«محسن أبوالعزم».. بلاغة التشويه وغزلية بائع العرقسوس

محسن أبوالعزم من أكثر الفنانين تفانيا في كشف تجليات الروح المصرية من خلال التحامه الشديد بالعوالم الشعبية، وتسليط أضوائه عليها، وتقديمها في صورة جديدة تكشف أعماقها، وتمنحنا بهجة عجيبة من خلال مهارة الخطوط والألوان، وقدرتها على جذبنا للتفاصيل الواقعية التي نعرفها بشكل يجعلنا نشعر أننا لم نكن نعرفها، وأنه يمسك يدنا لنراها للمرة الأولى.

تحتاج أعمال محسن أبوالعزم إلى قراءات كثيرة لكي تعمق وعينا بجماليات التشويه، ودورها في تقديم العوالم الشعبية بهويتها الخاصة وأعماقها الدفينة، تقديما يجعل تلك العوالم شديدة السطوع والحيوية. وكأن الفنان يقدم صرخة هائلة تعبر عن افتقاده لتلك الأجواء الإنسانية الفطرية الحميمة.

سوف أتوقف هنا عند لوحته «بائع العرقسوس» لنمعن في تفاصيلها ونرصدها ونحللها من خلال كشف أبعادها الرمزية والدلالية. على أمل الاقتراب مع عالم ذلك الفنان الكبير.

***

تقدم اللوحة مشهدا حيا من الحياة الشعبية يقوم على المزاوجة بين الطرح الفوتوغرافي الذي ينقل الواقع نقلا حرفيا. والطرح التعبيري الذي يمارس قدرا من الانحراف عن المشهد الواقعي ليمنحنا فرصة للتحرك من السطح إلى الأعماق. كما يمارس الفنان قدرا من التشويه البليغ للتفاصيل الواقعية وذلك بالمبالغة في تقديم بعض الجزئيات وتضخيمها بشكل لافت، وهو بليغ  لأنه محسوب بدقة شديدة، ومتناغم جدا مع بقية عناصر اللوحة، وبليغ لأن الفنان ينجح عبر هذا التشويه الفني في تقديم  دلالات تتعلق بالعالم الجواني لشخوصه، وكشف الفطرية في أشد صورها وضوحا. الأمر الذي يوحي بسرِّ اجتنابه للمظاهر الحديثة، وغرقه في تفاصيل الحياة الشعبية الأصيلة، قبل أن تتفاعل مع طوفان التحديث.

تتمحور اللوحة حول بائع العرقسوس الذي يقف في الصدارة بزيه التقليدي. في سوق شعبي صغير في مكان ساحلي، ويقوم ببيع المشروب للعابرين. بائع العرقسوس لا يشغل الفنان في حد ذاته، لا لأنه لا يستحق، فهو في حد ذاته جدير بأعمال فنية تنشغل به وحده. وهو ما رأيناها بالفعل في لوحة للفنان أحمد بيومي، ولوحة للفنان محمد سليمان، ولوحة للفنان سعيد أحمد وغيرهم.

محسن أبوالعزم ينشغل ببائع شراب العرقسوس في ظل التحامه بالجماعة الشعبية. وقدرته على التعبير عن الخصوبة، وصراعها مع الزمن والظروف المعيشية، ولهذا اختار ثلاثة نساء يتمتعن بالجمال لينافسن بائع العرقسوس في صدارة اللوحة.

***

المشهد يقدم لقطة ثابتة بطبيعته، إلا أنه يبدو متحركا، لأنه يحمل قصة قصيرة جدا لها زمنها الماضي. وأحداثها السابقة التي يمكن تخيلها من كمية العرقسوس المسكوبة فوق الأرض، والتي تدل على افتتان بائع العرقسوس بالفتاة. وربما قيامه بقول كلمات غزلية من الكلمات الشائعة في الحياة الشعبية. وهو ما تعبر عنه وضعية الفتاة التي تشيح بجسمها عن بائع العرقسوس. كما تدل بواقي كمية العرقسوس التي يشربها الرجل الواقف على يمين اللوحة على الزمن القصير للقصة. أي الزمن الذي استغرقه تناول الكوب من البائع وسرعة تناوله، ونشعر بدقة الفنان هنا في تساوي كمية العرقسوس التي شربها الرجل فعلا بكمية العرقسوس التي سالت فوق التراب.

المشهد يحتوي على مجموعة من العناصر الشعبية، الظاهرة والخفية. حيث يقف في الصدارة بائع العرقسوس، وعلى يساره ثلاث سيدات في أعمار مختلفة، يبتعدن عنه بدرجات متفاوتة وإن كانت متقاربة. ثم رجل يبيع السمك يرتدي جلبابا وطاقية الصيادين البيضاء، وعلى يمين اللوحة جزء من حمار يبدو مربوطا في عربة، ورجل يمد فمه يشرب العرقسوس ويبدو أنه صاحب الحمار. وهناك في الخلفية تظهر امرأة، ورجل، وعلى يسار اللوحة بيوت قليلة وعلى يمينها بيوت تنتهي بجامع، وفي الخلفية شاطئ البحر ومركب صغير. والمشهد بشكل علم يأخذنا إلى أجواء سوق في زمن تختفي فيها مظاهر الحداثة تماما. وأبسطها عدم وجود الكورنيش الذي يفصل الشاطئ عن المكان، وعمارة البيوت التي تحيلنا إلى زمن يرجع إلى بداية القرن العشرين تقريبا.

