«ناجي باسيليوس»: نحن لا نرى الأشياء بل تجليات الضوء عليها.. والحقيقة تسكن في المناطق الوسطى
منذ فترة، وأنا أتابع أعمال الفنان والمترجم «ناجي باسيليوس»، وقرأت له ما كتبه عن سيرة والدته الفنانة الرائدة فهيمة أمين. كان الاسم مألوفاً لي، لأنني من هواة الاستماع إلى التسجيلات الإذاعية النادرة، وناجي نفسه من كبار هواة هذا النوع من التسجيلات، وهو ما جعلني أربط بينه وبين تاريخ والدته، التي درست ودرّست الفن أكاديمياً في مصر منذ مطلع القرن العشرين، ووثقت الهوية الوطنية والريف المصري في ظروف الحرب العالمية الثانية.
لم يكن التواصل مع ناجي يسيرًا، لكنني وصلت إليه في النهاية. والتقيت به في منزل جده “أمين”؛ تاجر الحبوب بحارة مشتهر في عابدين. المنزل الذي يتخذه الفنان مرسما يتجاوز عمره 120 عاما، ومنه حمل الجد ابنته فهيمة، وهي طفلة، للمشاركة في ثورة 1919. استكملنا الحوار في شقة والديه، التي لا تزال تحتفظ بأثاثها منذ زواجهما قبل ثلاثة أرباع القرن،. وتضم كتب والده، الكيميائي الدكتور موسى باسيليوس، باللغة الألمانية، وأنابيب معمله الزجاجية.
ناجي رجل هادئ جدا، يزرع في شقته ومرسمه نباتات ظل وصبارات ونباتات عطرية تملأ المكان. مظهره، بسوالفه المتصلة بذقنه، يستحضر ملامح رجال القرن الثامن عشر، مثل الإمبراطور فيلهلم الأول والموسيقار سيزار فرانك. هو ليس فناناً فحسب، بل مترجم نقل كتبا مهمة في الفن التشكيلي وتاريخه عن الإنجليزية والألمانية. وهنا نص الحوار:
تنبيه الحواس وبدايات الوعي البصري
يستهل ناجي حديثه: “إن بدايتي مع الفن لم تكن صدفة عابرة، بل بدأت منذ طفولتي المبكرة ولأسباب محددة جداً؛ أولاً، كنت أمتلك مهارة في التقاط ملامح الأشياء وإدراك تفاصيلها بدقة. وهي ما نسميها الموهبة الطبيعية أو الفطرية. لكن الفضل الأكبر في صقل هذه الموهبة يعود لوالدتي وتشجيعها المستمر. فبحكم عملها مدرسة للفنون، كانت تدرك تماما كيف توجهني تربوياً وفنياً.
لم تكن تنتقد رسوماتي الطفولية أبداً، حتى لو رسمت إنساناً بأربعة أصابع أو بشكل مربع. لم تكن تقول: هذا خطأ، بل كانت تستمر في دفعي إلى الأمام بكل محبة وتفهم. أتذكر جيداً أنها كانت تصطحبني معها إلى مدرسة الأورمان الثانوية للبنات، حيث كانت تدرس. وكنت أجلس وسط الطالبات وهن يرسمن، وأشعر بانسجام غريب مع أجوائهن رغم صغر سني.
وفي الجهة المقابلة للمدرسة، كنا نذهب إلى حديقة الحيوان، وهناك كانت تقوم بعملية تنبيه للحواس. تقول لي مثلاً: انظر إلى الزرافة، رقبتها طويلة ورجلاها طويلتان. كانت توقظ في عقلي الفروق الجمالية والتشريحية. لكي أدرك أن الحيوانات ليست كلها كتلة واحدة، فهذا له قرون، وهذا لا، والزرافة تختلف في قوامها عن الغزالة أو الأسد. هذا التنبيه الباكر هو ما جعلني أبدأ في ملاحظة الأشياء بعين فاحصة، ما شكل وعيي البصري الأول”.

