«ليالي الأنس في سفاجا».. كيف فقد المسرح مكانته وأثره المجتمعي؟
مع الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، يبرز نموذج مدينة سفاجا كواحد من أبرز تجارب الحضور المسرحي الفاعل. إذ شهد خلال الفترة من 2000 إلى 2010 نشاطا لافتا بعروض متنوعة جمعت بين الكوميديا السياسية والاجتماعية والأعمال الجادة. واستضافت مخرجين من مختلف المحافظات. ما أسهم في صقل المواهب وتعزيز التفاعل الجماهيري، حتى أطلق عليها «ليالي الأنس في سفاجا». غير أن هذا الحراك تلاشى اليوم، وتوقفت العروض، ليبقى المسرح مجرد ذكرى بعد أن كان منارة للوعي والقيم الفنية.
فترة ازدهار المسرح
يستعرض شاذلي عبد العزيز، شاعر وممثل بفرقة سفاجا المسرحية التابعة لقصور الثقافة وإقليم جنوب الصعيد، فترة ازدهار المسرح في مدينة سفاجا. مؤكدا أنها كانت مرحلة استثنائية شهدت حراكا فنيا وثقافيا واسعا. قدمت الفرقة خلالها عددا كبيرا من العروض المسرحية التي تنوعت موضوعاتها ولامست قضايا المجتمع. من بينها مسرحيات: بكرة وطاقة شوف، العجوز والظابط والمليونير، رحلة حنضل المسيري، والطاغية.
وتابع أن فرقة مسرح قصر ثقافة سفاجا شاركت في مهرجان المسرح الذي أقيم بالمدينة عام 2004 بمشاركة عشرات الفرق من مختلف المحافظات. حيث استضافت سفاجا أكثر من عشرين فرقة على مدار أسبوع كامل في تظاهرة فنية غير مسبوقة. لاقت صدى واسعا حتى أطلقت الصحف على تلك الفترة لقب “ليالي الأنس في سفاجا”، في إشارة إلى حالة الزخم والإقبال الجماهيري الكبير.
تكريم كمال الشناوي
يشير عبد العزيز إلى أن ختام المهرجان أقيم بمسرح قصر ثقافة سفاجا. وشهد لحظة فارقة تمثلت في تكريم المبدعين وتوزيع الجوائز على يد الفنان القدير كمال الشناوي. وهو ما منح الحدث قيمة فنية كبيرة ورسخ في ذاكرة أبناء المدينة كواحد من أهم المحطات المسرحية.
ويؤكد أن الفرقة كانت تضم نحو عشرين ممثلا وحققت نجاحات لافتة. حيث حصل أحد ممثلي عرض تراحيل على جائزة أفضل ممثل في العروض المسرحية على مستوى الجمهورية. وهو إنجاز يعكس قوة الفرقة وتميزها الفني خلال تلك الفترة، التي مثلت العصر الذهبي للمسرح في سفاجا من عام 2000 إلى 2010. لما شهدته من دعم وتفاعل جماهيري واهتمام رسمي.
إغلاق المسرح: ضربة قاسية أنهت الحلم الثقافي
ينتقد شاذلي عبد العزيز تراجع الحركة المسرحية في الوقت الحالي ويقول: “اختفاء هذا النشاط جاء نتيجة غلق مسرح قصر ثقافة سفاجا بقرار من الحماية المدنية. بسبب تهالكه وعدم مطابقته لاشتراطات السلامة. ما جعله يشكل خطورة على الجمهور والممثلين. وهو ما أدى إلى غياب مكان رسمي للعروض وحرمان الشباب من منصة يقدمون من خلالها مواهبهم”.
ويلفت إلى أن محاولات استعادة النشاط المسرحي ما زالت قائمة من خلال جهود فردية وبعض العروض المحدودة. إلا أنها تظل غير كافية في ظل غياب البنية التحتية والدعم المؤسسي. مؤكدا أن عودة المسرح في سفاجا تحتاج إلى رؤية حقيقية تعيد لهذا الفن دوره التنويري وتأثيره في المجتمع
إهمال لا نقص مواهب
تؤكد سوسن عبد الرازق، معلمة لغة عربية بمدينة سفاجا وممثلة سابقة بقصر ثقافة سفاجا خلال الفترة من 2000 إلى 2010، أن المسرح كان يمثل حالة فنية وثقافية متكاملة. حيث كانت العروض المسرحية تجمع بين السينما والمسرح في أجواء حيوية تشهد حضور مخرجين من مختلف المحافظات للعمل لفترات تمتد لشهور. ما أتاح حالة من الزخم الفني والتجارب المتنوعة التي أسهمت في صقل مهارات الممثلين. وخلق حالة من الشغف الحقيقي تجاه المسرح.
