«محمية الدبابية» بالأقصر.. سجل جيولوجي يكشف التغير المناخي قبل 55 مليون عام
على بعد نحو 30 كيلومترًا جنوب محافظة الأقصر، وبين مدينتي الأقصر وإسنا، تقع «محمية الدبابية»، إحدى أهم المواقع الجيولوجية، ليس فقط على مستوى مصر، بل على مستوى المجتمع العلمي الدولي. يحمل هذا المكان في طبقاته الصخرية سجلًا دقيقًا لأحد أخطر وأهم التحولات المناخية التي شهدها كوكب الأرض قبل نحو 55 مليون عام، كما يؤرخ لفترة من أعنف الأزمات المناخية في تاريخ الأرض، ويمثل في الوقت نفسه جرس إنذار ورسالة علمية مفتوحة للعالم مفادها أن ما حدث قبل ملايين السنين يمكن أن يتكرر إذا لم يُحسن الإنسان التعامل مع كوكبه.
الاحترار الحراري الأقصى
يقول محمد عبد الغني، باحث أول ومدير محمية الدبابية، لـ«باب مصر»: “جاءت تسمية المحمية لقربها من قرية الدبابية التابعة لمجلس قروي الشغب بإسنا”، موضحًا أن أهميتها لا ترتبط بموقعها الجغرافي فقط، بل بقيمتها العلمية الفريدة. إذ تصنف كمحمية جيولوجية تهدف إلى الحفاظ على تكوينات صخرية تؤرخ لفترة انتقالية مهمة بين عصرين جيولوجيين هما الباليوسين والأيوسين”.
وتكمن أهمية هذا الموقع في توثيقه لما يعرف بمرحلة “الاحترار الحراري الأقصى”. وهي فترة شهدت ارتفاعًا حادًا في درجات حرارة الأرض وصل إلى نحو 7 درجات مئوية. وهو ارتفاع كبير مقارنة بالجهود العالمية الحالية التي تسعى إلى حصر الزيادة في حدود 1.5 إلى درجتين فقط.
فهم سيناريوهات التغير المناخي الحالية
يضيف عبد الغني أن دراسة هذه المرحلة تساعد العلماء على فهم سيناريوهات التغير المناخي الحالية. والتنبؤ بما قد يحدث مستقبلًا في ظل استمرار الانبعاثات وارتفاع درجات الحرارة. مشيرًا إلى أن تلك الزيادة القديمة أدت إلى تحمض المحيطات واختفاء العديد من الكائنات الدقيقة. وتأثرت الحياة على الكوكب لفترة طويلة امتدت إلى نحو 200 ألف عام.
ويمثل القطاع الجيولوجي بالمحمية، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 3.8 متر، سجلًا متكاملًا لهذه المرحلة الانتقالية. إذ تبدأ الطبقات السفلى بعصر الباليوسين الذي تميز باستقرار نسبي في المناخ والحياة. ثم تظهر طبقات تشير إلى بداية الارتفاع الحراري، تليها طبقات تمثل ذروة الأزمة البيئية، قبل أن تبدأ الحياة في التعافي تدريجيًا في الطبقات الأعلى.
قطاع عياري دولي
حظيت محمية الدبابية باعتراف دولي مهم. حيث أعلن الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية اعتماد الموقع كـ“قطاع عياري دولي”، وهو المرجع العالمي الرسمي لتحديد الحد الفاصل بين العصرين. وتم تثبيت ما يعرف بـ“المسمار الذهبي” في الموقع. وهو علامة علمية تستخدم عالميًا للدلالة على المواقع المرجعية الفريدة.
ويرجع اكتشاف الموقع إلى أوائل الألفية الجديدة، حيث كانت المنطقة تستخدم في استخراج الطفلة لأغراض زراعية. ما أدى إلى كشف القطاع الجيولوجي بوضوح. ومع تزامن ذلك مع بحث دولي عن أفضل موقع يمثل هذه المرحلة الزمنية، زار فريق علمي دولي المنطقة عام 2002. ووجد أن القطاع مكشوف بالكامل، ومتكامل، وسهل الوصول، وآمن للدراسة.
تفوقت على أكثر من 30 موقعًا حول العالم
يؤكد مصطفى محمد عبد الوهاب، باحث بيئي بالمحمية، أن الفريق الدولي كان يبحث عن موقع تتوافر فيه شروط دقيقة. من بينها اكتمال الطبقات ووضوحها وعدم وجود فجوات زمنية، مضيفًا أن الدبابية تفوقت على أكثر من 30 موقعًا حول العالم. قبل أن يتم اختيارها بالإجماع كموقع مرجعي عالمي عام 2003، ثم إعلانها محمية طبيعية رسميًا عام 2007.
ومن المفارقات العلمية أن المنطقة التي يقف عليها الزائر اليوم كانت في الماضي البعيد قاعًا لبحر عميق، يصل ارتفاع عمود المياه فيه إلى نحو 150 أو 200 متر. وتدل على ذلك حفريات الأسماك والكائنات البحرية الدقيقة الموجودة داخل الصخور. والتي يحتفظ متحف المحمية بنماذج منها. ولا تقتصر أهمية الدبابية على الجانب العلمي فحسب، بل تمتد إلى جهود التوعية البيئية والمجتمعية.
مفهوم المحميات الطبيعية والتغيرات المناخية
يوضح إبراهيم ناصر حسن، باحث بشؤون البيئة، أن إدارة المحمية تعمل على رفع الوعي لدى طلاب المدارس والجامعات من خلال الندوات والزيارات الميدانية. بالتعاون مع وزارات التربية والتعليم والشباب والرياضة وقصور الثقافة، مشيرا إلى أن هذه الجهود كشفت عن ضعف الوعي لدى قطاعات واسعة من الطلاب بمفهوم المحميات الطبيعية والتغيرات المناخية. وهو ما دفع فريق العمل إلى تكثيف الأنشطة التعليمية، واستقبال زيارات مدرسية وجامعية بشكل منتظم. إضافة إلى تنظيم أيام بيئية وورش عمل داخل المحمية.
مسارات السياحة البيئية في محافظة الأقصر
تسعى الدولة حاليًا إلى تطوير الموقع ليصبح ضمن مسارات السياحة البيئية في محافظة الأقصر، إلى جانب السياحة الأثرية المعروفة عالميًا. خاصة أن الموقع يقدم تجربة علمية وثقافية مختلفة تربط بين تاريخ الأرض القديم وقضايا المناخ المعاصرة.
كما جرى تجهيز المحمية بمركز للزوار ومرافق للعاملين، واستخدام الطاقة الشمسية، وإقامة لافتات تعريفية حجرية. إلى جانب إحاطة الموقع بسور لحمايته من أي تعديات، في إطار خطة لإدراجه مستقبلًا على قائمة التراث الطبيعي العالمي لليونسكو.
اقرأ أيضا:
«جداريات الملقطة».. مشروع فني يحول جدران الأقصر إلى متحف مفتوح
غضب في الأقصر بعد هدم منزل «حسن فتحي» وإعادة بنائه بشكل مخالف للتصميم الأصلي
بمشاركة 100 طيار.. الأقصر تختتم فعاليات الدورة السابعة من «إيجيبت جيت» للطيران الشراعي