تطور الموهبة وصراع العلم والفن
يوضح باسيليوس: “من أكبر فضائل والدتي أيضا أنها احتفظت بكل أعمالي منذ سن الثانية والنصف أو الثالثة وحتى سن المراهقة، وما زلت أحتفظ بها حتى اليوم. ومع دخولي سن المراهقة، بدأ شغلي يتغير جذرياً؛ إذ تحول من التلقائية العفوية إلى النزعة النقدية والبحث عن المحاكاة. وبدأت أرسم بدقة متناهية، مهتماً بتفاصيل الكرافتة أو ياقة القميص لشخصيات بعينها، ورسمت الأبطال بملامحهم الدقيقة.
وبدأت تظهر اهتمامات أخرى كانت تتصارع داخل مخيلتي، خاصة أنني نشأت في بيت يقدس العلم أيضاً. فوالدي كان دكتور كيمياء، وبسببه اتجهت في مراهقتي المبكرة نحو الفيزياء والإلكترونيات، فكنت أصنع راديوهات بيدي. وأتذكر ما كان يسمى بـ”راديو البلورة”. الذي كان يباع في منطقة الأزهر، وهو عبارة عن قطعة خشب وملف وسلك.
وكنت أدرس الفيزياء والأحياء بشغف، وأقرأ في كتب والداي القديمة، التي كانت تتحدث عن البطاريات والتصوير والطباعة بأسلوب مختلف تماماً وأكثر عمقاً من كتب هذه الأيام”.
تمرد الفنان على جمود الأرقام
يستطرد ناجي، مبينا المفارقة في أنه واجه رعباً حقيقياً مع مادة الرياضيات: “كنت أكره القوالب الجامدة والمنطق الحسابي الجاف. وحين كانوا يعلمونني الأرقام، شعرت برغبة في تغيير أشكالها؛ فلم يكن يعجبني شكل الرقم 3 أو 4. وكنت أتساءل بتمرد فني: لماذا لا يكون شكل الرقم 5 أكثر تعبيراً وضخامة من الرقم 4!
كنت فنانا حتى في رفضي للمنطق الحسابي، وكنت أخلط بين السبعة والثمانية بالعربية. لأنني كنت أراهما مجرد أشكال مقلوبة تسبب لي ارتباكاً بصرياً لا معنى له في ذهني، الذي يقدس الانحناءات والخطوط الفنية”.
أطياف الطفولة والظلال النازية القديمة
يشرح باسيليوس تنقله بين مدارس كثيرة في طفولته: “بدأت في مدرسة ألمانية في الدقي، لكني كنت كثير المرض. ربما لأن والدتي لم ترضعني طبيعياً، فكانت مناعتي ضعيفة. مما أدى لإصابتي بشلل الأطفال، وهو ما جعلني أتغيب عن المدرسة أسبوعياً تقريباً.
كنا نسكن في شقة جانبية بوسط البلد، كانت الدنيا هناك تبدو مظلمة حتى في وقت الظهر. مما خلق لدي كراهية دفينة للأماكن المظلمة، أثرت لاحقا على توزيع الإضاءة في لوحاتي. انتقلت بعدها لمدرسة أمون الخاصة في منطقة المنيرة، تقع بجوار ضريح سعد زغلول ودار العلوم القديمة. وتلك الأجواء التاريخية المحيطة بي كانت تغذي خيالي.
بينما كان والدي يعيش في عالم آخر؛ فقد عاش في ألمانيا لمدة عشر سنوات قبل الحرب العالمية الثانية وعاد بتوجهات نازية صلبة. وفي مصر، كان هناك ما يعرف بالحزب النازي المصري، وكان والدي أمين هذا الحزب، وكانت لديهم مجلة تسمى “الكفاح”. وكان شعارهم يشبه العجلة النازية، وكان هؤلاء الشباب ينتظرون هتلر في القاهرة.
