دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«ماما.. خطي العتبة»: حين تستعيد الأمهات أصواتهن المفقودة

في إحدى قاعات مركز الجزويت الثقافي تجلس مجموعة من الأمهات في دائرة صغيرة، تتنفس كل واحدة منهن ببطء، كأنها تحاول للمرة الأولى استعادة صوتها الداخلي الذي اختفى وسط صخب المسؤوليات اليومية. تتبادل النساء نظرات صامتة محمّلة بما هو أعمق من الكلام: تعبٌ مزمن، وذنبٌ متراكم، وخوفٌ من الاعتراف بالهشاشة. هنا، في هذه المساحة التي تحمل اسم «ماما.. خطي العتبة»، يبدأ شيء نادر الحدوث؛ أن تتكلم الأم بلا دفاعات، بلا مقارنة، بلا محاولة لإظهار القوة. أن تقول ببساطة: «أنا بشر.. ومحتاجة حد يسمعني»”.

هكذا وُلد العرض؛ من الرغبة في تحويل الهمس إلى حكاية مسموعة، ومنح الأمهات فرصة لعبور عتبة جديدة في حياتهن، ليست عتبة البيت، بل عتبة أنفسهن.

صدمة الأمومة الأولى

افتُتح العرض الختامي للورشة برقصةٍ تعبيرية من تصميم وأداء حنين أحمد، تُعيد رسم الحلم الأول: طفلة صغيرة تتخيل الأمومة كخطوة ساحرة نحو النضج. تتحرك الراقصة بخفة تُشبه خطوات الحلم نفسه، لكن مع اقترابها من “تحققه” يتغير كل شيء. يثقل الجسد، يتباطأ الإيقاع، وتظهر في الحركة ارتعاشة صدمة أولى، ثم ثانية.. كأن الضغوط تتساقط عليها من كل الجهات.

تتحول الرقصة إلى مواجهة صامتة مع الألم، ومع التنظير المتكرر الذي تتلقاه من الأمهات الأكبر سنًا. تلك النصائح الجاهزة التي تخترقها أكثر مما تساعدها. وفي اللحظة الحاسمة، تتوقف الراقصة في منتصف الخشبة، ظهرها منحني قليلًا كأن الوحدة هوت فجأة فوق كتفيها.

ورغم الحب الذي يشع في كل حركة تجاه طفلها، يمر في الجسد نزيف خفيف من الحنين، رغبة مكبوتة في أن تعود طفلة مرة أخرى، فقط لتنسى ما كسرته التجربة وتركته خلفها.

كانت الرقصة، بتصميم وأداء حنين أحمد، وحدها كافية لقول القصة كلها، بدون كلمة واحدة.

كيف صاغت ميار منصور عرضًا يمشي بين الحكاية والمسرح؟

حرصت مخرجة العرض على ألا يبقى العمل مجرد تجميع لحكايات متجاورة. بل نَسْجٌ بصري ودرامي يتحرك بين الحكي المباشر وبناء مسرحي متخيَّل.

في البداية اختارت مزيجًا من الفانتازيا والحلم: “حدوتة” عن مدينة تتمنى الأمهات العيش فيها، مدينة نور بعيدة عن مدينة الظلام التي يسكنها الاكتئاب والخوف. كانت تلك الافتتاحية محاولة لفتح باب تخيّل جماعي، يتيح للجمهور رؤية ما يأتي من حكايات ليس فقط كوقائع شخصية، بل كرحلة بحث عن ضوء مشترك.

واحد من أهم رهاناتها كان أن تُغنّي الأمهات بأنفسهن بين الحكايات. كأن الغناء هنا هو الفراغ التنفسي بين جروح الحكاية، أو الجسر العاطفي الذي يسمح للجمهور أن ينتقل من تجربة لغيرها دون أن يفقد الإحساس بالخيط المشترك.

كما ربطت ميار بين القصص التي تجمعها تيمة واحدة، مثل حكايات “الرحم”، لتظهر النساء كأنهن مرايا لبعضهن، تعكس كل واحدة ما تخبئه الأخرى. وفي إحدى اللحظات، صاغت حوارًا بين أم وابنتها يشبه رسالة تُبعث وتعود، فيتحول العرض نفسه إلى بريد عاطفي مفتوح.

هكذا بدأت ميار منصور الرحلة

تشرح ميار منصور، مدرّبة ورشة “ماما.. خطي العتبة” ومخرجة العرض، أن الفكرة وُلدت من قلب تجربتها الشخصية مع الأمومة. بعد إنجاب طفلها عمر وجدت نفسها في مواجهة تحدٍّ جديد كل يوم. لحظات تشعر فيها بالنجاح وأخرى يسيطر فيها الفشل والذنب على المشهد. كانت تخجل من التعبير عن هذه المشاعر بصوت عالٍ، فتتسلل الوحدة إليها بصمت.

ومع الوقت اكتشفت أن ما تمر به ليس استثناءً، وأن معظم الأمهات، باختلاف تجاربهن وظروفهن، يحملن الثقل نفسه. من هنا ظهرت الفكرة: لماذا لا نصنع مجتمعًا صغيرًا نتشارك فيه التجربة وندعم بعضنا؟ مساحة تقول فيها كل أم: “أنا مش لوحدي”. وجاءت الورشة امتدادا لشغف ميار بالحكي الذي يرافقها منذ أكثر من أحد عشر عامًا. وتحول لاحقًا إلى عرض فني يخرج هذه الأصوات إلى النور.

ذنبٌ يتكرر على ألسنة الجميع: القاسم المشترك الذي وحّد الأمهات

استندت التجربة إلى اقتباس من كتاب إيمان مرسال “كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها” الذي تقول فيه: «يبدو الشعور بالذنب. وكأنه الشعور الذي يوحد الأمهات على اختلافهن». تؤكد ميار أن هذا الشعور كان حاضرًا في أغلب الحكايات.

تقول: «الأم اللي قارنت نفسها بالغير اضطرت تضغط على ولادها ليكونوا مبهرين للناس، لدرجة فقدان التواصل معهم، أو الأم الطموحة اللي كل خطوة في طموحها بتحس إن الوقت ده كان ممكن يُستغل لصالح ابنها. حتى ابنها الصغير شجعها على متابعة أحلامها».

وتضيف: «شعور الذنب ملازم للأمومة، مهما حاولنا نعالجه، بيظهر ويختفي. ولما نتقبله نصبح قادرين على تحويله لحكاية فنية تُعرض على المسرح».

بهذا، تحوّل الذنب من شعور ثقيل ومسكوت عنه إلى مادة درامية تسمح للأمهات بمواجهة تجاربهن والتعبير عنها بصوتٍ مسموع.

ورشة تجمع نساء مختلفات

في اختيار المشاركات، حرصت ميار على التنوع: «أهم حاجة إن الأمهات تكون مختلفة في كل شيء… في الأعمار، والحالة الاجتماعية. وفي كون بعضهن ربات بيوت والبعض الآخر عاملات، الفكرة إن كلنا مشتركات في كل المشاعر والتجارب، رغم اختلاف الخلفيات».

شاركت في الورشة: أميرة محسن، ريهام حسين، ولاء محمود، أمير إبراهيم، إيمان عيسي، أماني إدوارد، سحر عبدالخالق، رشا أحمد مراد، نسرين طلعت، إيناس محي الدين، مروة عبدالله، وهالة الزقم. هذا التنوع أتاح مساحة غنية للحكي. حيث برزت طبقات من المشاعر لم تكن متوقعة.

توضح ميار: «كنت متوقعة إن مش كل الأمهات هتشارك على المسرح، لكن مع شعورهم بالأمان بدأت الحكايات المدفونة تظهر. حكاية أم لم تجرؤ على التعبير عن ألمها بصوت عالي بعد تجربة استئصال الغدة اللبنية. وأخرى عن استئصال الرحم في سن صغير وشعورها بالفقد، حتى تجاه الأطباء».

التنوع في الخلفيات جعل المشاهد الشخصية للألم والنجاح أكثر تأثيرًا. وأظهر كيف يمكن لمكان آمن أن يحفّز البوح ويحوّل التجارب الفردية إلى مادة فنية ملموسة.

معمل الحكي العاطفي

حين بدأت ميار في تصميم الورشة، كانت ترى أن مفتاح التجربة هو خلق مساحة آمنة. تقول: «هي مساحة دعم من غير تنظير أو نقد أو تقييم». فجوهر ورشة الحكي الشخصي بالنسبة لها هو أن تسمح لكل أم بأن تنظر داخل تجربتها بصراحة. قبل أن تتحول هذه الصراحة إلى مادة فنية.

اعتمدت ميار في البداية على تمارين الكتابة الإبداعية باعتبارها خطوة أولى نحو التعافي. إذ تكتب المشاركات تجاربهن ومشاعرهن بصورتها الخام. ثم يُعاد تشكيل هذه النصوص لتصبح حكايات معدّة للأداء. بعدها بدأت مرحلة التدريب الفني: «ابتدينا نتعلم بشكل مبسط أداء الحكايات، وتمارين الصوت والنفس، علشان الستات يكتسبوا ثقة في صوتهم وحضورهم».

ولتعميق التجربة، دمجت ميار بين الحكي وفنون الارتجال والسايكودراما. استضافت الفنانة هبة مؤنس لتقديم ورشة ارتجال ساعدت الأمهات على اكتساب الجرأة والانفتاح والتخلص من رهبة المسرح. ثم جاءت إيمان جابر، الأخصائية النفسية والمعالجة بالسيكودراما، لتفتح طبقات أعمق من المشاعر. تقول ميار: «كانت تجربة عظيمة. قدرت تفتح أبواب وطبقات من المشاعر المدفونة، وخلّت الأمهات يتكلموا عن الوجع بأريحية».

بهذا المزج بين التعبير الفني والعمل العاطفي، تحوّلت الورشة إلى مساحة للتعافي الجماعي، وإلى معملٍ حيّ يُصاغ فيه الألم والخبرة الشخصية ليصبحا مادة درامية تُقدَّم على المسرح دون أن تفقد صدقها مع الجمهور.

خصوصية التجربة وجرأة المسرح

واحدة من أبرز التحديات التي واجهت المدربة كانت الحفاظ على خصوصية المشاركات وحساسية تجاربهن، في الوقت ذاته الذي تتحول فيه هذه التجارب إلى مادة فنية للجمهور. توضح ميار: «كنت مدركة إن مش كل الناس تقدر تتكلم عن تجاربها الصعبة. فوفرت مساحة للبوح دون أي تدخل مني في شكل الحكاية. مع استرسال في المشاعر وتعاطف كامل من جانبي».

في الورشة، كان للأمهات حرية اختيار مشاركة قصصهن أمام الجمهور، أو الامتناع عن ذلك، أو الاعتماد على حكاءة محترفة لتوصيل الحكاية. ومع مرور الوقت، اكتسبت السيدات الجرأة، وأدركن أهمية تحويل تجاربهن الخاصة إلى صوت يُسمع ويُحتفى به على المسرح.

من الخوف إلى الثقة

التحدي الأكبر كان تدريب أمهات لم يسبق لهن الوقوف على المسرح أو تجربة الأداء أمام جمهور. توضح ميار: «أنا أم ومريت بمعظم التجارب، وبينا أشياء مشتركة كثيرة، وده ساعد في بناء ثقة بسهولة بيننا، لأنني أتعامل بعين الأم مش بعين المدرب فقط». لم يكن هدفها إخراج الأداء المثالي، بل خلق مساحة آمنة للتعبير والمشاركة. شاركت فيها ميار أيضًا مواقف مؤلمة من تجربتها الشخصية.

