قرار وزاري يغير مصير «فيلا جمال الدين» ومنزل «دانيال مكسيموس» في منفلوط.. ما القصة؟
في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط المعنية بالحفاظ على التراث، صدر قرار رسمي غيّر خريطة المباني ذات الطراز المعماري المميز في منفلوط التابعة لمحافظة أسيوط، ما بين حذف «فيلا محمد جمال الدين أيوب» من سجل الحصر، وإدراج «منزل دانيال مكسيموس» ضمن قائمة المباني المحمية قانونيا. وبين القرارين تتصاعد تساؤلات حول مصير الذاكرة المعمارية للمدينة.
قرار مصيري
في 15 فبراير صدر القرار رقم 56 لسنة 2026 عن وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية. والمنشور في الوقائع المصرية، والذي يقضي بحذف العقار الكائن بشارع البوستة المتفرع من شارع جمال عبد الناصر بمدينة منفلوط من سجل المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز بمحافظة أسيوط. وهو العقار المعروف بفيلا محمد جمال الدين، والمقيد ضمن حصر التراث المعماري لعام 1998. وفي المقابل، نص القرار على إضافة عقار “دانيال” بشارع أحمد ماهر أمام محطة منفلوط إلى سجلات المباني ذات الطراز المعماري المميز.
هذا القرار فتح بابًا واسعًا من التساؤلات: كيف يحذف مبنى ظل لسنوات ضمن سجل التراث المعماري؟ وما المعايير التي استند إليها القرار؟ وهل يمثل ذلك فقدانا لأحد معالم الذاكرة المعمارية في منفلوط؟ وإذ كانت الفيلا قد تعرضت للإهمال. فمن المسؤول عن ذلك، وهي تحت حماية وزارة الإسكان؟ ولماذا لم يتم ترميمها قبل أن تصل إلى ما هي عليه الآن؟ وهل سيترك منزل دانيال حتى يلقى المصير نفسه مستقبلا؟

منزل دانيال مكسيموس
على بعد خطوات من محطة قطار منفلوط، يقف منزل “دانيال مكسيموس” منذ أكثر من مائة عام، في مواجهة الزمن. شاهدا على تاريخ عريق لمدينة منفلوط، التي عاصرت تغيرات تاريخية وسياسية كبيرة. لا يفصل بينه وبين المحطة سوى شارع لا يتجاوز عرضه ستة أمتار. لكنه اليوم يفصله عن الحياة أكثر من ذلك بكثير.
من الخارج يبدو المبنى صامتًا، نوافذه مغلقة، وتغطي جدرانه طبقة من الغبار تحاكي حجم الإهمال. وبينما يمر المارة غير مدركين. يبقى هذا البيت شاهدا على حقب زمنية مختلفة، وكان يوما أحد معالم المنطقة.
في ذاكرة منفلوط
يقول بهاء الدين حسين، 48 عامًا، موظف، إن المستشار “دانيال مكسيموس” أحد رجال القانون المرموقين في محافظة أسيوط. وينتمي إلى عائلة “مكسيموس” العريقة بالمدينة، والتي اشتهرت بوجود عدد من رجال القانون بين أفرادها. من أبرزهم المحامي “سمعان مكسيموس” ونجله.
ويضيف أن المستشار دانيال مكسيموس كان من الرموز القانونية والاجتماعية البارزة، وارتبط اسمه بالحياة السياسية. وكان من الأعيان المعروفين الذين لعبوا دورًا في تشكيل تاريخ مدينة منفلوط. كما كان لعائلة “مكسيموس” حضور في الحياة العامة. فمنهم من تولى مناصب في لجنة حزب الوفد بأسيوط، ومنهم المحامي ماهر وصفي مكسيموس.
وتابع: منذ صغري وأنا أرى هذا العقار شامخًا في مدينة منفلوط. فرغم جدرانه الصامتة، عاش معنا كل لحظات حياتنا. كأنه كتاب تاريخ تحمل صفحاته مئات القصص”. وقد شيد المبنى في أوائل القرن العشرين على يد مالكه الأصلي “دانيال مكسيموس”. ويوضح حسين أن المبنى مكون من بدروم ودور أرضي ودورين علويين، يتوسطه سلم من”الموزايكو الفاخر”. كما يمتد أعلى المبنى “روف” كان يتم استخدامه كمجلس ليلي للعائلة.