1ـ رمزية الظل:

سطوع الشمس يشغل أغلب مساحة المشهد، ويظهر الظل في الزاوية اليسرى، ويصطدم بالحائط ليعبر عن نهاية المشهد، وقد اختار الفنان بقعة الظل بعناية شديدة. فهو يغطي جزءا من القدم اليمنى للمرأة رقم 3 من حيث بعدها عن بائع العرقسوس. كما يغطي معظم ساقها اليسرى، وكذلك جسم بائع السمك الذي يرتدي البرنيطة البيضاء. ويرمز هذا القسم إلى جزء مُنْطفِئ في حياة الرجل والمرأة. وهو جزء صغير بالنسبة للمرأة، وكبير بالنسبة للرجل. أي أن المرأة هنا فقدت جزءا صغيرا من بريقها بينما الرجل فقد بريقه تماما باستثناء رأسه. الذي لايزال يفكر ويشتهي ويحلم أو يتمنى بل ويتغزل من خلال غطاء الرأس الذي يبتعد عن دلالته العادية كغطاء للرأس ويميل قليلا للأمام ليشارك بجزء في غزلية بائع العرقسوس.

2ـ بلاغة التشويه:

يظهر اهتمام الفنان بالتفاصيل المشوهة من خلال التضخيم ونفخ الأجساد كما نشاهد في سيقان النسوة. أو مط وجه الرجل الذي يشرب العرقسوس ليرمز إلى حاجته الشديدة لتناول المشروب وشغفه الشديد به، لكن درجة مط الوجه تذهب إلى أبعد من ذلك، لأنها تجعل الوجه شبيها بوجه الحمار. ربما ليوحي بأنه صاحب الحمار، أو ليوحي بالغاية الواحدة لهما وهي إشباع البطن، أو ليوحي لبراءة العالم الشعبي واحتوائها الحنون للإنسان والحيوان معا.

يتم التشويه أيضا، بالبتر الفني الذي يحجب التفاصيل ويكشفها في نفس الوقت، وتوجد تلك التفاصيل في المنطقة التي تظهر فيها أشعة الشمس، لا في منطقة الظل التي تنتهي بالحائط. حيث يتم تشويه الحمار ببتر قسم من جسمه، والاكتفاء بنصفه الأمامي، لكن هذا البتر الفني لا ينتج عنه أي قدر من القبح. بل يستخدمه الفنان ليوحي بامتداد المشهد وانفتاحه على تفاصيل أخرى، بخلاف منطقة الظل التي توحي بالنهاية.

كما تظهر بلاغة البتر في وجود بعض الآثار التي لا يظهر مصدرها مثل الدخان الذي يتصاعد خلف الرجل الذي يشرب العرقسوس. ويبدو كما لو كان صاعدا من مبخرة لا يظهر حاملها. أو من شيشة مقهى ملاصق لكنه لا يظهر في اللوحة. وهذا يعطي انطباعا بأن المشهد يتداخل مع مشاهد أخرى، حجبها الفنان ليبرز حكاية بائع العرقسوس مع النسوة الثلاث. ويؤكد على أن الزخم الشعبي بنوعيه الظاهر والخفي يعبر عن انشغالات الفنان وحنينه الجارف لأجواء الحارة الشعبية المزدحمة بالنفوس والأرواح.

3ـ رمزية الجسد:

يقوم الفنان في تنظيم وجود النساء، فهم ينتظمون في صف ولا يحطن به، والمسافة بين كل واحدة وأخرى توحي بالتفاوت فيما بينهن من حيث الأنوثة. فالأقرب إلى البائع تبدو أصغرهن سنا، والتي تليها أكبر قليلا، وأكبرهن الثالثة. وتظهر البكارة في وضع الأولى من خلال خجلها والتفاتها بعيدا عن بائع العرقسوس. بينما تتوجه إليه الثانية بقدر من التعجب والسخرية وبملامح تعبر عن تجاوزها القريب لمرحلة البكارة. بينما ترقب الثالثة بمزيد من السخرية وكأنها تشترك في الغزلية بملامح ساخرة، تحتوي على قدر من الحنين.

ينحرف تشكيل المشهد عن الواقع في طريقة تشكيل أعضاء الجسد، فتظهر سيقان النساء ووجوههن بشكل منتفخ أو أكبر مما عليه في الواقع. لتأكيد خصوبتهن وشدة حضور الحياة فيهن، وتظهر اللوحة نعومة جسد الأولى والثانية قياسا بالثالثة التي تظهر فيها عضلات الساعد التي تعبر عن القوة والعمل الدائم وكأنها ربة بيت في مرحلة تربية الأولاد.