حتى عهد قريب كانت لدينا صور رسمية ضخمة لهتلر وبسمارك في البيت. وكتب أصلية لمنظري النازية مثل روزنبرج. لكنني، مع الوقت. وبسبب كوني وحيداً وليس لي إخوة أو أبناء، بدأت أشعر برغبة عارمة في التخلص من هذا الإرث الثقيل. كنت أقول لنفسي: عايز أخف وأرمي حاجات كتير، فأعطيت أغلب الصور والكتب لأصدقاء ألمان ولصحفيين. لأنني لم أعد أحتمل هذا العذاب التاريخي الذي لا يشبهني”.
صدمة الواقع في معهد دافنشي
يتابع ناجي رحلته، مبينا أنه حين لم يحصل على مجموع عالٍ في الثانوية العامة: “دخلت معهد ليوناردو دا فينشي الإيطالي. وكانت صدمة لي في البداية، لأنني لم أكن أريد أن أصبح رساماً بالمعنى المهني. بل كنت أحلم بالاختراعات وأقرأ في النسبية لأينشتاين. درست هناك خمس سنوات في قسم التصوير، وتتلمذت على يد عمالقة الفن المصري مثل سيد عبد الرسول وزكريا الزيني وممدوح عمار.
وفي المعهد اصطدمت بالواقع لأول مرة؛ كنت أرى طلاباً يحصلون على درجات أعلى بسبب علاقات آبائهم ومصالحهم مع المدرسين. ومع الأسف، فإن أغلب أساتذتنا في المعهد كانوا “صنايعية” مهرة فقط. يجهلون الأبعاد الفلسفية العميقة، أو ربما كانوا لؤماء يخفون أسرار المعرفة عن تلامذتهم. تخرجت عام 1974، وهي سنة مميزة كونها سنة ما بعد الحرب، وعملت بعدها في التلفزيون المصري”.

استيقاظ الوعي وصناعة الكيان الخاص
يؤكد باسيليوس أن تلك الفترة شهدت ما يسميه استيقاظ وعيه الشامل: “بدأت أتأمل في انحدار وارتفاع العائلات. تماما كما وصف توماس مان في رواية «آل بودنبروك». وبدأت أرى كيف تتحول العائلات من الإقطاع إلى الفن، ثم إلى التحلل، ووجدت نفسي في النهاية أشق طريقي الفني.
في تلك المرحلة بدأت أفهم أن الفن ليس مجرد لوحة، بل هو طاقة داخلية. فالحب بالنسبة لي، على سبيل المثال، هو طاقة تنبع من داخلنا نحن، وليس من الشخص الآخر. والكمال والروعة التي رأيتها في المحبوبة كانت أشياء خاصة، نتاج خيالي وقصصي التي أسقطتها على الواقع.
وحين أدركت ذلك، شعرت أنه يجب أن أستبدل هذا الحب الخارجي بعشق الذات بمعناه الإبداعي. فقلت لنفسي: أنا الأولى بهذا الحب. فالعقل لا يفصل بين المتخيل والواقع، وأحياناً نظلم الآخرين بتوقعاتنا العالية، فنتعرض للإحباط. هذه الحالة النفسية ساعدتني على التفوق. لأنني أعدت توجيه تلك الطاقة لنفسي ولدراستي وللنجاح. لكي أكون شيئا ذا قيمة لا يقل عن قيمة والدي العلمية. فالإنسان بلا كيان خاص هو مجرد عار على عائلته ومجتمعه”.
العزلة ومرثية الصديق الغائب
يفصل ناجي في تركيبة والده، التي كانت شخصية انعزالية غريبة جدا. ورث منها جزءا كبيرا: “كنت أفتقد الجرأة، أو أخشى من اختراق فضائي الخاص. كنت دائماً المتفرج في المجموعات، أشاهد الدنيا والناس دون أن أتكلم. وهذا الصمت هو ما دفعني للقراءة بشكل موسع وعميق جداً في الدين والفلسفة وعلم النفس، لتعويض هذا الانعزال.
