«كنيسة العذراء مريم».. صرح تاريخي يجمع بين العبادة والخدمة في أسوان
في قلب مدينة أسوان، تتربع كنيسة «القديسة العذراء مريم والقديس دانيال كومبوني»، إحدى أقدم كنائس الأقباط الكاثوليك في جنوب مصر، والتي تأسست منذ أكثر من قرن ونصف، أي منذ منتصف القرن التاسع عشر. وعلي مدار تاريخها الطويل، لم تقتصر الكنيسة على إقامة الصلوات والقداسات، بل امتدت أنشطتها لتشمل تقديم خدمات تعليمية وصحية، واستقبال المصريين والأجانب الوافدين إلي أسوان خلال فترة إنشاء السد العالي، ما جعلها صرحا تاريخيا مهما في المدينة ومرجعا لأنشطة الأقباط الكاثوليك.
تأسيس الكنيسة واليوبيل التاريخ
يقول الأب أمجد عزت، الراعي المساعد بكنيسة الأقباط الكاثوليك بأسوان «كنيسة القديسة العذراء مريم والقديس دانيال كومبوني»، إن الكنيسة شيدت في عهد الأسقف الأنبا أنطونيو روفيجو في ديسمبر عام 1896. وهي من الكنائس الأثرية في أسوان، وأقيم فيها أول قداس منذ ذلك الوقت. مما جعلها من أقدم الكنائس التي خدمت منطقة جنوب الصعيد، وبالأخص مدينة أسوان.
ويضيف أن الكنيسة لم تقتصر خدماتها على الأقباط الكاثوليك فقط. بل كانت على مدار تاريخها الممتد لأكثر من قرن ونصف تفتح أبوابها لاستقبال وخدمة كل من يتردد علي مدينة أسوان. وأشار إلى أن هذا العام هو عام احتفالي يوبيلي للكنيسة. وهو ما يمثل محطة مهمة في تاريخها الروحي والإنساني. موضحا أن للكنيسة وثائق وسجلات تاريخية لضيوف زاروها، بالإضافة إلى قرار ملكي أو جمهوري بملكية الأرض. ما يؤكد مكانتها البارزة جدا والمشهورة.
اقرأ أيضا: «مدفون البيض والطعمية».. أبرز أكلات أسبوع الآلام في أسوان

لوحة القديسة العذراء
يشير الراعي أمجد أن الكنيسة تحتضن أيقونة أساسية ولوحة فنية تاريخية للقديسة العذراء مريم؟ تظهرها متجلية في السماء كسلطانة على السموات والأرض، ووفق العقيدة الكاثوليكية هي أم السيد يسوع المسيح. وهو ما يجعلها إحدى أهم أيقونات الكنيسة منذ تدشينها.
وينوه بأن هذه اللوحة محفوظة منذ تأسيس الكنيسة. وتعد من أقدم المقتنيات التاريخية، ما يمنحها قيمة أثرية وروحية كبير. إلى جانب مجموعة من اللوحات التاريخية الأخرى وقناديل الإنارة التي كانت تستخدم قبل دخول الكهرباء قديما، لتشكل معا جزءا من التراث الفني والمعماري والروحي للكنيسة. مما يجعلها مقصدا للزوار والباحثين في فنون الكنائس والآثار.
ملاذ روحي للمصريين والأجانب
يستكمل الراعي أمجد حديثه قائلا إن الكنيسة تعد من الكنائس الكاثوليكية التي تمارس أنشطة منفتحة على مستوى العالم. حيث تستقبل الجميع وتقدم خدماتها دون تمييز، لافتا إلى أنها كانت موجودة قبل بناء السد العالي. وكانت تخدم قطاعا كبيرًا من الأجانب الذين تواجدوا في أسوان خلال فترة بناء السد العالي. إضافة إلى المصريين الوافدين من مختلف المحافظات.
