من المخطوطات إلى الميادين.. «القوس والسهم» رياضة تُعيد إحياء التراث المملوكي
في ظاهرة رياضية وثقافية فريدة، بدأت ملامح مدرسة عربية جديدة في رياضة «القوس والسهم» تتشكل بوضوح، متجاوزة حدود التنافس التقليدي لتصل إلى عمق الهوية التاريخية. يقود هذه الظاهرة ثلاثة من نخبة الخبراء العرب الذين أخذوا على عاتقهم مهمة شاقة، وهي إخراج فنون «الرماية المملوكية» من بطون الكتب والمخطوطات القديمة، وتحويلها إلى رياضة عصرية ذات معايير دولية صارمة.
هنا يتحدث «باب مصر» إلى قادة هذا التحالف العربي، وهم: الكابتن سيد الشورى من مصر، محمود القليوبي من الأردن، وهاني القسام من الكويت، للكشف عن تفاصيل إحياء هذه الرياضة، وكيف يتم تدريب الجيل الجديد على رياضات عمرها 700 عام.
سيد الشورى: هندسة التأسيس في مصر
يقول سيد الشورى، مؤسس رياضة القوس والسهم العربي في مصر، والمدرب والحكم لدولي والمفوض الرسمي للاتحاد الدولي للـ(WAF) ،في حديث خاص لـ«باب مصر»:
“فكرة إحياء هذه الرياضة في مصر لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت استجابة لضرورة ثقافية ورياضية توارثناها عن الأجداد. فنحن نمتلك تاريخا عريضا في الفروسية والرماية، لكنه ظل حبيس المتاحف لفترة طويلة. ويُعد دورنا اليوم هو تحويل هذا التاريخ إلى رياضة يمارسها الشباب يوميا. حيث لا نتحدث عن استعراض فلكلوري، بل عن رياضة تتطلب لياقة بدنية عالية، وتركيزاً ذهنيا فائقا وانضباطا أخلاقيا”.
وتابع: “مصر تمتلك الآن قاعدة قوية من الرماة والمدربين المؤهلين وفقا للمعايير الدولية للرماية التقليدية”.
وأضاف: “بصفتي مفوضا للاتحاد الدولي، أعمل على دمج الرماة المصريين في البطولات العالمية. مع وضع لوائح تنظيمية تضمن سلامة اللاعبين، وفي الوقت ذاته تحافظ على روح التراث. هدفنا أن يكون لمصر فريق وطني ينافس في دورات الألعاب العالمية للرياضات التراثية”.
وحول الفروق الفنية، يوضح: “الرماية التراثية تعتمد على “الرامي” بنسبة 90% وعلى “القوس” بنسبة 10%. بينما تعتمد الرماية الأولمبية الحديثة على التكنولوجيا المساعدة في القوس. هنا تكمن المتعة: أنت وقوسك وهدفك، لا توجد عدسات ولا موازين إلكترونية، وغير ذلك. فهي رياضة تعيد اكتشاف القدرات الكامنة في الإنسان”.
القليوبي: رماية القوس والسهم علم دقيق سلمه الأجداد لنا على طبق من ذهب
يؤكد الكابتن محمود القليوبي، مؤسس “أكاديمية مملوك آرشري” بالأردن، أنه يتعامل مع رياضة الرماية بالقوس والسهم كعلم دقيق. مستندا إلى المراجع المملوكية القديمة، ووصفها بأنها تاريخ الأجداد الذي يجب الحفاظ عليه. ويقول لـ«باب مصر»: “عندما نقرأ مخطوطات مثل (غنية الطلاب في معرفة الرمي بالنشاب). نجد وصفا دقيقا لكل عضلة في الجسم، وكيف كانت حركتها أثناء الرمي. وما نقوم به في الأكاديمية هو تطبيق لهذا العلم القديم على أجسادنا اليوم”.
وأشار إلى تقنية “خاتم الإبهام”، التي تعتبر العلامة المسجلة للرماية الشرقية والمملوكية: “العالم الغربي يرمي باستخدام ثلاثة أصابع. بينما نحن نرمي باستخدام الإبهام فقط، محميا بخاتم من العظم أو الجلد. هذه التقنية تمنح الرامي سرعة مذهلة في تلقيم السهم وإطلاقه. وكانت تمكن الفرسان العرب قديما من إطلاق السهام أثناء الركوب على الخيل”.
