مصنع سكر أبوقرقاص.. بداية موسم القصب وحكايات العمال والفلاحين
يُعد «مصنع سكر أبوقرقاص» أحد أقدم وأهم قلاع صناعة السكر في مصر، إذ يعود تأسيسه إلى أواخر القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف عن العمل والإنتاج، ليصبح جزءا أصيلا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية بمحافظة المنيا. ومع انطلاق موسم توريد السكر سنويا، يتحول المصنع إلى خلية نحل تعمل على مدار اليوم، تتجسد فيها حكايات العمال والفلاحين، وتعود طقوس الفرح المرتبطة بموسم القصب.
موسم الخير والأفراح
لم يكن المصنع مجرد منشأة صناعية فقط، بل لعب دورًا اجتماعيًا هامًا في محافظة المنيا. إذ ارتبطت به مواسم حصاد القصب، وحركة النقل، ودورات العمل الموسمية. حتى أصبح موسم القصب حدثا سنويا مهما ينتظره الجميع، وتتشكل من حوله أنماط حياة كاملة.
يقول محمد علي، أحد عمال مصنع سكر أبوقرقاص: “ننتظر جميعًا موسم كسر محصول القصب من عمال ومزارعين، والذي يستمر من بداية يناير وحتى شهر إبريل. وهو بمثابة موسم الخير والأفراح، وسداد الديون، وتجهيز العرائس، وشراء المستلزمات والاحتياجات”.
ويضيف زميله محمد عشيري، من عمال مصنع السكر: “يتحول مصنع السكر إلى ملحمة حماسية بين العمال. فالجميع على قلب رجل واحد، كل في موقعه داخل أقسام وعنابر المصنع كافة. بداية من دخول القصب على الموازين وحتى إنتاج وتعبئة السكر. ويتم توزيعنا على ثلاث ورديات على مدار اليوم طوال 24 ساعة دون توقف. رغم برودة الطقس الشديدة”.

مراحل صناعة قصب السكر
عن مراحل صناعة قصب السكر، يقول المهندس محمد شحاتة، مدير الرقابة الصناعية والجودة بمصنع سكر أبوقرقاص لـ«باب مصر»: “تبدأ مراحل تصنيع السكر منذ وصول الجرارات والقطارات وعربات نقل القصب. لنقل المحصول بعد حصاده من المزارعين. حيث تدخل أطنان القصب إلى محطة موازين المصنع لوزن عيدان القصب، ولكل سيارة كود معين. ويوجد بالمصنع شاشة كبيرة معلقة لمعرفة ميزان القصب، ومن هنا تبدأ مراحل صناعة السكر داخل المصنع”.
ويتابع شحاتة: “تبدأ مرحلة التجهيز، والتي يمر فيها القصب عل قاطعات تحتوي على مجموعة من السكاكين الحادة والشريدر. وذلك لتحويل القصب إلى قطع صغيرة تسمى “الباجاس” أو “المصاص”. ثم يمر بالمرحلة الثانية من صناعة السكر، وهي مرحلة الاستخلاص، التي تتم في عنبر العصارات. حيث يمر الباجاس خلال مجموعة من العصارات لاستخلاص العصير الرئيسي من القصب”.
عصير الانتشار
يكمل المهندس محمود توفيق، مدير عام هندسة تشغيل مصنع السكر ابوقرقاص، مراحل تصنيع: “بعد استخلاص العصير الرئيسي من القصب، تأتي مرحلة جهاز الانتشار. والتي يتم تمرير فيها طبقة من المصاص بارتفاع نحو مترين داخل الجهاز. مع إضافة الماء على المصاص من أعلى لاستخلاص السكر المتبقي به. ثم يتم خلط العصير الرئيسي مع عصير الانتشار معا”.
ويتابع: “بعد ذلك يتم الحصول على العصير الخليط، وهو الذي يدخل المرحلة الثالثة من مراحل صناعة السكر. وهي مرحلة المعالجة الحرارية والكيميائية. حيث يتم تسخين العصير الخليط من خلال مجموعة من السخانات (المبادلات الحرارية) حتى يصل إلى 75 درجة مئوية. ثم يتم إضافة لبن الجير ومعالجة العصير المجير للحصول على عصير رائق شفاف ذي لون فاتح”.
وتلي ذلك عملية تبخير العصير لتركيزه. ثم بلورته بالتبريد ليتحول إلى بلورات. وبعدها يتم فصل البلورات عن الشراب المتبقي “الدبس” باستخدام جهاز الطرد المركزي.

