دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«كمشة».. لعبة تعيد اكتشاف جنوب السودان على شواطئ الإسكندرية

في الإسكندرية، قد يمر هذا المشهد ليضعنا في لحظة ارتباك عابرة، لحظة سريعة تُلتقط فيها الأشياء من الأرض، ويكتمل اليوم كعادته. لكن في لعبة «كمشة»، لا يمر الموقف بسهولة، حيث يتحوّل إلى قاعدة تُفرض على اللاعب وتغيّر مسار اللعب.هنا، لا تُحكى حكايات أبناء جنوب السودان… بل تُعاش.

اللعبة كمساحة غير مرئية

في مدينة تُوصف دائمًا بأنها متعددة الثقافات مثل الإسكندرية، قد يبدو التعايش أمرًا بديهيًا. لكن بعض الحكايات تظل غير مرئية ولا تجد مساحة كافية لتُروى. هنا تحديدًا تحاول “كمشة” فتح هذه المساحة بعيدا عن الشرح المباشر، لتتجلى الحكاية عبر التجربة.

يصف فريق العمل الذي طوّر اللعبة هذه اللحظات بأنها نقطة تحوّل داخل اللعب. حيث يبدأ المشاركون -خاصة من أبناء جنوب السودان – في الحديث عن الأكلات وذكرياتهم المرتبطة بها. وكأن اللعبة تفتح بابًا للكلام لم يكن مفتوحًا من قبل.

في هذا السياق، تظهر تفاصيل قد لا ننتبه لها في يومنا العادي، لكنها ليست بالبساطة نفسها للجميع. ومن خلال “كمشة”، تتحول هذه التفاصيل إلى مواقف صغيرة لكنها كاشفة. بحسب فريق عمل شركة ACT (Ariu for Consultancy and Training)، التي طوّرت اللعبة، كان الهدف هو خلق مساحة للتعريف بثقافة جنوب السودان.

عندما تدخل “الأحكام”

تحاول اللعبة، من خلال كارت “الحكم”، نقل بعض التحديات اليومية التي يواجهها أبناء جنوب السودان في مصر. حيث تتمركز جالية كبيرة في القاهرة والإسكندرية. وخلال اللعب، يظهر هذا الكارت في لحظات محددة ليغيّر مسار ما يحدث بين اللاعبين، فيتغير إيقاع اللعبة. هذه الأحكام ليست عشوائية ولا خيالية. بل مستوحاة من مواقف يومية في السوق والمواصلات والخدمات.

تضع هذه الكروت اللاعب في وضع غير متكافئ: قد يخسر دوره، أو يعتمد على لاعب آخر، أو يجبر على اتخاذ قرار ليس في صالحه. وبدلًا من شرح هذه التجارب، تضعك اللعبة داخلها -ولو لدقائق. وهي في الوقت نفسه، لا تقول شيئًا فقط عن حياة أبناء جنوب السودان، بل تطرح سؤالًا أوسع عن الطريقة التي نتعامل بها مع الاختلاف داخل مدننا.

لعبة عن الأكل…وأكثر

“كمشة”- وتعني “مغرفة” بالعربية الجوبا، وهي لغة هجينة تعتمد على اللغة العربية- هي لعبة كروت مستوحاة من مطبخ جنوب السودان. في ظاهرها، تبدو بسيطة: من ثلاثة إلى خمسة لاعبين. وخمسة عشر كارتًا من الأطباق توضع على الطاولة في كل جولة.

يبدأ كل لاعب في سحب الكروت، محاولًا تكوين مجموعات من نفس الطبق للحصول على نقاط أعلى. ويفوز من يجمع أكبر عدد من النقاط. تنقسم الأطباق داخل اللعبة إلى أقسام مختلفة، مثل “منيو” مصغّر يعكس تنوع مطبخ جنوب السودان.

يوضح فريق العمل أن بعض هذه الأكلات قد تبدو مألوفة للمصريين، مثل المُلاحات التي تشبه الطواجن، و”الكِسرة” القريبة من العيش المرحرح، لكنها تختلف في طريقة التحضير والمكونات. كما يشيرون إلى أطباق أخرى مثل ملاح الملوخية، الذي يضاف إليه “الدكوة” (زبدة الفول السوداني)، في تركيبة قد تبدو غير مألوفة، لكنها جزء أساسي من هذا المطبخ.

من الفكرة إلى التجربة

تبدو اللعبة وكأنها مجرد جمع نقاط، لكنها في الحقيقة تفتح بابًا على ثقافة نسير بجوارها كل يوم دون أن نراها. خرجت فكرة “كمشة” من تجربة عملت عليها شركة ACT في الإسكندرية، وهي شركة تعمل في مجالات التدريب وتطوير الأدوات التعليمية والتنمية المجتمعية.

لكن اللعبة لم تبدأ كلعبة. في أحد المعسكرات التي جمعت أطفالًا من مصر وجنوب السودان، لم يكن التواصل سهلًا: اللغة مختلفة، والخلفيات متباعدة، والتفاعل محدود.. إلى أن دخل الفن. من خلال أنشطة مثل الرقص، بدأ أطفال جنوب السودان التعبير عن أنفسهم بحرية. ومع الوقت بدأ الأطفال المصريون في المشاركة، فتحول التردد إلى تفاعل. ثم إلى حوار غير مباشر. لم يكن هناك شرح، لكن كان هناك تفاهم.

من الورشة إلى الطاولة

بعد ذلك، بدأت مرحلة البحث، من خلال جلسات نقاش مع أبناء من جنوب السودان لفهم تجاربهم اليومية والتحديات التي يواجهونها. ثم جاءت ورشة تصميم الألعاب، بمشاركة مصممين وعاملين في التنمية المجتمعية، إلى جانب مصريين وأبناء من جنوب السودان. وخلالها الورشة، طرحت عدة أفكار، قبل أن تستقر على “كمشة”.

لم يكن اختيار الطعام عشوائيًا، ففريق العمل يرى أن الطعام – إلى جانب الرقص – من أبرز وسائل التعبير لدى أبناء جنوب السودان. هنا لا يصبح الطعام مجرد قوت، بل لغة حوار لا تنقطع.

أكثر من لعبة

لطالما قدمت الإسكندرية كمدينة للتنوع والتلاقي الثقافي. لكن مبادرات مثل “كمشة” تطرح سؤالًا مختلفًا: هل ما يزال هذا التنوع حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، أم أنه يحتاج إلى من يعيد اكتشافه؟

في الوقت نفسه، لا تتوقف هذه المبادرات عند حدود المدينة. فمثل هذه الأفكار التي تنطلق من الإسكندرية، تمتد لتخاطب واقعًا أوسع في مصر. حيث تتكرر الأسئلة نفسها حول التعايش، والفهم، والمساحات المشتركة بين المختلفين.

في النهاية، “كمشة” ليست مجرد لعبة كروت، لكنها تجربة صغيرة تبدأ بجمع الأطباق، وتنتهي بأسئلة أكبر. قد لا تغيّر ما يحدث خارج طاولة اللعب. لكنها تفتح بابا لفهم الغامض في حياة من يعيشون معنا، وتقربنا من جزء من حكاياتهم وأحلامهم.

اقرأ أيضا:

تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

«ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.