وتتابع: “شاركت في عدد من العروض المسرحية التي كانت تقدم على مدار ثلاثة إلى أربعة أيام متتالية. وتتنوع موضوعاتها بين الكوميديا السياسية والاجتماعية. تلك العروض كانت تلقى إقبالا جماهيريا كبيرا رغم بساطة المدينة. وهو ما يعكس وعي الجمهور وارتباطه بالفن الجاد وقدرته على التفاعل مع قضايا مجتمعه من خلال المسرح”.
وتشير سوسن إلى أن المسرح لعب دورا مهما في توعية المجتمع. حيث كان يقدم رسائل مباشرة وغير مباشرة تمس القضايا اليومية للمواطنين وتساهم في تشكيل الوعي العام. مؤكدة أن المسرح لم يكن مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة فعالة في بناء الفكر وتعزيز القيم داخل المجتمع.

دور المسرح حاليا
تنتقد عبد الرازق تراجع دور المسرح في الوقت الحالي، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في الممثلين. بقدر ما ترتبط بضعف الاهتمام من القائمين على المنظومة الثقافية وإهمال المسرح في العديد من المدن. ما أدى إلى غياب هذا التأثير القوي الذي كان يلمسه الجمهور سابقا.
وتنوه بأن الدولة كانت تولي اهتماما كبيرا بالأنشطة الثقافية في السابق. حيث كانت ترسل مدربين ومتخصصين لدعم الفرق المسرحية وتنمية المواهب. وهو ما ساهم في ازدهار الحركة الفنية على مستوى بيوت الثقافة، التي تحولت الآن في بعض الأماكن إلى مساحات مهملة تفتقد لدورها الحقيقي.
وتطالب عبد الرازق بضرورة إعادة إحياء المسرح من خلال توفير أماكن رسمية مخصصة للعروض. بدلا من الاعتماد على الجهود الفردية فقط. مؤكدة أن الجمهور يثق بشكل أكبر في الكيانات الرسمية، وأن عودة المسرح بشكل منظم ومدعوم من الدولة سيعيد له بريقه ودوره المؤثر في المجتمع.
دعم الدولة يصنع مسرح متكامل الأركان
يؤكد إبراهيم خليل، مدير قصر الثقافة السابق، أن المسرح كان يحظى بدعم مؤسسي واضح من الدولة. حيث كانت تخصص له ميزانية سنوية لتشكيل الفرق المسرحية. واعتماد مخرجين محترفين لتدريب الأفراد واختيار النصوص والعمل عليها لعدة شهور في إطار منظم، يهدف إلى تقديم عروض مكتملة العناصر
ويوضح أن تلك العروض كانت تخضع لتقييم شامل من لجان متخصصة تابعة للمسرح أو وزارة الثقافة. حيث يتم فحص جميع التفاصيل من ديكور وصوتيات وملابس. وعلى أساس هذا التقييم يتم إقرار زيادة الميزانية أو تسجيل الملاحظات لتفاديها في المواسم التالية. وهو ما كان يمثل دافعا حقيقيا لتقديم أعمال قوية ومؤثرة تنبع من واقع المجتمع وتناقش قضاياه الحساسة بشكل مباشر.
عزوف المشاركين وراء انحسار المسرح
يرى خليل أن تراجع المسرح والذوق الثقافي في مدن البحر الأحمر يعود إلى عدة أسباب. أبرزها انخفاض إقبال العناصر الفنية على المشاركة في العروض. بعدما كانت الفرق تضم مختلف فئات المجتمع من الموظف إلى المدرس والعامل ورجل الشارع. إلا أن تسارع وتيرة الحياة اليومية وتراجع الحالة الثقافية العامة ساهما في عزوف الكثيرين عن المشاركة. إلى جانب ضعف الاهتمام من القائمين على المنظومة الثقافية.
ويشير إلى أن مدن البحر الأحمر كانت تشهد حالة من الحراك الثقافي الملحوظ. حيث كان لكل بيت ثقافة أو قصر ثقافة فرقة مسرحية مدربة، وفرقة للأطفال، إلى جانب فرق للإنشاد والغناء الشعبي. وهو ما خلق حالة من التفاعل المجتمعي الواسع مع الأنشطة الثقافية.
كما أكد أن المسرح كان يترك بصمة واضحة في حياة الناس. حيث كان الجمهور يحفظ عبارات من المسرحيات ويتداولها في أحاديثه اليومية، ويناقش القضايا التي تطرحها العروض. بما يعكس مدى تأثير الفن في تشكيل الوعي الجمعي. لافتا أن المسرح، إلى جانب الموسيقى والشعر، يعد من أهم أدوات بناء الإنسان وتعزيز السلام الروحي داخل المجتمع.

