كنائس المنيا الأثرية.. رحلة في قلب التاريخ على خطى العائلة المقدسة
تعد محافظة المنيا واحدة من أبرز المحافظات التي تحتضن عددا كبيرا من الكنائس الأثرية ذات القيمة الدينية والتاريخية، خاصة الواقعة على مسار رحلة العائلة المقدسة، والتي تمثل مقصدا للسياحة الدينية في مصر، وتشهد هذه المواقع أعمال تطوير ورفع كفاءة مستمرة، بهدف الحفاظ على طابعها الأثري وتأهيلها لاستقبال الزائرين من مختلف دول العالم.
كنيسة العذراء بجبل الطير
على ضفاف النيل الساحر في المنيا، تقع كنيسة العذراء بجبل الطير. والتي تعد وجهة ساحرة تحمل في جنباتها عبق التاريخ وعظمة التصميم وجمال البناء الخلاب. فهي لا تستمد جمالها وهيبتها من قيمتها الدينية فقط، بل أيضا من مشهدها الإبداعي الذي يعكس فن وحضارة مرحلة تاريخية مقدسة. شاهدة على الحضارة وعظمة صامدة منذ آلاف السنين.
يقول مجدي عبد الله زين، مدير منطقة آثار المنيا، إن كنيسة العذراء بجبل الطير تحظى بعشق كبير بين أهالي المحافظة. ويظهر ذلك من خلال احتفالات موسم العذراء كل عام في أواخر شهر مايو. حيث تستقبل المنطقة أكثر من مليوني زائر. ويقع دير السيدة العذراء في الجانب الغربي من قرية جبل الطير بمحافظة المنيا، فوق الجبل شرق النيل.
وقد قامت الملكة هيلانة، أم الإمبراطور قسطنطين، ببناء الكنيسة الأثرية داخل الدير عام 328م. والكنيسة منحوتة في الصخر، وأطلق عليها اسم كنيسة العذراء. وهي عبارة عن صخرة واحدة تم تفريغها إلى أربعة حوائط صخرية، وبصحنها 10 أعمدة صخرية. وفي عام 1938 تم تجديد وبناء الطابقين الثاني والثالث بالكنيسة.
دير السيدة العذراء بجبل الطير- سمالوط
يضيف مجدي عبد الله زين أن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بدير جبل الطير بسمالوط، بمنطقة أثار شمال المنيا، تم تسجيلها بقرار رقم 10357 لسنة 1951. والمنشور بجريدة الوقائع المصرية في عدد نوفمبر 1951. ويتكون حرم الكنيسة كالتالي: الجهة الشمالية 8 أمتار، والجنوبية 11مترا، والشرقية 20 مترا، والغربية 20مترا.
وقد ارتحلت العائلة المقدسة من البهنسا إلى مدينة سنوبوليس بالقرب من سمالوط. ومنها عبرت النيل إلى الضفة الشرقية، حيث يقع الآن دير السيدة العذراء بجبل الطير. ويقع الدير على قمة الجبل الملاصق للنيل. ويعد من أهم مزارات العائلة المقدسة في مصر بعد دير المحرق.
وسمي “جبل الطير” بهذا الاسم نسبة إلى الطيور الكثيرة التي كانت تتردد على المكان، ومنها طائر “البوقيوس الأبيض”. وفي عهد الأنبا ساويرس، مطران المنيا والأشمونين، تم ترميم بعض أجزاء الكنيسة، وإنشاء الدور الثاني لها عام 1938م.
اقرأ أيضا: «كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور
الوصف المعماري للكنيسة
تحدث مدير منطقة آثار المنيا عن الوصف المعماري للكنيسة، قائلا: “الكنيسة منحوتة في الصخر الصلد، وغالبا ما كانت مدفنا فرعونيا أو رومانيا. ثم تحولت إلى كنيسة. وتبلغ مساحتها 20×25 مترا مربعا. يلي المدخل الغربي للكنيسة مساحة مستطيلة تقع المنارة في الجزء الشمالي منها. وتتكون من ثلاثة أجزاء: القاعدة، وبدن المنارة المربع الذي يعلوه أربعة عقود نصف دائرية. ثم منطقة القبة المقامة على ثمانية أعمدة، وبين كل عمودين عقد نصف دائري.
وعلى يمين الداخل توجد المعمودية الأثرية المنفذة داخل أحد الأعمدة الحجرية الكبيرة بصحن الكنيسة. ويتوسط الصحن “اللقان” الذي يتخذ شكلا دائريا ولا يرتفع مستواه عن سطح الأرض، وهو مزين بزخارف منحوتة.
وأضاف أن صحن الكنيسة يضم 12 عمودا منحوتا في الصخر. تحيط بها الأروقة البحرية والقبلية والغربية، أي أن الأعمدة تأتي على هيئة فناء مربع الأكتاف. وتتكون الأعمدة من ثلاثة أجزاء رئيسية: القاعدة، والبدن، والتاج، وتتصل ببعضها البعض. ما عدا العمودين الأماميين في آخر الصحن. كما أن الأعمدة أمام خورس الشمامسة تأخذ الشكل الدائري ولها تيجان مميزة.
صحن الكنيسة
يوضح مجدي عبد الله زين أنه توجد القبة في منتصف الصحن. وقد أنشئت عام 1938 بالتزامن مع إنشاء الدور الثاني للكنيسة. مشيرا إلى أن صحن الكنيسة يتقدمه خورس الشمامسة، وهو مرتفع عن الصحن بنحو 3 أقدام. يليه حجاب الهيكل (حامل الأيقونات) المصنوع من خشب الخرط، ويرجع تاريخه إلى عام 1938. أما الحجاب الأصلي الحجري فهو قطعة صخرية منحوتة تحمل نقوشا رومانية وزخارف نباتية وحيوانية، إلى جانب رمز مفتاح الحياة.