4ـ رمزية الأسنان الكبيرة:

يلعب الفنان أيضا بالأسنان ليطرح العالم الجواني للشخصيات، وهو لا يلتفت لجمال الأسنان كما في عرفنا. بل يتمرد على نظرتنا السائدة لجمال الأسنان، وهكذا يسلح بطل اللوحة، بأسنان كبيرة وقوية لتدل على شدة شغفه وقوته الجوانية. فالفنان لا ينشغل بالوسامة الخارجية بقدر ما ينشغل بالوسامة الداخلية، والأسنان الكبيرة لا تشوه الرجل بقدر ما تعبر عن قوته وصلابته ومشاعره الفطرية.

تظهر الأسنان الرقيقة في ابتسامة الفتاة الأولى وهي تعبر عن الخجل، والمرأة الثانية وهي تعبر عن القوة والدهشة والتعجب وكأنها تقول بدلال شعبي “يخيِّبك راجل”.

تختفي الأسنان في فم المرأة الثالثة، كما تختفي أسنان البائع الواقف في الظل وفي يده كوب الشاي الفارغ تقريبا. كناية عن قرب انتهاء حياة الرجل، ونهاية الكوب هنا تتناغم مع انتهاء المشهد واصطدامه بالحائط في تلك المنطقة. التي تختفي فيها أشعة الشمس، وتختفي فيها الأسنان. وهكذا تعبر منطقة الظل عن أفول العمر بدرجات مختلفة. كما تظهر الأسنان في فم السيدة التي تبتسم على يمين اللوحة، وتختفي الأسنان في الرجل الذي يقف أقصى اليمين، الوحيد الذي ينظر دون أن يندمج مع غزلية بائع العرقسوس. وكأنه مشغول بمتاعب الحياة، أو يقف في مكان لا تدخله الشمس حتى في النهار. لأنه يعيش في ظل آخر، وهو ظل الظروف المعيشية وهموم الحياة، وكأنه يكبت فحولته، ويوجه طاقتها إلى أمور السوق والرزق. إن حضور الأسنان وغيابها وأحجامها المختلفة كلها أدوات في يد الفنان يرمز بها إلى جوانب داخلية ويأخذنا من خلالها إلى عالمه الفني.

5ـ رمزية الملابس:

يستخدم الفنان ملابس الشخصيات كأدوات فنية يعبر من خلالها عن رؤيته، وفي المركز هناك زي بائع العرقسوس. حيث يتناغم لون البنطلون الأسود مع لون العرقسوس الذي يسيل خارج الكوب، وفي الأعلى يرتدي ملابس بيضاء تتناغم مع لون الإبريق الكبير الذي يحمله.

غطاء رأس بائع العرقسوس يتكون من طاقية حمراء وشاش بلون أخضر خفيف. فاللون الأحمر يعبر عن الشبق، واللون الأخضر يحدد الطابع العفيف لذلك الشغف. كما أن الطاقية تميل إلى الأمام تعبير عن الميل الوجداني والغزل، ومن المعروف أن انحراف غطاء رأس الرجل عن موضعه يعد نوعا من أنواع الغزل.

ميل طاقية بائع العرقسوس للأمام يتناغم مع وقفته وميل جسمه للأمام بشكل يجعل وقفته أقرب إلى وقفة فارس يهم بالمبارزة، أو بمصارع يهم باللعب مع الثيران.

في إطار رمزية الملابس تأتي قبعة الرجل الذي يقف في الظل بلا أسنان. حيث تميل قبعته وكأنها تهم بالسقوط، فالعلاقة الضعيفة بين الرأس والقبعة تجسد أيضا المسافة بين جسد الرجل الضعيف وأمنياته القوية. بخلاف غطاء رأس بائع العرقسوس الذي يقف راسخا وثابتا في الجسد رغم ميله للأمام.

رمزية الملابس تشمل الملاءة السوداء التي ظهرت أساسا لتغطي الجسد وتحجبه عن الآخرين، لكنها هنا تذهب إلى العكس تماما. وتلعب دورا في إبراز مفاتن الجسد، وتوضيح هوية النسوة الثلاث. حيث تظهر بدانة المرأة الثالثة مثلا التي تقف على مشارف الظل بلا أسنان.

غطاء الرأس الأنثوي، حلية جمالية أكثر منه غطاء لستر الشعر أو حماية الرأس من الشمس. ونلاحظ هنا اختلاف وضعيات غطاء الرأس بالنسبة للنسوة الثلاث، فيظهر في مقدمة رأس البنت البكر. وفي نهاية رأس السيدة الكبرى، وكأنه واحد من تبعات مرور الأيام. أي أن الرموز الصغيرة تنجح في تحقيق وحدة العمل الفني، وتتضافر بشكل ملحوظ لتعبر عن شخصية الفنان ومهارته في التشكيل.

اقرأ أيضا:

شعراء السبعينيات ولطميات جوائز الدولة

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر