دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

من قلب الأعماق.. «هيبكا» تقود مهمة بحرية لحماية كنوز البحر الأحمر

تعد الحياة البحرية على ساحل البحر الأحمر أحد أهم الموارد الأساسية في جذب الاستثمارات على امتداد الساحل، حيث تعتمد بشكل كبير على سياحة الغوص ومشاهدة الطبيعة البحرية والشعاب المرجانية والكائنات البحرية المتنوعة، وهو ما يجعل الحفاظ على هذه البيئة واجبا أخلاقيا وثقافيا وعلميا تتحمل مسؤوليته جهات عدة معنية في الدولة.

وفي هذا الإطار، تعمل جمعية «هيبكا» في البحر الأحمر على الحفاظ على مكونات البيئة البحرية من خلال تنفيذ عدد من الإجراءات والأنشطة الهادفة إلى حماية الموارد الطبيعية، إذ تنظم الجمعية بشكل منتظم رحلات إلى عدد من الجزر البعيدة في البحر الأحمر، بهدف حماية الشعاب المرجانية، وذلك من خلال تركيب الشمندورات الجديدة وصيانة الشمندورات القديمة، للحفاظ على مواقع الغوص والحد من التأثيرات السلبية عليها.

كيف تحمي الشمندورات الشعاب المرجانية؟

يعد الضرر المادي الذي يلحق بالشعاب المرجانية من مراسي السفن والمراكب مشكلة موثقة جيدًا، وتسبب ضرراً هائلاً بالموارد البحرية. فعندما تقوم القوارب بربط مراسيها بالشعاب المرجانية، فإن عملية التعلق وضغط السلاسل قد تؤدي إلى تكسير الشعاب المرجانية وتدمير الحياة البحرية الحساسة. وتعد الطريقة الأكثر فعالية لتقليل الضرر هي تركيب عوامات إرساء للقوارب، أو ما يعرف بالشمندورات.

ويمكن لأي منطقة تستقبل القوارب أن تستفيد من الشمندورات، والتي يمكن دمجها ضمن استراتيجية شاملة لإدارة حماية الموارد. بالإضافة إلى الحد من أضرار المراسي التي تلحق بالشعاب المرجانية الحية. يمكن للعوامات أن تكون بمثابة أداة إدارية مهمة. كما توفر وسيلة ملائمة لأطقم المراكب لتأمين سفنهم أثناء الاستمتاع بالشعاب المرجانية الفريدة.

ويتكون نظام الإرساء (الشمندورات) من ثلاثة عناصر: تثبيت دائم في قاع البحر، وعوامة عائمة على سطح الماء، ووسيلة ربط بينهما. وتحدد خصائص قاع البحر عادة نوع النظام الأكثر ملاءمة. ويعتبر نظام “هالاس” من أكثر الأنظمة نجاحًا في المناطق ذات الأساس المسطح والصلب.

وحتى الآن، قامت جمعية “هيبكا” بتركيب أكثر من 1000 عوامة في مختلف أنحاء البحر الأحمر. وهو الأكبر من نوعه في العالم. وكان لها دور فعال في نقل هذه التكنولوجيا إلى البلدان المجاورة. وقد مكن مزيج من التمويل الخاص والتبرعات والمبادرات “هيبكا”، بالتعاون مع جهاز شؤون البيئة المصري. من توفير التمويل اللازم لتركيب وصيانة نظام الشمندورات.

تركيب الشنمدروات فى الجزر البعيدة البحر الأحمر.. الصورة من فريق جمعية هيبكا
تركيب الشنمدروات فى الجزر البعيدة البحر الأحمر.. الصورة من فريق جمعية هيبكا
رحلة الشمندورات

حول رحلة الشمندورات يقول نور فريد، مدير جمعية “هيبكا” بالبحر الأحمر لـ«باب مصر»: “تنطلق رحلات الشمندورات من ميناء الغردقة، وتستمر 15 يوما من العمل الميداني المكثف. بهدف تفقد عدد من الجزر البعيدة في البحر الأحمر، مثل جزيرة روكي، والأخوين وجزيرة الزبرجد. وهي من أهم المواقع التي تعد جنة لعشاق الغوص والمحترفين. حيث تتميز ببعدها عن الشاطئ، وهو ما وفر لها بيئة بحرية بكرا، وشعابا مرجانية مذهلة، وكهوفا تحت الماء إضافة إلى انتشار أسماك القرش.