وفي مرحلة الدراسة الجامعية، وجدت ضالتي في الصديق محمد أحمد جعفر. كان هو صديقي الوحيد والمقرب، الذي شاركني هذا العالم الانعزالي. فبينما كان بقية الطلاب منشغلين بالصخب واللعب، كان جعفر متبحراً في الفن والفلسفة والدين. كنا ننعزل عن الجميع. يقرأ جعفر كتاباً ويخبرني عنه، وأفعل أنا المثل. كنا نقرأ لنيتشه باللغة الألمانية من مكتبة والدي، ونقرأ لفرويد. وكنا نُعتبر مجانين في نظر بقية الطلبة لكننا كنا نعيش في سعادة غامرة بتلك المناقشات الوجودية التي شكلت وعينا النقدي”.
ويستطرد بنبرة يملؤها الشجن: “جعفر كان فناناً حقيقياً ورساما فذا. جاء من المنوفية إلى القاهرة ليحقق حلمه، لكن القدر لم يمهله، ورحل فجأة في عام 1997. وما زلت، حتى يومنا هذا، أتذكره وأكتب عنه كتاباً لتوثيق سيرته وإبداعه.
لقد تركت وفاته في قلبي جرحا لا يندمل، وزاد من مرارة الفقد قصة أعماله التي كانت أمانة لدي. حاولت جاهداً إقناع إخوته بضرورة الاحتفاظ بلوحاته، لكنهم لم يدركوا قيمة فنه. فاضطررت في النهاية لبيعها كمجموعة كاملة لمقتنٍ واحد وبثمن بخس. لم يكن الهدف المال، بل لكي أضمن بقاء أعماله مجتمعة في مكان واحد يحميها من الضياع والتشتت. أتمنى أن يتذكره الناس كفنان لم تنصفه الحياة. فجعفر لم يكن مجرد صديق، بل كان شريكاً في تأسيس الوعي الذي أرسم به اليوم”.
متاهة العمل الحكومي والروتين القاتل
يروي باسيليوس تجربة العمل الحكومي في التلفزيون وفي المعمل الجنائي: “هي فترة أصفها برحلة في عالم الفساد والروتين الجنوني. ففي التلفزيون عملت في قسم مراقبة المناظر. حيث كنا نرسم الخلفيات لبرامج شهيرة وفوازير، مثل “فوازير نيللي”. لكن الوسط كان يعاني من إهمال مروع؛ فرائحة الغراء المستخدم كانت كريهة. ولم تكن هناك سلالم، فكنا نضع كرسياً فوق طاولة لنرسم في وضعية تنعدم فيها السلامة!
تركت العمل بسبب هذا التسيب، وانتقلت للمعمل الجنائي. وهناك كان العجب أكبر؛ كنت في قسم التصوير، الذي يتطلب رسم مساحات هندسية لأماكن الحوادث بدقة متناهية. لتحديد مسارات الحريق أو نقاط القتل باستخدام أقلام الرابيدو. لكني تعبت نفسياً من هذا الروتين الذي يهدر الميزانيات. وقررت في عام 1983 الاستقالة نهائياً والاحتراف الحر للفن، لأن صاحب بالين كذاب”.
فاجعة الفقد وانكسار الزمن الفني
يسرد ناجي أحداث عام 1984، الذي كان عاماً فاصلاً ومأساوياً في حياته: “في السابع من يناير وتحديدا في صبيحة عيد الميلاد، توفيت والدتي فجأة. كانت مريضة سكر وتأخذ ثلاث حقن أنسولين يومياً، لكنها كانت امرأة قوية ومرحة.
بوفاتها انقلبت حياتي رأسا على عقب، وأصبحت فجأة مسؤولاً عن شؤون البيت، التي كانت تبدو لي تافهة. لكنها استنزفتني؛ من صابون المواعين والتوابل، وصولاً إلى التخلص من النفايات. ثم جاءت الصدمة الثانية بإصابة والدي المسن في حادث سيارة، مما جعله ملازماً للفراش لمدة سنتين. كنت أقوم بتمريضه حتى أصبت بتعب مزمن في العمود الفقري.
كانت دوامة سوداء توقفت فيها حياتي الفنية تماما. لكنني بعد رحيل الوالد وجدت نفسي وقد ضيعت سنوات دون إنجاز حقيقي. فقررت العودة، وسجلت تمهيدي ماجستير في فنون جميلة بالزمالك مع صديقي محمد جعفر”.

