرضات الحرب مبلغ 5400 جنيه إسترليني. بينما دفعت حكومة الكومنولث 11600 جنيه، وأضافت الحكومة النيوزيلندية مبلغًا آخر لتغطية التكاليف.

وأعلنت حكومة الكومنولث مسابقة عام 1923 لأفضل تصميم للنصب التذكاري، فاز بها النحات الأسترالي ويب جيلبرت. وأرسلت القوات المسلحة النيوزيلندية إلى الفنان مجموعة صور لفرسان حقيقيين، وللفرسة الشهيرة «بيس» لتكون نموذجا يستعين به في عمله.

لكن جيلبرت توفي قبل أن ينجز التمثال، وقيل إن ضخامة المهمة كانت أكبر من قدرته الصحية. ثم أسند العمل إلى النحات الإنجليزي بول مونتفورد الذي عمل بجد وانتظام. غير أن المشروع تعثر مرة أخرى، لتنتقل المهمة في النهاية إلى النحات الأسترالي سير بيرترام ماكيننال، الذي أنجز التمثال بمساعدة فريقه. لكنه هو الآخر توفي قبل أن يرى لحظة إزاحة الستار عنه. وكأن قدر هذا التمثال أن يولد من تعب من صنعوه.

تمثال الجندي المجهول (الأنزاك) من أمام فندق كازبنو بالاس أمام مجرى قناة السويس.. تصوير: المصور الإيطالي إيتوري موسكاتيللي.. مصادر مفتوحة
تمثال الجندي المجهول (الأنزاك) من أمام فندق كازبنو بالاس أمام مجرى قناة السويس.. تصوير: المصور الإيطالي إيتوري موسكاتيللي.. مصادر مفتوحة
من الاحتفاء إلى التحطيم

في 23 نوفمبر 1932، أزيح الستار عن التمثال في بورسعيد بحضور رئيس وزراء أستراليا وقت الحرب دبليو هاجز، في حدث فريد بثت كلمته الافتتاحية عبر الهاتف إلى أستراليا لمسافة تقارب أربعة وعشرين ألف كيلومتر. في أول بث حي بين البلدين.

وظل التمثال بعدها واقفا في حديقة «بالاس» حتى جاءت ليلة السادس والعشرين من ديسمبر عام 1956، أثناء العدوان الثلاثي على مصر. حين هاجمه عدد من شباب المدينة بالمطارق والحجارة.

ورغم تجمع الشرطة لمنع تفجيره، لم يمنع تحطيمه، حتى تهشم تماما. واختفى جسد الفارس الأسترالي، وبقيت القاعدة الجرانيتية وحدها شاهدا على تمثال لم يعد موجودًا.

رحلة إلى أستراليا

بعد انتهاء الخرب، طلبت الحكومتان الأسترالية والنيوزيلندية استعادة بقايا التمثال، فوافقت مصر وشحنت الأجزاء بحرا إلى أستراليا. ولتعذر ترميمه، تقرر صنع نسخة جديدة، اكتمل العمل عليها عام 1964. ونصبت في مدينة ألباني غرب أستراليا، في الموقع الذي تجمعت فيه قوات الفرسان قبل توجهها إلى الحرب.

وفي 11 أكتوبر 1964، أزيح الستار عن التمثال بحضور رئيس الوزراء الأسترالي سير روبرت مينزيس. وأمام آلاف الحاضرين بينهم نحو مئة وستين من قدامى المحاربين وبعض المحاربين النيوزيلنديين كضيوف شرف. غير أن الحكاية لم تنته عند هذا الحد. فقد نشب خلاف سياسي حاد بين اثنين من السياسيين الأستراليين حول المكان الذي ينبغي أن يقف فيه التمثال. ولإنهاء الجدل تقرر صنع نسخة ثانية منه وضعت عام 1968 في كانبيرا.

تمثال بيت ذاكرة ومدينتين

أما الفرسة النيوزيلندية «بيس»، التي استخدمت صورتها نموذجا للتمثال، فكانت الوحيدة التي غادرت نيوزيلندا إلى الحرب وعادت منها حيّة. وبعد أن ماتت أقيم عند قبرها نصب صغير تخليدا لها. وفي عام 1985 أُعير رأس أحد الخيول المتبقية من التمثال الأصلي في بورسعيد إلى المتحف القومي في ألباني.

اليوم لم يعد فندق “بالاس” موجودا، فقد تم هدمه بعد سنوات من حرب 1973، وتحول موقعه إلى «حديقة التاريخ»، ثم إلى ساحة مصر التي يعرفها أهل المدينة الآن.

لكن التمثال الذي وقف يوما في تلك الحديقة لم يختفِ من الذاكرة. فهو تمثال بدأ رحلته في مدينة مصرية صغيرة على ضفة القناة، وانتهى بنسختين في قارة أخرى، تمثال تحطم في الحرب ثم عاد ليولد مرتين. وكأن قدره منذ البداية أن يظل حائرا بين سواحل بورسعيد وموانئ أستراليا.

اقرأ أيضا:

من القبو إلى الذاكرة.. رحلة «مجدي البساطي» مع المباني المنسية في بورسعيد

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.