وأشار إلى أن طبيعة هذه الجزر البعيدة تجعلها من الوجهات الرئيسية لرحلات السفاري البحرية، التي تستغرق ساعات طويلة في عرض البحر. وهو ما يجعل وجود الشمندورات أمرا أساسيا لحماية الشعاب المرجانية من مخاطر الرسو العشوائي للمراكب واليخوت السياحية.

 تركيب الشمندورات ومخاطر الرسو العشوائي

يضيف فريد أن الرحلة الأخيرة نجحت في تركيب 73 شمندورة جديدة، وصيانة 28 شمندورة قائمة. وذلك من خلال العمل الجماعي وتضافر جهود مختلف الجهات المعنية. كما برزت المكانة المحورية لأصحاب يخوت السفاري في دعم قطاع الغوص. من خلال ما قدموه من مساندة عملية وموارد أساسية كان لها أثر مباشر في نجاح المهمة.

وأكد أن هذا التعاون يعكس إدراكا متزايدا لدى العاملين في القطاع السياحي والبيئي بأن الحفاظ على الشعاب المرجانية لا يرتبط فقط باستدامة النشاط السياحي. بل يمثل التزاما بيئيا واعيا يهدف إلى حماية البحر الأحمر والحفاظ على مكانته المتميزة كواحدة من أهم وجهات الغوص في العالم.

ووجه فريد الشكر إلى وزارة البيئة، ومحميات البحر الأحمر، وغرفة سياحة الغوص والأنشطة البحرية، لدورهم المستمر وتواجدهم الميداني. الذي يسهم في تحويل حماية النظم البيئية من رؤية إلى واقع ملموس.

وشدد على أن حماية الشعاب المرجانية تمثل التزاما طويل الأمد، يتطلب الاستمرار في العمل الميداني والتعاون بين مختلف الجهات. مؤكدا أن هذه الجهود تمتد إلى أبعد نقطة في البحر الأحمر من أجل الحفاظ على ثرواته الطبيعية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

تركيب الشنمدروات في الجزر البعيدة البحر الأحمر.. الصورة من فريق الجمعية
تركيب الشنمدروات في الجزر البعيدة البحر الأحمر.. الصورة من فريق الجمعية
القانون الدولي

يقول الدكتور محمود حنفي، أستاذ علوم البحار والمستشار العلمي لجمعية هيبكا لـ«باب مصر»، تعليقا على اصطياد القرش الحوتي: “هذه الحوادث لا أخلاقية، بغض النظر عن تأثيرها على البيئة والاقتصاد. لأن هذا النوع مهدد بالانقراض، ومدرج ضمن ما يعرف بالقائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض عالميا. طبقا لاتفاقات دولية مصر طرفا فيها، وبالتالي فهي جزء من القانون المصري”.

وأضاف حنفي أن لهذه الحوادث مردودا سيئا جدا على المستوى العالمي. حيث تؤثر على سمعة مصر وقدرتها والتزامها بالحفاظ على مثل هذه الأنواع والكائنات المهددة بالانقراض. ورغم أنها حوادث فردية، فإن تأثيرها يمتد إلى الدولة ككل. كما أنها تعكس نوعا من الجهل، وتشكل إشارة إنذار بأن المخزون الطبيعي في البحر الأحمر قد انخفض إلى الحد الحرج. ما يدفع بعض الصيادين إلى البحث عن أي أسماك كمصدر للرزق.

التحديات التي تواجه البيئة البحرية

يوضح حنفي أن هذه الحوادث قد تؤثر أيضا على الحركة السياحية في مصر، خاصة أن بعض ردود الفعل أظهرت رفض عدد من المهتمين بالكائنات النادرة القدوم إلى البلاد. إلا أن مصر أعلنت على الفور عن عدد من الإجراءات تجاه القائمين بهذه الوقائع. وأظهرت قدرتها على الحفاظ على الموارد. حيث اتخذت الجهات المسؤولة خطوات صارمة، وتم القبض على منفذي هذا العمل المشين.