اختيار طريق الفنان لا طريق الدكتوراه
يوضح باسيليوس: “سألت نفسي سؤالاً محدداً وقتها: هل أريد أن أكون دكتورا في جامعة مكتفية ذاتيا، أم أريد أن أكون فناناً؟ الأكاديميا أصبحت موضة للتعيين والوجاهة. والجمع بين التدريس والإبداع لا أقدر عليه، لأن الفن يحتاج إلى طاقة وراحة ومزاج مهول. وليس مجرد مجهود ذهني مقيد بمواعيد الجامعة.
لهذا السبب تركت السلك الأكاديمي تماماً لأني كنت أعود منهكاً ولا أستطيع الرسم. فالرسم عمل يدوي شاق يتطلب طاقة بدنية وذهنية صافية. ومنذ الثمانينات انتظمت في إقامة المعارض وكان أول معرض لي في المركز الثقافي الإسباني ومن هناك بدأت العجلة تدور من جديد”.
الترجمة كأداة لفك شفرات الجمال
يكشف ناجي: “في خضم هذا الصراع بين الفن والواقع، بدأت رحلة أخرى هي الترجمة. بدأت، في سنة وفاة والدتي، بترجمة كتاب “مبادئ الفن” لهينريش فولفلين. والمفاجأة أن مشكلتي لم تكن في اللغة الإنجليزية، التي كنت أتعامل معها ببطء، بل اكتشفت فقري الشديد في قواعد اللغة العربية!
الترجمة جعلتني أتعرف على الجملة الاسمية والفعلية من جديد. وبدأت أدرك الفروق الدقيقة بين المترادفات. لم تكن الترجمة لي هدفاً بحد ذاتها، بل كانت وسيلة لفك وتركيب العمل الفني وفهمه من الداخل. فقد اكتشفت أننا في مصر نعاني من فجوة بين النظرية والتطبيق. وأردت أن أفهم لماذا نرسم التجريد مثلاً، وليس فقط كيف نرسمه”.
ردم الفجوة المعرفية في الفن العربي
يشرح باسيليوس: “نحن في الشرق، انقطاعنا عن فن التصوير مرتبط بالتحريم الديني في العصور الوسطى. بعد أن كان حاضرا في كل حضارات المنطقة. في أوروبا، كانت الكنيسة تعتبر الرسم “كتاب الأميين”، وكان البابوات يحمون الفنانين حتى لو هرطقوا. أما نحن فكنا نفتقد لمن يتبنى العبقرية ويحميها.
توقفت عن الرسم من عام 2007 إلى 2014، لكي أفهم وضعي الفني في هذا العالم. ولأجيب على سؤال: هل انتهت لوحة الحامل فعلاً كما يقولون في الغرب؟ اكتشفت أننا في وضع متخلف فنيا. وهذا ليس شتيمة بل وصف للحالة التي نعيشها. ومن هنا أصبحت الترجمة والنقد هما جناحاي اللذان أحلق بهما. بجانب الريشة، لأقدم فناً له جذور معرفية، وليس مجرد استهلاك لموضات فنية عالمية لا ندرك خلفياتها”.
التراكم المعرفي المفقود وصراع الأجيال
يؤكد ناجي: “أشعر أننا نفتقد للتواصل والتراكم المعرفي؛ فبينما يعيش الغرب حالة من الحوار الدائم مع تاريخه. نكتفي نحن بالتمسك بأسماء معينة مثل طه حسين أو العقاد كأيقونات جامدة. دون أن نبذل جهداً لفهم كيف بنى هؤلاء أفكارهم، وما هي الأدوات المعرفية التي استخدموها.
إننا نترجم اليوم كتباً وأبحاثاً مر عليها أكثر من نصف قرن، وكأننا اكتشفنا القارة المفقودة. بينما هي في مواطنها الأصلية بديهيات تجاوزها الزمن. هذا الفقر يجعلنا نقلد الموضات الفنية العالمية، كالتجريد مثلاً، تقليداً قشريا. دون أن ندرك الجذور الاجتماعية والتاريخية العميقة التي أدت لظهوره في أوروبا كصرخة احتجاج. أو كبحث عن جوهر الأشياء بعد سقوط الأساطير القديمة”.

