دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

لو كان الحنين إلى الماضي طبقًا من الطعام، كيف سيكون طعمه؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكن حين طرحه عليّ خوان كارلوس، أحد مؤسسي مشروع Footnotes لاستكشاف الإسكندرية سيرًا على الأقدام، فتح بابًا واسعا للتأمل في نوع الحنين الذي نحمله تجاه المدينة. هل هو حنين إلى ماضٍ عشناه فعلًا، أم إلى ماضٍ متخيل عن الإسكندرية الكوزموبوليتانية في مطلع القرن العشرين، دون أن نكون قد عاصرناه؟

وهم معرفة التاريخ

كثيرًا ما نعتقد أننا نعرف تاريخ الإسكندرية، نتغنى بأنها كانت مدينة جميلة ذات طابع مميز، ثم نبكي عليها معتقدين أنها مدينة بائدة، وينتهي الحديث عند هذا الحد. ومن خلال صور قديمة لبعض الأحياء، مثل الحي اللاتيني، نصنع وهم المعرفة، وهو ما يمنعنا عن طرح الأسئلة أو محاولة الاكتشاف الحقيقي.

منهج لا جولة سياحية

أثناء إحدى جولات Footnotes، التي أسسها الزوجان المصري والجواتيمالي وفاء عبد العزيز وخوان كارلوس، بدا هذا الوهم جليًا. إذ يضعان اقتباسًا على خريطة إحدى الجولات يقول: “الإسكندرية مدينة لا تكشف عن نفسها بسهولة. قبل أن تمنحك أسرارها، تحتاج إلى وقت، ودراسة، وحب”.

هذا الاقتباس ليس مجرد كلام شاعري، بل يمثل منهجا في التعامل مع المدينة، ليس فقط كمدينة سياحية، بل نصّا مركّبا متعدد الطبقات يحتاج إلى تفكيك. فوفاء باحثة ماجستير في علم المصريات ولديها خلفية في التراث، بينما عمل خوان وسيطا ثقافيا لدى منظمة الأمم المتحدة. هذا التنوع في الخلفيات انعكس على طبيعة الجولات، التي تمزج بين المعرفة الأكاديمية والسرد الإنساني. وبين التاريخ الرسمي والتجربة الشخصية.

خريطة لجولة Footnotes.. تصوير: ميرنا جوهر
خريطة لجولة Footnotes.. تصوير: ميرنا جوهر
المشي كأداة للمعرفة

هنا يتحول التجوّل من فعل عابر إلى أداة للاكتشاف. فحين نمشي بغرض المعرفة، نبطئ إيقاعنا، وتبدأ حواسنا في التقاط ما كنا نتجاهله، ساحة، أو مبنى، أو تفصيلة صغيرة تثير تساؤلا لم يكن مطروحًا من قبل. وخلال الجولة، ظل سؤال يلاحقني: هل نستطيع القول إن هذه المدينة هي الإسكندرية نفسها، بينما يتغير جزء منها عامًا بعد عام؟

الإسكندرية وسفينة ثيسيوس

الإسكندرية مدينة أُحرقت بعض أجزائها مع دخول يوليوس قيصر، ثم دُمّرت أجزاء أخرى عام 1882 على يد البحرية الإنجليزية. ومع ذلك وُلدت مرة أخرى، ولكن بشكل مختلف. هذا التغيّر المستمر يذكّر بالمفارقة الفلسفية لسفينة ثيسيوس، التي تستبدل أجزاؤها قطعة بعد قطعة حتى تتغير بالكامل. فهل تظل السفينة نفسها أم تصبح سفينة أخرى؟

السؤال ذاته ينطبق على الإسكندرية: هل هي مدينة واحدة تتغيّر، أم مدن متعاقبة تحمل الاسم نفسه؟

وفاء عبد العزيز تشرح تاريخ أوبرا سيد درويش.. تصوير: ميرنا جوهر
وفاء عبد العزيز تشرح تاريخ أوبرا سيد درويش.. تصوير: ميرنا جوهر
أوبرا سيد درويش.. طبقات من الثقافة

في إحدى محطات الجولة، نقف أمام واحدة من أبرز علامات الحي اللاتيني: أوبرا سيد درويش في شارع فؤاد. تأخذنا وفاء في رحلة عبر العصور لتكتشف أن هذا المكان لم يكن وليد القرن العشرين، بل كان مركزًا للثقافة والمعرفة منذ زمن بعيد. فقبل الأوبرا الحالية، كان هناك مسرح أقدم هو مسرح زيزينيا، شُيد عام 1864. وخلال أعمال الحفر آنذاك عُثر على تمثال للإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس.