وأكد أن ما يهدد البيئة البحرية في البحر الأحمر، للأسف، كثير جدا، وهو أمر قائم على مستوى العالم. سواء نتيجة أفعال الإنسان أو التغيرات المناخية. موضحا أن ما تملكه مصر من موارد بيئية فريدة ونظم بيولوجية مميزة، مثل الشعاب المرجانية والحشائش البحرية وأشجار المانجروف التي تحتوي على أنواع عديدة وكائنات متنوعة. يعد محدودا إذا ما قورن بمساحة البحر الأحمر إذ يعد من البحار الفقيرة التي لا تمتلك قدرة كبيرة على إنتاج كائنات أكثر.

ولذلك، فإن الشعاب المرجانية تمثل الوحدة الأساسية التي تدعم الحياة في البحر. كما أن مساحتها لا تتعدى واحدا من عشرات الآلاف من مساحة البحر الأحمر كله. وهو ما يمثل أحد أهم التحديات المتعلقة بكيفية تنظيم الأنشطة المرتبطة بها دون التأثير عليها، من خلال تطبيق مفهوم الاستدامة.

فريق جمعية هيبكا.. الصورة بواسطة الفريق

إجراءات رسمية لحماية البيئة البحرية

يشير أستاذ علوم البحار إلى أن التنمية يجب أن تقوم على الكيف لا الكم. من حيث عدد الفنادق وعدد السائحين ومواقع الغوص، وكذلك عدد السائحين المسموح لهم بالنزول في كل موقع. موضحا أنه تم البدء في وضع حلول لذلك، من بينها إغراق معدات وأسلحة حربية تم تكهينها في مواقع محددة. بهدف تكوين شعاب مرجانية صناعية وخلق بيئة بحرية جديدة، بما يسهم في تقليل الضغط على المواقع القديمة.

ولفت إلى أن الصيد الجائر أدى إلى انخفاض المخزون السمكي. كما تم وقف الصيد الترفيهي تماما لمدة خمس سنوات. إضافة إلى قرار محافظ البحر الأحمر بمنع الصيد التجاري في بعض المناطق. وبالتعاون مع الهيئة العامة للبحيرات وتنمية الثروة السمكية، يتم وقف الصيد من منتصف إبريل حتى منتصف يوليو. وهي فترة تكاثر الأسماك، كإحدى الحلول للحفاظ على مخزون الأسماك حتى يعود إلى حالته الطبيعية.

وشدد على أن التوعية والتعليم يمثلان الأساس في الحفاظ على موارد البحر الأحمر ذات القيمة العالية. حيث تم تقدير قيمة الشعاب المرجانية في عام 2025 بنحو سبعة مليارات دولار، إلى جانب قيمتها العلمية والأخلاقية والبيئية والثقافية.

كما تمتلك قيمة اقتصادية كبيرة، إذ تعتمد جميع الاستثمارات القائمة على البحر الأحمر على هذه الموارد. وفي حالة تدهورها، ستتأثر حركة السياحة بشكل كبير. خاصة أن مصر تمتلك شعابا مرجانية قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية والنمو، بما يخلق فرصا أكبر للجذب السياحي.

وأضاف أنه يجب الاستمرار في نشر التعليم والتوعية من خلال جميع العاملين في مجالات البيئة والسياحة. وكذلك داخل المدارس من أجل الحفاظ على هذه الموارد الطبيعية المهمة في البحر الأحمر.

حماية أشهر مواقع الغواص

أوضح المهندس مصطفى عبداللاه، مسؤول فريق الشمندورات بجمعية “هيبكا”، أن فريق الجمعية المشارك في الرحلة يتكون من 6 غواصين محترفين متخصصين في تركيب وصيانة الشمندورات. وهم من أعضاء الفريق بالجمعية، مشيرا إلى أن هذه الرحلة تعد واحدة من أهم مهام الفريق. إذ تمثل رحلة الشمندورات إلى الجزر البعيدة، والتي لا تعد مجرد مهمة عمل روتينية. بل مغامرة استثنائية إلى عدد من أشهر وأجمل مواقع الغوص على مستوى العالم.

وأشار إلى أن الرحلة تنفذ برفقة أحد أفراد القوات البحرية المصرية، إلى جانب حارس من محمية البحر الأحمر. حيث يتحمل فريق الشمندورات مسؤولية تنفيذ خطة الصيانة للشمندورات الحيوية التي تضمن سلامة المراكب والغواصين. مع العمل على استبدال الشمندورات التالفة أو التي فقدت نتيجة العوامل الطبيعية.