خلال التدريبات، بدأت السيدات تكتسب الجرأة تدريجيًا، من ثمانية مشاركات في البداية، ارتفع العدد إلى عشر. ثم إلى اثنتي عشرة مشاركة. ومع الوقت، كسر التدريب والخبرة المشتركة رهبة المسرح، وتحولت الورشة إلى مساحة للتعافي والمواجهة، تعزز الثقة بالنفس وتفتح المجال لكل واحدة للتعبير بحرية.

حين يلتقي الحكي بالوعي

يأتي العرض النهائي لورشة “ماما.. خطي العتبة” بالتزامن مع حملة الـ16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة. توضح المخرجة: «اهتمامي الأول والأخير في المشروع هو توصيل صوت الأمهات وتجاربهن بشكل فني جذاب وممتع ليهم وللجمهور».

وحول علاقة الفن بالنقاش المجتمعي، تقول ميار: «الفكرتين غير متعارضتين.. الفن فن من أجل ذاته ومن أجل المتعة. وهذا هو أساسه، لكن يمكنني استخدام الفن الممتع والجذاب في طرح قضايا توعوية ومجتمعية وتنموية، ليكون أكثر تأثيرًا ووصولًا لفئات أكبر من الجمهور». وهكذا يتحول عرض الحكي إلى مساحة تتقاطع فيها المتعة الفنية مع الرسالة الاجتماعية. مما يخلق توازنًا بين التعبير الفني والتأثير المجتمعي.

شبكة الضوء

لم تكن الورشة والعرض ليظهرا إلى النور لولا شبكة الدعم التي أحاطت بالمشروع منذ لحظته الأولى. تتصدر مؤسسة “نساء من أجل العدالة” هذا الدعم. تقول ميار: «المؤسسة عندها مشروع كبير اسمه “استعادة أصواتنا”، يخص إن النساء يعبّروا عن مشكلاتهم من خلال الحكي. علشان كده تكفّلوا بالدعم المالي للورشة. وكمان دعمونا كقائمات على المشروعات علشان نطوّر أدواتنا الفنية والإدارية للاستمرارية».

أما مركز الجزويت الثقافي، فله مكانة خاصة في التجربة؛ فهو أحد البيوت الأولى التي احتضنت ميار منذ بداياتها مع الحكي عام 2014. تستعيد تلك العلاقة بامتنان قائلة: «الجزويت بيدعمني من أول يوم اشتغلت فيه حكي، أبوابه كانت مفتوحة دايمًا. ولما اتكلمت مع مدير المركز، أبونا ماريو، ساعدني جدًا في توفير المساحات اللي اشتغلنا فيها الورشة، وكمان المسرح اللي استضفنا عليه عرض نتائجها».

هكذا اكتملت الدائرة: شغف شخصي، ومساحة داعمة، وشركاء يؤمنون بقوة الصوت حين يتحوّل إلى حكاية.

حكايات تتغيّر بالجغرافيا

لم تتوقف التجربة عند حدود الإسكندرية، فميار تسعى لتكرار الورشة في مناطق أخرى، مع مراعاة خصوصية السياق الاجتماعي والثقافي لكل منطقة. تقول: «السنة اللي فاتت كنت بدرب سيدات عاملات في مجال الزراعة والصيد في بني سويف والبحيرة مع مؤسسة نواة. ومن خلال الورشة المصغرة لاحظت كيف تتقاطع أعباء العمل مع ضغوط الأمومة». وتضيف: «إذا كررت التجربة في الصعيد، أنا متأكدة إن الموقع الجغرافي والموروث الثقافي سيكون له تأثير قوي على تجربة الأمومة. مما يخلق حكايات مختلفة تماما».

اقرأ أيضا:

بين عبثية كافكا وواقع المسرح المستقل: كواليس عرض «بيتر الأحمر»

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.