حين تعود الوظيفة لا المبنى

لم يكن ماركوس أوريليوس مجرد إمبراطور، بل كان فيلسوفًا رواقيًا أيضًا، وتشير وفاء إلى أن وجود تمثاله في هذا الموقع يدل على أن المكان كان يحمل قيمة معرفية وثقافية كبيرة قبل قرون طويلة من بناء المسرح. والمثير هنا، كما توضح، ليس الاكتشاف الأثري في حد ذاته، بل ما يحمله من دلالة. فحتى إن لم يكن من أمروا ببناء المسرح على علم بما كان مدفونًا تحته، عاد المكان ليؤدي الدور ذاته بعد قرون.

وكأن الثقافة في الإسكندرية تُبنى فوق نفسها، لا تمحو ما قبلها، بل تعيد إنتاجه في صورة جديدة. وهنا تتردد مقولة جاستون زانانيري: “رغم أن الإسكندرية يبلغ عمرها ألفي عام، فإنها لا تزال الإسكندرية. هناك دائمًا شيء من الماضي يعود في كل لحظة”.

ساحة المتحف اليوناني الروماني.. تصوير: ميرنا جوهر
ساحة المتحف اليوناني الروماني.. تصوير: ميرنا جوهر
ذاكرة المكان الحركية

هذا التداخل بين الأزمنة لا يقتصر على المسارح ودور الأوبرا، بل يظهر أيضًا في الاستخدام اليومي للأماكن. ففي وقتنا الحاضر، شاع استخدام ساحة المتحف اليوناني الروماني، بعد تطويرها وإعادة افتتاحها، لممارسة لعبة الباتيناج. وهي ظاهرة تبدو حديثة، لكنها في الحقيقة امتداد لاستخدام أقدم للمكان.

فبحسب ما يذكره خوان ووفاء، كان يوجد على الجانب الآخر من هذه الساحة كازينو حديقة روزيتا، الذي احتوى على حلبة تزلج كبيرة للباتيناج، قبل أن يهدم ويقام مكانه مبنى باراسكيفاس. ومع اختفاء الكازينو، انتقلت ممارسة اللعبة إلى الجهة المقابلة أمام المتحف.

يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه عودة للاستخدام، وإن تغيّر المكان، وكأن الذاكرة الحركية للمدينة أكثر عنادًا من عمارتها.

طعم النوستالجيا

مع اقتراب الجولة من نهايتها، يتحول الحديث من الأماكن إلى ما تتركه فينا، لنعود مجددا إلى سؤال النوستالجيا. يصفها خوان بأنها تشبه القهوة، مُرّة وحلوة في آن واحد، بينما تراها وفاء مثل العسل بالطحينة؛ خليط لا يمكن فصل حلاوته عن مرارته.

إجابتان مختلفتان، لكنهما تتفقان على أن الحنين ليس شعورًا صافياً، بل تجربة مركّبة، مرتبطة بالثقافة والذاكرة.

الزوجان في إحدى جولات Footnotes.. تصوير: ميرنا جوهر
الزوجان في إحدى جولات Footnotes.. تصوير: ميرنا جوهر
الذاكرة طعم عابر

يحكي خوان بابتسامة عن محل ألبان وادي النيل بالمنشية، الذي يعمل منذ عام 1947، وكيف أعاده طعم الحليب الطبيعي إلى طفولته في جواتيمالا. لم يكن هذا الأمر استدعاءً لذاكرة كاملة، بل ومضة حسية عابرة. موقف صغير يوضح أن الذاكرة أحيانًا لا تظهر كصورة، بل كطعم يزورنا فجأة يختفي.

لماذا footnotes؟

هذا التركيز على التفاصيل الصغيرة هو ما يقود إلى اسم الجولات نفسه. يشرح الزوجان أن اختيار اسم Footnotes (الحواشي السفلية) جاء ليعبر بدقة عن منهجهما. فالحكايات التي يرويانها ليست فصولا كاملة من كتب التاريخ، بل تفاصيل صغيرة جدا لا تتعدى الأسطر أو الصفحات. وهذا تماما مثل الحواشي السفلية هي معلومة صغيرة في بعض الأحيان نتجاهلها أو ننتظر عندما ننهي الصفحة لكي نقرأها وحين نقرأها نكتشف أنها مهمة وتجعلنا نفهم أكثر وبشكل أعمق. فالإسكندرية ليست نصًا مباشرًا، بل كتابًا مليئًا بالحواشي، يحتاج إلى قراءة بطيئة.

في النهاية، قد لا تقدم جولات Footnotes إجابة قاطعة عما إذا كانت الإسكندرية مدينة واحدة أم مدنًا متعددة، لكن المؤكد أنها تمنحنا ما هو أهم: “القدرة على الرؤية”. تذكّرنا بأن المدينة كائن حيّ لا يستسلم للملاحظة العابرة، وأن فك شفراتها لا يحتاج إلى البكاء على أطلالها، بل إلى الوقت، والمشي، والشجاعة في أن نعيد اكتشاف ما ظننا يوما أننا نعرفه.

اقرأ أيضا:

حين لم يكن الحنين كافيا: «الآرت ديكو» بين الماضي والحاضر

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.