ابن الهيثم وحبس الظل في التاريخ
يحلل باسيليوس نشأة التجريد في الغرب، مبيناً أنه لم يأتِ فجأة أو بشكل شيطاني مقطوع الجذور. بل كان نتيجة صراع طويل ومرير مع الكنيسة والواقع والعلوم. ومع بزوغ فجر النهضة، وتطور علوم البصريات، واكتشافات عالمنا العربي الحسن بن الهيثم في “حبس الظل”. التي كانت النواة الحقيقية للكاميرا، بدأ مفهوم الرؤية يتغير.
الغرب كان ذكياً في تبني هؤلاء المبدعين، فلقي ليوناردو دا فينشي وأقرانه حماية من ملوك وأباطرة أدركوا قيمة الفن في تخليد سلطتهم. بينما نحن في الشرق، رغم نبوغ علمائنا الهائل، لم نجد مؤسسات أو إرادة سياسية تتبنى تلك العبقريات. فانطفأت شمعتها بموت أصحابها، ووجدنا أنفسنا نضطر للبدء من الصفر في كل مرة”.
الحضارة الإنسانية الواحدة والفن الوجودي
يقول ناجي: “أؤمن أن الحضارة، في جوهرها، إنسانية بامتياز، وليست حكراً على دين أو قومية. وكما يقول الأثر: “الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها”. توقفت عن الرسم لسنوات طويلة، لا لزهدٍ فيه، بل لأفهم أين أقف أنا من هذا العالم. اكتشفت أن ما ندرسه في كليات الفنون لا علاقة له بما يجري في الخارج من تحولات كبرى.
نحن بحاجة ماسة إلى وعي نظري يوازي مهارة الريشة. لأن الفن لم يعد مجرد لوحة جميلة تزين الجدران، بل أصبح تساؤلاً فلسفياً حول الوجود. لقد مر الفن برحلة مذهلة من المقدس إلى “المبولة”. فمع عصر التنوير، عقل الناس، ولم يعد هناك أباطرة يطلبون رسم الملائكة الطائرة على أسقف القصور.
فالفنان وجد نفسه وحيدا، فارتد إلى ذاته، وبدأ يسأل عن عناصر الفن الأولية: اللون، والخط والمساحة. وكان التجريد تمرداً على واقع لم يعد الفنان يجد فيه نفسه، فقرر أن يرسم ما بداخله، حتى لو بدت الشجرة في لوحته حمراء فاقعة”.
تأمل الماهية وقيمة الجمال الخالص
يرى باسيليوس أن الفن تحول من صنعة يد إلى تأمل في الماهية، ليصبح “غاية بلا غاية”. كما وصفه إيمانويل كانط: “الجمال الحقيقي لا يجب أن يخدم أخلاقاً أو كنيسة، أو يحقق منفعة مادية مباشرة. بل هو لذة نقية تمنح الروح طمأنينة لا صلة لها بالشهوة أو المنطق النفعي.
ولعل أغرب ما في هذه الرحلة هو التقارب المذهل بين طقس زيارة المعرض الفني وبين طقوس العبادة في الجامع أو الكنيسة؛. فالأصوليون يهاجمون الفن لأنه يسحب البساط من تحت أرجلهم. فالدين في جوهره، مبني على الفنون، من أدب القصة القرآنية إلى موسيقى الترانيم والإنشاد. وصولاً إلى عمارة المساجد التي تشعرك بضآلتك أمام عظمة الخالق”.