وأكد أن خدمات الكنيسة لم تقتصر على الخدمة الروحية فقط، بل امتدت إلى تقديم خدمات صحية من خلال الراهبات التابعات للقديس دانيال كومبوني. فضلا عن المسيرة التعليمية من خلال مدرسة “سانت تريز” الملحقة بالكنيسة، والتي تعد من أشهر المدارس في مدينة أسوان. حيث بدأ إنشاؤها بالتزامن مع إنشاء مستوصف للكنيسة لتقديم التعليم والخدمات الصحية في الوقت نفسه لخدمة المجتمع. في إطار الدور المجتمعي للكنيسة الذي لا يقتصر على العبادة والإرشاد الديني فقط، بل يمتد إلى خدمة المجتمع بشكل شامل.
اقرأ أيضا: «سانت أوجيني».. أقدم كنيسة في بورسعيد تحكي تاريخ الجاليات
العمارة والفن المعماري الفريد
فيما يتعلق بالعمارة، يقول الأب أمجد إن الشكل المعماري للكنيسة من الخارج قائم على الطراز البازيليكي. حيث تتكون من ثلاثة أروقة، بينما تتميز من الداخل بعدم وجود أي أعمدة. وهو ما يعد من مظاهر التقدم ونوعا من الفنون المعمارية التي تميزت بها الكنائس في صعيد مصر في ذلك الوقت.
ولفت إلى أن الطراز البازيليكي هو أسلوب معماري روماني قديم كان يستخدم كقاعات للمحاكم والاجتماعات العامة. قبل أن يستخدم لاحقا في بناء الكنائس لتميزه بالاتساع والمظهر المهيب. ليصبح النموذج القياسي للكنائس المسيحية الأولى لقرون طويلة.
ويتميز هذا الطراز بتصميم مستطيل واسع يعرف باسم “الصحن”. مع نوافذ مرتفعة في الجدران العليا تسمح بدخول الضوء. وهو ما يعرف بـ”البازيليكا المضاءة”، بالإضافة إلى تجويف نصف دائري في نهاية الكنيسة يوضع فيه المذبح. بما يمنح المبنى طابعا معماريا مميزا يعكس قيمته التاريخية. وأكد أنه لم يتم إجراء أي أعمال ترميم للكنيسة منذ إنشائها حتى الآن. ولكن يتم تنفيذ تجديدات دورية تشمل أعمال الصيانة والدهانات وتجديد الأرضيات للحفاظ على رونقها التاريخي والمعماري.
شخصيات بارزة في تاريخ الكنيسة
من أبرز الشخصيات التي مرت على الكنيسة وكان لها دور مهم سواء من الجانب الإيماني أو التعليمي، القديس دانيال كومبوني، أول قديس جاء إلى إفريقيا. حيث كان دور محوري في تأسيس الكنيسة في فترة غلبت فيها العبودية. إذ بدأ يبشر بقيم الحرية والإنسانية.
وأشار الراعي أمجد إلى أن القديس دانيال أصر على أن يكون موقع الكنيسة في هذا المكان رغم طبيعة المنطقة قديما قبل تغيرها. حيث كانت تقع بعد الشلال الثاني خلال فترات الفيضانات القديمة. وقد لعب دورا مهما في النشاطات التعليمية والصحية والخدمية، لتصبح منارة للأقباط الكاثوليك في جنوب مصر عبر القرون.
احتفالات عيد القديسة مريم وذكري التأسيس
أكد الأب أمجد أن من أهم المناسبات التي تمر على الكنيسة، بخلاف الأعياد الدينية المسيحية المعروفة، عيد تأسيس الكنيسة وتدشينها، والذي يوافق عيد القديسة العذراء مريم وفق العقيدة الكاثوليكية في 8 ديسمبر من كل عام، حيث يتم الاحتفال بهذا اليوم في محفل كبير يضم عددا كبيرا من المؤمنين يتجاوز 5 آلاف شخص، بحضور نيافة الأنبا عمانوئيل عياد، مطران إيبارشية طيبة للأقباط الكاثوليك للأقصر وأسوان.
اقرأ أيضا: «سانت أوجيني».. أقدم كنيسة في بورسعيد تحكي تاريخ الجاليات







