هكذا تفكر «جيهان زكي» وزيرة الثقافة الجديدة
وافق مجلس النواب في جلسته المنعقدة الثلاثاء الماضي بالإجماع على التعديل الوزاري الجديد للحكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، وشمل التعديل ترشيح الدكتورة «جيهان زكي» وزيرة للثقافة، خلفا للدكتور أحمد فؤاد هنو، وتشغل الدكتورة جيهان حاليا منصب أستاذ الحضارة المصرية القديمة، وهي باحثة في مركز البحوث العلمية بجامعة السوربون في فرنسا.
عن جيهان زكي
ولدت «زكي» في القاهرة عام 1966، وتخرجت في كلية السياحة والفنادق بجامعة حلوان. وحصلت على بكالوريوس علوم المصريات عام 1987 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. ثم ماجستير علوم المصريات عام 1993. وصولاً إلى درجة الدكتوراه من جامعة ليون بفرنسا عام 2000 عن أطروحتها بعنوان: «أسوان والنوبة في العصر اليوناني الروماني». كما نالت ماجستير الإدارة الثقافية من جامعة سيينا الإيطالية عام 2014 حول «الدبلوماسية الثقافية والعولمة».
تدرجت جيهان أكاديميا بجامعة حلوان من معيدة عام 1988 وصولاً إلى درجة أستاذ علوم المصريات عام 2010. وخلال مسيرتها، شغلت مناصب تنفيذية وإدارية هامة في قطاع الآثار والثقافة. منها ممثل الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار لدى اليونسكو بباريس بين عامي 2003 و2005، ومدير عام آثار الوجه البحري، ومدير عام إدارة شؤون المنظمات الدولية واليونسكو. بجانب إشرافها على إدارة الآثار المستردة. وتوليها رئاسة صندوق إنقاذ آثار النوبة عام 2010، وعملها مستشارة للمنظمات الدولية وللمكتب الإقليمي لليونسكو بالقاهرة. هذا بجانب تعيينها في مجلس النواب عام 2021.
مناصب وتكريمات
كما تولت «زكي» رئاسة الأكاديمية المصرية للفنون بروما من عام 2012 وحتى عام 2019. وعملت أستاذا زائرا ومحاضرة في العديد من الجامعات منها السوربون، وليون، ولاسابينزا روما، وفاسيدا طوكيو، وسنجور، ومعهد الدراسات الدبلوماسية.
وحصدت جيهان زكي عددا من الأوسمة والتكريمات الدولية الرفيعة. منها وسام فارس عام 2009، وزمالة أكاديمية برلين عام 2010، والوردة البرونزية الإيطالية عام 2015، ووسام شجرة الإنسانية عام 2017. وفي عام 2025 حصلت على وسام جوقة الشرف الفرنسي وهو أعلى وسام تمنحه الجمهورية الفرنسية.

التوازن الكوني
منذ مرحلة مبكرة من حياتها، وبعد حصولها على شهادة البكالوريوس، أرادت جيهان التوسع في فهم النصوص واللغة المصرية القديمة بشكل أعمق، وكانت وجهتها جامعة لوميير ليون 2. حيث تتلمذت على يد عالم المصريات الشهير جان كلود جويون. ركزت رسالة الدكتوراه على «الإقليم الأول بمصر العليا خلال العصور البطلمية والرومانية». وهو اختيار لم يكن عشوائياً بل عكس اهتمامها المبكر بمنطقة الشلال الأول بأسوان باعتبارها منطقة تماس حدودي وديني معقدة.
استطاعت جيهان استنطاق النقوش الهيروغليفية في المعابد المتأخرة مثل فيلة وكوم أمبو وإدفو. بهدف إعادة بناء الخريطة الدينية والإدارية للمنطقة. وركز مشروعها على مفهوم الجغرافيا الدينية، وهو تخصص دقيق يبحث في كيفية تجسيد العقيدة الدينية في المكان الجغرافي.
خيال الحدود
في دراسة منشورة عام 2020 في دورية Oriens Antiquus تناولت «زكي» موضوع «خيال الحدود». وجادلت بأن الشلال الأول لم يكن مجرد عائق طبيعي أو خط دفاعي عسكري. بل كان بمثابة البوابة المقدسة ومكانا رمزيا يربط بين عالمين. حاولت ربط علم الآثار التقليدي بالأنثروبولوجيا الثقافية. وهو ما أضاف بعدا حديثا كانت تفتقر إليه الدراسات التقليدية في مجال الآثار. كما تسعى جيهان أيضًا إلى الربط بين علم الآثار والعلوم السياسية. معتبرة أن شرعية الحكام في مصر القديمة كانت مستمدة من قدرتهم على تحقيق «ماعت» أي التوازن الكوني.
في أبحاثها، لا تكتفيِ «زكي» بوصف الآثار، بل تحلل منطق الأبدية الذي يربط القرارات السياسية بالمعتقدات الكونية. مؤكدة أن كل معلم أثري كان يهدف في الأصل إلى الحفاظ على الانسجام بين عالم البشر وعالم الآلهة. وترى أيضًا -في أبحاثها- أن العمارة المصرية القديمة لغة إلهية وليست مجرد فن زخرفي، وأن الموقع الأثري وفقًا لرؤيتها عبارة عن نص فلسفي يشرح قوانين الوجود والبعث.
تأثير ثقافي متبادل
بين عامي 2012 و2019، تولت «زكي» الأكاديمية المصرية للفنون في روما. وهي المؤسسة الثقافية الوحيدة لمصر والعالم العربي وإفريقيا داخل العاصمة الإيطالية. واستطاعت تحويل الأكاديمية من مجرد مرسم للفنانين إلى منصة دولية للدبلوماسية الثقافية.
وأكدت في لقاءاتها مع الإعلام الأوروبي أن دور الثقافة هو تقديم صورة إيجابية وعميقة عن الحضارة المصرية لمواجهة الصور النمطية السلبية. وأطلقت سلسلة من المبادرات النوعية للمصريين المهاجرين من فئة الشباب بين 18 و21 عاما، لتعريفهم بتراثهم الوطني ودمجهم ثقافيا. كما استهدفت المبادرات الأطفال من 9 إلى 12 عاما عبر زيارات ميدانية منظمة للأكاديمية، ما عزز وعي الأجيال الناشئة.
توجت هذه التحركات عام 2013 بفتح قنوات حوار فني وثقافي مع الفاتيكان. وهي الخطوة التي مهدت لتقارب كبير بين الرموز الدينية الكبرى، وجعل الأكاديمية منصة دولية للحوار والتأثير الثقافي المتبادل.
اتفاقية اليونسكو
عملت «زكي» أيضًا كمنسق وطني وخبير دولي لاتفاقية اليونسكو لعام 2005 المعنية بحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي. وأسهمت في صياغة تقارير مصر الدورية لليونسكو، والتي ركزت على كيفية دعم الصناعات الإبداعية وتوفير منصات للشباب للتعبير عن هويتهم في ظل العولمة.
وترى جيهان أن الثقافة سلاح في حرب العقول. إذ تعتب أن الخطر الأكبر الذي يواجه المجتمعات المعاصرة هو الإلغاء التدريجي للهويات. لذلك، فهي توظف أبحاثها في مجال الدبلوماسية الثقافية كأداة للمقاومة الفكرية. مؤكدة أن استعادة التاريخ والفلسفة في المناهج والمتاحف ضرورة لمنع الانغلاق والتطرف.
كما ترى أيضًا أن التنوع الثقافي يمثل معركة من أجل الحياة، منتقدة بشدة تحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى منصات لبناء الجدران بدلاً من الجسور. وتعتقد أن الخوف من الآخر ناتج عن الجهل، وهذا الجهل – من وجهة نظرها – أكبر خطر يهدد نسيجنا الاجتماعي. لذلك تعتبر أن الفن والموسيقى والسينما هي الأدوات الوحيدة القادرة على اختراق عقول الفئات المعرضة للتطرف. كالشباب والمهاجرين غير الشرعيين، بهدف إعادة ربطهم هويتهم.
حفائر جزيرة بيجة
تشغل «زكي» حاليا منصب مديرة البعثة الأثرية الفرنسية المصرية في جزيرة بيجة بأسوان، الموقع المقابل لمعبد فيلة. والذي يتميز بقدسية كبيرة في الديانة المصرية القديمة. ويعتقد أنه يضم المقبرة المقدسة للإله أوزيريس. وتركز في أبحاثها على توثيق النقوش والمباني التي تعود للعصور المتأخرة، بجانب دراسة الطقوس الجنائزية المرتبطة بفيضان النيل.
اقرأ أيضا:
«مونيكا حنا» تتحدث: توضيحات حول الاتهامات ومقترحات لإصلاح منظومة الآثار
المعماري «وليد عرفة»: نعيش لحظة ضعف.. والعمارة المصرية الآن بـ«عافية»