عصر السيولة وفنون الأرض المعاصرة
يشير ناجي إلى أننا نعيش اليوم عصر السيولة. حيث “انتحر” الفن في بحثه عن الجوهر الخالص: “وصل التجريد لمرحلة المساحات اللونية الضخمة. كما عند روثكو، حيث لم يعد الفن بحاجة لقصة لكي يوجد. لكن الفنان المعاصر، بذكائه بدأ يغادر المرسم الضيق إلى الأرض والشارع. فيما يعرف بفن الأرض أو الجرافيتي. وهذا الخروج هو محاولة لاستعادة الدور الفعال للفنان في البيئة والمجتمع. حتى لو فقد العمل الفني ميزة الخلود الفيزيائي.
ولعل ترجمتي لكتاب فورينجر “التحصيل والتجريد” تفسر لنا لماذا نعشق التجريد نحن شعوب الشرق وشعوب الشمال. ففي البيئات القاسية، سواء كانت عواصف الجليد في أوروبا أو رمال الصحراء عندنا. يهرب الإنسان من قسوة الطبيعة التي لا يمكن التعاطف معها إلى تجريدها وتحويلها لأشكال هندسية ورموز تمنحه نوعا من السيطرة الروحية على الفوضى المحيطة به”.

مراحل هيجل وجسر المعرفة الفني
يلخص باسيليوس هذه الرحلة في ثلاث مراحل عند هيجل: “المرحلة الرمزية، التي تعبر عن مضمون غامض في أشكال ضخمة كالفراعنة، والمرحلة الكلاسيكية. حيث تجسدت الروح في الإنسان الكامل كاليونان. ثم المرحلة الرومانتيكية، حيث بدأت الروح تتحرر من المادة وتتجه نحو المعاني المجردة.
واليوم نحن في مرحلة “المينيماليزم” أو الحد الأدنى، حيث يكفي الفنان خط واحد أو لون واحد ليقول كل شيء. المهم ليس كم ترسم، بل كم تستطيع أن تجعل المتلقي يفكر فيما وراء الرسم. هذه هي رسالتي التي أحاول تقديمها؛ أن نبني جسراً بين كوسوث وبين الإمام الشافعي. لندرك أن الفن هو أرقى درجات الوعي الإنساني. وهو الأداة الوحيدة الباقية لنا لنفهم من نحن في ظل هذا العالم الذي يتشظى كل يوم”.
تجليات الضوء وسحر المناطق الوسطى
يخبرنا ناجي: “في هذا العالم لا نرى الأشياء على حقيقتها، بل نرى تجليات الضوء عليها. في مرسمي وتأملاتي الطويلة أدركت أن الضوء والظلمة يبتلعان جوهر الأشياء؛ لو تخيلنا برتقالة وضعت تحت كشاف قوي. فإن الضوء يكتسح لونها البرتقالي ويمحو تفاصيله في بقعة بيضاء باهرة. وفي الظلمة الشديدة يموت اللون أيضاً ويتحول إلى عدم.
فاللون الحقيقي، المحلي، لا يتجلى إلا في تلك المنطقة الانتقالية أو الدرجة الوسطى، حيث يتصالح الضوء مع الظل. هذه ليست مجرد معلومة تقنية، بل هي رؤية فلسفية للكون؛ فالحقيقة دائماً تسكن في المناطق الوسطى. بعيداً عن تطرف الأنوار الباهرة أو عتمة التجاهل”.
فن البورتريه وإدراك الروح المختبئة
يعتقد باسيليوس أن هذا الإدراك هو ما قاده إلى التفوق في فن البورتريه: “البورتريه بالنسبة لي ليس مجرد محاكاة للملامح أو ضبط للنسب التشريحية. بل هو عملية استدراج أو استيعاب عميق للأسطح والروح الكامنة خلفها.
اكتشفت حقيقة مذهلة وهي أننا في حياتنا اليومية لا نرى من نحبهم حقا. بل نراهم كـ”جشتالت” أو صورة كلية غائمة ومألوفة. وأتذكر حين رسمت ابنتي أنني اكتشفت تفاصيل تشريحية في وجهها لم أكن ألحظها. رغم فيض مشاعري تجاهها؛ فرأيت كيف يلتف عظم الجبهة. وكيف يشتبك عظم الأنف مع العينين في هندسة إلهية معقدة. الرسم هو الذي يفرض علينا الرؤية الحقة، هو الذي يجعلنا نحب الأشياء بوعي لا بمجرد العاطفة”.