وشدد القليوبي على أن التعاون مع مصر والكويت يمثل حجر الزاوية لتوحيد المصطلحات والمفاهيم التدريبية: “نهدف إلى توحيد الجهود. لكي لا تكون هناك اجتهادات فردية، بل مدرسة عربية موحدة لها منهج علمي واضح”.
استحضار “هيبة الفارس”
أعلن الكابتن هاني القسام، المدرب والحكم الدولي من الكويت، أن هذه الرياضة تركز بشكل كبير على الجانب الروحي والبصري. المتمثل في الالتزام بالزي والأدوات التقليدية: “ممارسة رياضة القوس والسهم لا تكتمل إلا باستحضار الحالة التاريخية كاملة. عندما أرتدي زي المماليك أو الزي العربي القديم، فهذا ليس تمثيلا، بل جزء من الإعداد النفسي للرامي. فالملابس الفضفاضة، الأحزمة الجلدية، الجعبة المزخرفة كلها أدوات تضعك في حالة من الوقار والمسؤولية. فأنت لا تحمل مجرد قوس، بل إرث أمة بأكملها”.
وأشار القسام إلى أهمية “أخلاقيات الرمي”: “التحكيم في هذه الرياضة لا يقتصر على احتساب النقاط في الهدف. بل نقيّم الرامي من الهيئة: كيف يقف؟ كيف يتنفس؟ كيف يحترم خصمه؟ هل يحافظ على هدوئه؟ هذه الرياضة مدرسة للأخلاق قبل أن تكون ساحة للتنافس. نحن نعلم الشباب الصبر، والجلد، والتحكم في الانفعالات”.
وأكد أن التفاعل الشعبي مع الرياضة في تزايد مستمر، خاصة في دول الخليج ومصر. حيث يجد الشباب رابطا قويا بجذورهم، وفي الوقت نفسه تحديا رياضيا ممتعا ومختلفا عن الرياضات السائدة.
القوس المملوكي: تكنولوجيا العصور الوسطى
لفت الكابتن محمد حمدي، مقرر عام اللجنة المصرية للرماية التقليدية والألعاب التراثية، إلى أهمية الأداة نفسها، القوس المملوكي المركب: “هذا القوس كان أهم أداة قتالية في عصره. يُصنع من نواة خشبية (غالبا من شجر القيقب)، تُلصق بقرون الجاموس من جهة البطن لمقاومة الانضغاط. وتُغطى بطبقة من أوتار الحيوانات من جهة الظهر لمقاومة الشد، وتُلصق جميعها بغراء السمك الطبيعي. هذه التركيبة تمنح القوس قدرة هائلة على تخزين الطاقة وإطلاق السهم بسرعات تتفوق على الأقواس الخشبية البسيطة الأطول حجما”.
رؤية مستقبلية: نحو “أولمبياد للتراث”
في ختام حديثهم لـ«باب مصر»، أجمع الشورى والقليوبي والقسام وحمدي على أن الطموح لا يتوقف عند التدريب المحلي. وكشف سيد الشورى عن خطط لتنظيم بطولات عربية ودولية، ووضع معايير للاحتراف. بهدف أن تصبح رياضة القوس والسهم المملوكية جزءا من الأولمبياد للرياضات التراثية عالميا.
ويقول الشوري: “رسالتنا واضحة التراث ليس ماض نحكيه، بل حياة نعيشها. عندما يمسك الشاب المصري أو العربي القوس، ويشد الوتر، ويطلق السهم، فإنه يرسل رسالة مفادها أننا أمة تعتز بتاريخها، وتستلهم منه القوة لبناء مستقبلها. القوس والسهم رياضة تجمعنا، توحد صفوفنا، وتذكرنا دائما بأن التصويب الدقيق يحتاج إلى ثبات ورؤية واضحة، تماما كما في الحياة”.
اقرأ أيضا:
من مسرح «هيبس» كانت البداية.. ختام ملتقى «واحات الفن والإبداع» بالوادي الجديد
«أسرار الهودج».. رحلة العرس البدوي بين التقاليد والهوية
على مدار 4 أيام.. «الخارجة» تحتضن مهرجان الرياضات التراثية والفنون الدولية