وأضاف عبداللاه أن اختيار مواقع العمل يتم وفق خطة مسبقة يتم إعدادها بناء على رحلات صيانة واستكشاف يجريها فريق “هيبكا”. إلى جانب التنسيق وعقد اجتماعات مع قادة المراكب السياحية، للتعرف على حالة الشمندورات في مواقع الغوص المختلفة وتحديد الاحتياجات الفعلية لكل موقع.

ووصف هذه الرحلة بأنها تمثل شريان الحياة لمواقع الغوص الخلابة، وبوابة رئيسية لعشاق الأعماق لاكتشاف أسرار البحر. مشيرا إلى أنها تعكس قصة من التفاني والعمل لحماية هذا الكنز الطبيعي، والحفاظ على الشعاب المرجانية التي تعد من أثمن ما تزين به مياه البحر الأحمر.

صيانة الشمندورات بواسطة فريق جمعية هيبكا.. الصورة من الفريق
صيانة الشمندورات بواسطة فريق جمعية هيبكا.. الصورة من الفريق
دعم أصحاب اليخوت

أكد محمد عادل، أحد الداعمين للرحلة، أن أصحاب يخوت السفاري كان لهم دور بارز في إنجاحها، نظرًا لتواجدهم المستمر تقريبًا في المناطق البعيدة. مثل جزر الأخوين وأبو الكيزان وغيرها من مواقع الجذب السياحي التي تعتمد على الشعاب المرجانية والنظم البيئية السليمة.

وأوضح أن أصحاب يخوت السفاري حرصوا منذ البداية على مراعاة حالة الشعاب المرجانية. مشيرًا إلى أن عددًا منهم نبه إلى احتمالية تدهور بعض المواقع نتيجة تلف الشمندورات والحبال بوتيرة أسرع من عمليات استبدالها. وهو ما قد يؤثر على الشعاب المرجانية التي تمثل ثروة قومية لمصر ومصدر الرزق الأساسي لقطاع يخوت السفاري. وأضاف أن هذا الحرص دفعهم إلى طرح فكرة المساهمة في صيانة الشمندورات خلال فترة ركود مراكب السفاري. وقبل انطلاق موسم العمل الذي يمتد عادة من بداية إبريل وحتى نهاية نوفمبر.

وأشار إلى أن الفكرة تبناها في البداية عدد محدود من ملاك يخوت السفاري. حيث جرى طرح المشكلة والحلول المقترحة بالتعاون مع نور فريد والدكتور محمود حنفي من جمعية “هيبكا”. قبل عرض المقترح على مصطفى حفني، رئيس مجلس إدارة غرفة الغوص والأنشطة البحرية، الذي رحب بالمبادرة وأبدى استعداد الغرفة للمساهمة في تمويل المشروع.

تطبيق واتساب

لفت عادل إلى أنه تم طرح الفكرة على مجموعة ملاك يخوت السفاري عبر مجموعة خاصة على تطبيق “واتساب”، حيث لاقت تفاعلًا واسعًا، وبادر “حسن”، أحد ملاك يخوت السفاري، بتقديم يخته للمهمة لمدة أسبوعين، فيما تكفل عدد من الملاك بتغطية جزء من مصروفات الرحلة، بينما تولت غرفة الغوص تمويل الجزء المتبقي.

وأكد أن الهدف الرئيسي من المبادرة هو إشراك العاملين والمهتمين بالأنشطة البحرية في حماية البيئة البحرية والمساهمة في صناعة القرار. بما يعزز ثقافة الحفاظ على الشعاب المرجانية ونظام الرباط عليها باعتبارها مسؤولية مشتركة لا تعتمد فقط على الرقابة.

واختتم حديثه بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستتضمن تنظيم فعاليات ولقاءات مفتوحة مع قائدي يخوت السفاري (الريس) وأطقم العمل. بهدف تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة وطرح حلول عملية تسهم في رفع كفاءة المنظومة، والحفاظ على الشعاب المرجانية. بما يدعم تطوير سياحة الغوص ويعزز مكانة الساحل المصري للبحر الأحمر.

اقرأ أيضا:

سجاد وخيش وتطريز.. كيف صنعت «سيدات القصير» مشروعا للتمكين الاقتصادي؟

«باحة الفنون للتراث والتنمية».. أول مساحة آمنة للكتابة والإبداع في القصير

«تجفيف السمك» في القصير.. موروث شتوي من ذاكرة البحر الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.