انحياز الواقعية والهروب من فن الزينة
يلفت ناجي الانتباه إلى الوجوه التي يرسمها، خاصة النساء: “قد تلمحين مسحة من الحزن أو التأمل، حتى تلك الابتسامات تبدو مكسورة أو محملة بشجن دفين. أنا أنحاز بالفطرة للحظة السرحان، أراها اللحظة الأصدق للإنسان حين يختلي بنفسه. بعيداً عن الادعاء أو الابتسام المصطنع لأجل الصورة.
ربما طبيعتي القلقة تنعكس على من أرسمهم، لكنني أيضاً أواجه بهذا الحزن فن الزينة الاستهلاكي الذي يطالب به البعض؛ تلك الطبقة التي تريد لوحات تليق بجدران فيلات الساحل الشمالي. وترفض رؤية امرأة شعبية أو غسالة قديمة في إطار مذهب. أنا أنتمي للواقعية التي تعبر عن الناس الحقيقيين. كأولئك الذين رصدتهم في المعمل الجنائي بباب الخلق، بوجوه أهالي السجناء المحملة بانتظار مرير وكبرياء مجروح، هؤلاء هم أبطال لوحاتي الحقيقيون”.
وجه القاهرة وصوفية الضوء المتحد
ينتقل باسيليوس من الوجوه إلى وجه القاهرة: “في لوحاتي لصحراء المماليك والقاهرة الإسلامية، ستجدين سكونا رهيبا. كأنها مدينة موتى تستحم في شمس الأصيل. في الصباح الباكر، يغلف الضباب المباني ويمنحها وحدة لونية من الرماديات الساحرة، التي تلغي الفوارق بين القريب والبعيد. وهذا ما يمنح اللوحة عمقاً ووحدة كلية.
أنا هنا لا أرسم مآذن وقباباً كأثر تاريخي، بل أرسم تأثير الضوء عليها. قد اتهم سيزان التأثيريين بأنهم جعلوا المادة هشة وقابلة للتفتت. لكنني أرى في ذلك خلاصاً من عبء المادة؛ فعندما يغمر الضوء الأشياء في لحظات الفجر أو الغروب، فإنه يمحو انفصالها ويحولها إلى كتلة واحدة منسجمة.
الخطيئة، في نظري، هي الانفصال عن الكل. والضوء هو الأداة الصوفية التي تعيد دمج العالم في وحدة واحدة، بعيداً عن حدة شمس الظهيرة التي تقص وتحدد وتفصل البشر والحجر عن بعضهم البعض”.
المسرح التشكيلي والارتباط بالكون
يختتم باسيليوس حديثه: “في بنائي الفني، أشبه المخرج المسرحي. فقد أستعير امرأة من مشهد رأيته في الحارة، وأضع أطفالاً من ذكرى قديمة، ليخلق تكوينا خاصا بي يعبر عن رؤيتي الشخصية. وليس مجرد نقل فوتوغرافي صامت. هذه التجربة هي محاولتي لترجمة “الفيسبوك الروحي” الخاص بي إلى ألوان. حيث أحاول الربط بين ما يحدث في السماء من ظواهر كونية وتأثيرات كوكبية. وبين ما يتحقق على الأرض من مشاعر إنسانية.
الإنسان القديم قدس الشمس لأنها مصدر بقائه، وقدس الدب لأنه مصدر الرعب والدفء. ونحن اليوم نقدس اللحظة التي يتحد فيها الضوء بالظل في لوحة، لأنها تذكرنا بأننا جزء من هذا الفيض الكوني العظيم. نحن نرسم لننجو، ولنقول لهذا العالم المادي الدنس إن هناك نوراً منزهاً يسكن في تفاصيل الأشياء البسيطة لو أحسنّا فقط الرؤية”.
اقرأ أيضا:
حارسة الذوق والهوية.. كيف شكلت «التلاوة المصرية» وعي الجمهور؟