ويتقدم حامل الأيقونات الهيكل، الذي يضم المذبح الذي تقام عليه الصلوات، ويتقدمه الحنية الشرقية “حضن الأب”. وهي تجويف في الجدار الشرقي. وفي الناحية الجنوبية من الهيكل تقع المغارة أو الكهف، الذي مكثت فيه العائلة المقدسة لمدة ثلاثة أيام. وأضاف أنه يوجد بالكنيسة ثلاث أيقونات أثرية هي: أيقونة السيدة العذراء مريم، وأيقونة القديس مار جرجس، وأيقونة القديسة دميانة.
اقرأ أيضا: «أحد السعف».. طقوس دينية وبهجة شعبية في أسيوط والمنيا
أعمال الترميم والتطوير
عن أعمال الترميم والتطوير بدير السيدة العذراء، أوضح مجدي عبد الله زين، مدير منطقة آثار المنيا، أنه تم ترميم الأساسات ترميما إنشائيا ومعماريا، إلى جانب ترميم النارتكس القبلي. وتركيب لوحة موزاييك تجسد رحلة العائلة المقدسة. كما تم إزالة السقف الخرساني واستبداله بآخر من البراطيم الخشبية للنارتكسين القبلي والغربي والممرين.
وشملت الأعمال أيضا ترميم الدور الثاني للممر القبلي، وإنشاء أسقف خشبية له. وترميم منطقة المغارة وتبليط أرضيتها، إضافة إلى ترميم المنارة ترميما إنشائيا ومعمارية. وأضاف أنه تم فك وإعادة بناء القبو الآجري بالدور الثاني، وكذلك قباب الهيكل وقبة الصحن الرئيسية. وإنشاء سور حديدي لحماية الكنيسة من عبث الزائرين. كما تم تصنيع مقصورات خشبية لحفظ الأيقونات الأثرية، وإنشاء فاترينات متحفية لعرض 16 قطعة أثرية حجرية.
كما تم تنفيذ مشروع تكييف مركزي للكنيسة، وإنشاء أرضيات حجرية يتخللها زجاج لإظهار اللقان والأبيار. إلى جانب إنشاء مظلات خشبية تراثية أمام مدخل الكنيسة، وتبليط سطحها وعزله. مع تنفيذ مزاريب حجرية لتصريف مياه الأمطار خلال فصل الشتاء.
الكنيسة الأثرية بدير أبو حنس
تحفة معمارية وصرح عملاق يقف صامدا عبر مئات السنين، هي الكنيسة الأثرية بدير أبو حنس بمركز ملوي، والتي تعرف داخل البلدة باسم كنيسة “يحنس القصير”. وتنسب إلى القديس يحنس، المعروف باسم “يحنس القصير الايغومانس”. الذي ولد عام 349م، وتوفي عام 419م. وقد قام بتأسيس الكنيسة عام 386م، ويرجع تاريخ إنشائها إلى الربع الأول من القرن الخامس الميلادي.
يقول الدكتور محمد غزالي، مدير منطقة آثار المنيا الجنوبية، إن الكنيسة سجلت في عداد الآثار الإسلامية والقبطية بالقرار الوزاري رقم 10351 لسنة 1951م. تحت مسمى “دير أبو حنس”. ويأتي تخطيط الكنيسة على الطراز القبطي،. حيث يتكون من صحن أوسط يفتح على جانبيه الشمالي والجنوبي جناحان عبر أعمدة ضخمة داخل دعامات، تتخللها فتحات مربعة صغيرة للتهوية والإضاءة.
وأضاف أن كنيسة القديس يحنس تضم ثلاث أيقونات مهمة في تاريخ الفن القبطي. وهي: أيقونة “صلب السيد المسيح وحياته على الأرض” (القرن 15-16م)، وأيقونة القديس يوحنس القصير (القرن 16م)، وأيقونة القديس يوحنس القصير مع القديس مكاريوس (القرن 16م).
قاعة المومياوات
يوضح مدير منطقة آثار المنيا الجنوبية أن قاعة المومياوات تقع جنوب الكنيسة الأثرية. وهي عبارة عن حجرة مستطيلة تضم ثلاث مومياوات قبطية، تم العثور عليها خلال حفائر المجلس الأعلى للآثار بمدينة أنصنا الأثرية. حيث عثر على الأولى عام 1993- 1994م لطفل صغير. بينما تم العثور على المومياوين الآخريين خلال حفائر عام 2007.
وأشار إلى أن القاعة مجهزة بشكل جيد للحفاظ على المومياوات. حيث توضع داخل فاترينات من الخشب والزجاج، مع إجراء أعمال المعالجة والفحص الدوري للحفاظ عليها.
وأكد أن الكنيسة الأثرية بدير أبو حنس صدرت لها قرارات من اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية بشأن أعمال درء الخطورة والترميم. وقد تم بالفعل تنفيذ أعمال درء الخطورة، والتي تضمنت تنظيف الأسطح، وتقوية القباب وأنصاف القباب. وضبط ميول السطح، وصيانة مزاريب تصريف مياه الأمطار.
وأضاف أنه جار حاليا التنسيق مع مطرانية ملوي، والإعداد اللازم لإنهاء الإجراءات الخاصة ببدء أعمال ترميم شامل للكنيسة الأثرية. وذلك بإشراف المنطقة الأثرية وقطاع المشروعات بالمجلس الأعلى للآثار، وعلى نفقة مطرانية ملوي، طبقا للمادة 30 من قانون حماية الآثار.
اقرأ أيضا: الدقّة والعيش الناشف.. أكلة الأقباط في فترة التقشف