تجربة مسرح الشلاتين
يروي إبراهيم خليل تجربته خلال فترة عمله في الشلاتين. حيث نجح في تكوين فرقة مسرحية حرص من خلالها على تقديم عروض تناقش العادات والتقاليد القبلية وقضايا الزواج والتعارف بين القبائل. وقد لاقت هذه الموضوعات تفاعلا كبيرا من الجمهور رغم بساطة المجتمع.
ويستعيد خليل مظاهر ازدهار الحياة الثقافية في الماضي، مؤكدا أن الأنشطة لم تكن مرتبطة بمواسم محددة بل كانت ممتدة طوال العام. فخلال شهر رمضان كانت تقام مسابقات فنية وعروض يومية. كما كانت تنظم عروض مسرحية وإنشاد ديني خلال موسم الحج في سفاجا سواء للحجاج أو المودعين بشكل منتظم. وهو ما اختفى تدريجيا دون أسباب واضحة، رغم أهميته في دعم الوعي المجتمعي.
تراجع الدور المؤسسي
يؤكد محمود سعد، ممثل سابق بقصر ثقافة سفاجا، أن تجربة المسرح شكلت مرحلة مهمة في حياته الفنية. حيث شارك في عدد من العروض مثل هب النسيم، الطاغية، ومولد سيدي شيكا مارا. قبل أن يتجه للعمل كمساعد مخرج.
ويوضح أن العمل المسرحي في تلك الفترة كان يعتمد على عناصر متكاملة تبدأ من جودة خشبة المسرح وقوة النصوص. مرورا بتدريب الممثلين على أيدي مخرجين متخصصين. والاستعانة بمهندسي ديكور، وتنظيم ورش عمل مستمرة داخل قصور الثقافة. وهو ما كان يخلق حالة فنية حقيقية قائمة على الاحتراف، رغم أن المشاركين كانوا من الهواة.
ويشير سعد أن هذا الاهتمام تراجع تدريجيا مع إهمال المؤسسات الثقافية. حيث أصبح قصر الثقافة مكانا مهملا بعد أن كان منارة فنية. ويضيف أن المبررات التي كانت تطرح لغلق المسرح دائما ما تدور حول ضعف الاعتمادات المالية، في الوقت الذي ظهرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي كمنافس قوي. جذب اهتمام الشباب دون أن يقدم بديلا حقيقيا يحمل نفس القيمة الثقافية.

المسرح مدرسة القيم
ينتقد سعد غياب الدعم الموجه للكتابة المسرحية، مؤكدا أن هناك تراجعا واضحا في تشجيع المؤلفين على إنتاج نصوص قوية. أو تنظيم مسابقات في التأليف المسرحي أو الرواية، على غرار مسابقات الشعر. وهو ما أدى إلى ضعف الإنتاج الفني واختفاء الحافز لدى الهواة الذين لم يعد لهم مكان حقيقي داخل المنظومة الثقافية.
ويرى أن اختفاء المسرح لم يكن مجرد غياب لنشاط فني. بل كان له تأثير مباشر على وعي الأجيال الجديدة. حيث نشأ الشباب بعيدا عن القيم التي كان يغرسها المسرح من خلال مناقشة القضايا الإنسانية والاجتماعية بشكل واع ومنظم. ويؤكد أن المسرح كان يخضع لرقابة وتقييم يضمن تقديم محتوى هادف يرسخ المبادئ الأخلاقية.
السوشيال ميديا تملأ الفراغ بلا ضوابط
يحذر محمود سعد من ترك الشباب تحت تأثير منصات التواصل الاجتماعي دون توجيه حقيقي. موضحا أن هذه المنصات تقدم محتوى متنوعا لا يمكن السيطرة عليه أو ضبطه، ولا يخضع لمعايير واضحة. وهو ما أسهم في ظهور أجيال أقل وعيا وثقافة. وأبعد عن القيم الأصيلة للمجتمع المصري مقارنة بما كان يقدمه المسرح من دور تربوي وتثقيفي منظم.
وشدد على ضرورة إعادة بناء منظومة ثقافية متكاملة تعيد الربط بين الفنون المختلفة من مسرح وتمثيل وكتابة وإخراج. وتدعم تكوين روابط فنية تجمع المبدعين وتتيح لهم عرض أعمالهم بشكل منظم. سواء على خشبة المسرح أو عبر وسائل حديثة بشكل احترافي. مؤكدا أن عودة المسرح تمثل خطوة أساسية لاستعادة الوعي الثقافي والهوية المجتمعية.
اقرأ أيضا:
من قلب الأعماق.. «هيبكا» تقود مهمة بحرية لحماية كنوز البحر الأحمر
سجاد وخيش وتطريز.. كيف صنعت «سيدات القصير» مشروعا للتمكين الاقتصادي؟
«باحة الفنون للتراث والتنمية».. أول مساحة آمنة للكتابة والإبداع في القصير