طبخ السكر
عنبر الطبخ في المصنع هو قلب عملية تبلور السكر، وحول هذه المرحلة يقول محمد علي حسن، مشرف قسم الطبخ بمصنع سكر أبوقرقاص لـ«باب مصر»: “عنبر الطبخ في مصنع السكر هو قلب عملية تبلور السكر وتكوين حبيباته. وهي المرحلة التي يتم فيها طبخ عصير السكر المركز لتبخير باقي الماء وتكوين بلورات السكر. حيث يدخل العصير المبخر إلى أجهزة تُسمى المبخرات. ثم إلى أوعية الطبخ أو المبلورات، وهي المرحلة التي يتم فيها بلورة السكر، ليخرج بعدها إلى عنبر النفض لفصل السكر عن السائل المحيط به. ثم تتم عمليات التجفيف والتنقية النهائية للسكر”.
مراحل التبخير.. شريان الحياة لمصنع السكر
تأتي مرحلة التبخير في مقدمة أهم مراحل صناعة السكر، ويصفها رضا فرج وهيب، أحد عمال المصنع في قسم التبخير قائلا: “تعد المراجل البخارية شريان الحياة لمصنع السكر. فهي التي تضمن استمرارية الإنتاج بكفاءة عالية، وتساهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة. كما تتطلب استثمارات كبيرة في الإنشاء والتأهيل. حيث نحتاج إلى توفير البخار اللازم لعمليات التسخين والتبخير والتنقية وتوليد الطاقة”.
ويتابع: “غالبا ما نقوم بحرق تفل قصب السكر “الباجاس” كمصدر للوقود، سواء في غلايات مواسير اللهب أو غلايات مواسير المياه. ثم تقوم المراجل بتوليد الطاقة لتشغيل التوربينات التي تولد الكهرباء اللازمة للمصنع. وتوفير البخار والحرارة المطلوبة لعمليات استخلاص العصير والتبخير والتصفية والتبلور والتجفيف. ويعد تفل القصب وقودا حيويا نظيفا يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويحسن استدامة المصنع”.

ذكريات عزبة الفوريقة
يروي الحاج حامد رمضان، 70 عاما، من أبناء عزبة الفوريقة، التي تعد سكنا لعمال مصنع السكر، حكايات وذكريات الفوريقة التي عاشها مع والده، الذي كان يعمل بها. وهو الاسم القديم لمصنع السكر، والذي كان يدار بالآلات البخارية: “كان يطلق على المصنع اسم “فابريقة” أو “فابريكة “. وهي كلمة إيطالية تعني المصنع، وقيل إنها كلمة فرنسية. وتعتبر فوريقة أبوقرقاص من أقدم الفوريقات التي أنشاها الخديوي إسماعيل بالمنيا عام 1869م. وكان زمام الفوريقة يشمل أطيان تفتيش تُزرع بها آلاف الأفدنة من القصب. وكان يعمل بها آلاف العمال من أبناء القرى المحيطة. إلى جانب العمالة الموسمية التي كانت تقوم بتكسير القصب وتنظيفه وشحنه بالعربات والجمال واستقباله بالمصنع”.
ويكمل رمضان: “إلى جانب العمال، كان هناك أطقم المهندسين والموظفين الأجانب الذين عملوا بالإدارة. وكان يرأسهم الأميرالي في ذلك الوقت، منذ أكثر من 120 عاما”.
وأضاف: “كان عمل الفوريقة يستمر على مدار 24 ساعة بنظام الورديات التي تعمل ليلا ونهارا. وكانت تضاء بواسطة “وابور النور”، وتتفرق أنواره على العنابر والآلات والمخازن وجميع أماكن العمل. وكان للفوريقة سكك حديد زراعية لجلب القصب إليها من الغيطان. وكانت الفوريقة قديما تنتج 500 قنطار سكر أبيض، و200 قنطار سكر أحمر أقماع، و50 قنطار سبيرتو”.
وأشار إلى أن الفوريقة اشتملت قديما على ماكينات وآلات قوية من الحديد والنحاس كانت تدور بقوة النار. كما شملت عصارات للقصب، و”وابورا” لإدارة الغرابيل، بالإضافة إلى نوارج لغسل القصب، و”وابور” لتوزيع المياه، و”وابورات” للحرارة. منها وابوران لتكرير الشربات بالقزانات، و”وابورات” لعمل الجلاب. واثنان لطبخ العسل الرجيع، و”وابورات” لإدارة دواليب تكرير السكر الأبيض الحب، وخزانات لتوصيل المياه إلى قزانات العصير. و”وابور” لإدارة ورش الحديد والنحاس والبرادة، و”وابوران” لتكرير السبيرتو. إلى جانب ورش للحدادين والخراطين والنجارين. ومخازن عمومية لجميع أدوات الفوريقة وآلالتها، ومخازن لحفظ السكر يوميا، وأخرى لحفظه سنويا.
اقرأ أيضا:
روائح الكستور وأغاني الزمن الجميل.. جولة في شارع القماشين بالمنيا
أفراح البطاطس في «البرجاية».. موسم الحصاد وفرحة الفلاحين
«الليلة الكبيرة».. مسرح العرائس يحيي التراث المصري في قرى المنيا