موقع حيوي مهجور
يحد المنزل من الناحية القبلية “عطفة مكسيموس”، ومن الناحية البحرية منزل لأحد الأهالي. ومن الغرب يطل على شارع المحطة الرئيسي، ومن الشرق مستشفى منفلوط للأطفال والولادة.
ويكمل بهاء: “موقع العقار لا يعرف السكون، لكن المفارقة الكبيرة أن المنزل نفسه خال منذ سنوات. بعدما انتقل أحفاد دانيال للعيش في مدينة أسيوط، وأصبحت زيارتهم له نادرة”. ويشير إلى أن هذا الغياب الطويل ترك أثره على الجدران التي بدأت تظهر عليها ملامح الإهمال تدريجيًا.
ويوضح أن مرور الوقت أدى إلى ظهور تصدعات وشروخ دفعت البعض إلى المطالبة بإدراجه ضمن المباني الآيلة للسقوط. مضيفا أن كثيرًا من المباني التراثية في مدن الصعيد غير المسجلة رسميا تتحول إلى ضحايا وضع مزدوج. فهي لا تحظى بحماية قانونية كاملة كأثر، ولا تجد اهتماما كعقار سكني حديث، فتسقط بين تصنيفين. وينتهي بها الأمر إلى قرار هدم.
الإطار القانوني
بحسب مصدر بقطاع الآثار القبطية والإسلامية واليهودية، وأحد أعضاء اللجنة الدائمة بأسيوط- فضل عدم ذكر اسمه-، فإن إدراج منزل دانيال مكسيموس ضمن قائمة المباني ذات الطابع المعماري المتميز من قبل اللجنة الدائمة المختصة يعني خضوعه للحماية القانونية الكاملة.
وينص قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 على حظر هدم المباني ذات الطراز المعماري المتميز أو إجراء أي تعديلات جوهرية عليها إلا بعد الرجوع إلى الجهة المختصة والحصول على الموافقات اللازمة. كما يؤكد أن تسجيل المبنى يمنع إصدار تراخيص إزالة له. ما لم يصدر قرار رسمي بخروجه من قوائم الحصر.
وأضاف المصدر أن قانون الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته يجرم الإضرار بالمباني ذات القيمة التاريخية أو المعمارية. سواء بالفعل المباشر أو بالإهمال المتعمد الذي يؤدي إلى تلفها. ويضع عقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة في حال ثبوت تعمد التخريب أو إحداث تلف جسيم.
قرار وزاري
أوضح المصدر أنه تم إدراج مبنى “دانيال مكسيموس” في سجلات المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري بمحافظة أسيوط بقرار من اللجنة الدائمة المختصة. وتم الإعلان عن ذلك بقرار وزاري، ما يمنحه صفة الحماية من الهدم أو التغيير الجوهري في ملامحه دون الرجوع إلى الجهات المعنية.
وأشار إلى أن ما تعرض له العقار خلال الفترة الماضية لا يمكن اعتباره مجرد إهمال طبيعي. بل تضمن – بحسب وصفه- أعمال تخريب متعمدة جرت من جانب ملاك العقار، وأسهمت في تسريع تدهور حالته الإنشائية. الأمر الذي أثار تحفظات داخل الأوساط المعنية بالحفاظ على التراث.
ونوه المصدر بأن أي تدخل في مبنى مسجل كذو طابع مميز يجب أن يتم وفق إجراءات قانونية محددة وبعد الحصول على موافقات رسمية. مؤكدا أن العبث بالمكونات المعمارية أو ترك المبنى عرضة للتلف قد يضع المسؤولين عنه تحت المساءلة.

فيلا محمد جمال الدين أيوب
في أحد شوارع قيسارية منفلوط، تقف فيلا عتيقة مكونة من طابقين، تحمل بين جدرانها أكثر من قرن من الحكايات. شيدت في مطلع القرن العشرين، ولم تكن مجرد مسكن عائلي لآل جمال الدين أيوب، الذين ينتمون إلى جذور تركية. بل امتدادا لتاريخ أسرة لعبت دورًا إداريًا وسياسيًا بارزًا في إقليم الولاية المنفلوطية.
يقول قطب محمود محمد شلبي، وكيل وزارة الثقافة بأسيوط سابقًا لـ«باب مصر»، إن الفيلا تعود إلى عائلة جمال الدين أيوب، إحدى العائلات ذات الثقل التاريخي. وأن محمد صالح جمال الدين أيوب هو نجل صالح جمال الدين، الذي تولى نظارة أوقاف الأمير علي جمال الدين أيوب، حاكم إقليم الولاية المنفلوطية. والذي كان صديقا لمحمد علي باشا حاكم مصر. ووفق الرواية التاريخية، كان الإقليم يمتد من منقباد بأسيوط حتى مركز دير مواس بالمنيا.
وأوضح شلبي أن كتابات المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي تشير إلى وقائع سياسية شهدتها المنطقة في تلك الحقبة. من بينها إلقاء القبض على علي بك الكبير وأبو الذهب، الناجيين من مذبحة القلعة، على يد علي جمال الدين أيوب. ثم تسليمهما إلى محمد علي باشا، وهو ما يعكس مكانة العائلة السياسية آنذاك وقربها من الحاكم. وقد عين علي جمال الدين أيوب حاكما على الإقليم عقب إعادة التقسيم الإداري لأقاليم مصر في ذلك الوقت.
فيلا تجسد مكانة اجتماعية
في مطلع القرن العشرين شيد صالح جمال الدين الفيلا، لتكون مقرًا عائليًا يليق بمكانة الأسرة. ويتكون المبنى من طابقين، ويعكس طابع العمارة السكنية الراقية في تلك الفترة، وشهد انتقال الملكية عبر الأجيال.
ورث محمد صالح جمال الدين أيوب الفيلا بعد وفاة والده. وكانت له ابنة تزوجت من محمود بركات، وكيل وزارة التربية والتعليم بأسيوط. وذلك في عهد المحافظ زكي بدر في ثمانينات القرن الماضي، وأقاما بها لسنوات. ولا يزال أحد الأحفاد يقيم في الفيلا حتى اليوم. بينما انتقل نجل محمد صالح، اللواء أركان حرب عادل محمد جمال الدين، إلى القاهرة بحكم عمله، وترك الفيلا لشقيقته وأبنائها، ولم يعد إليها حتى وفاته. لكنها لا تزال مسجلة باسم والده.

بين السلامة الإنشائية والذاكرة المعمارية
يقول حسام علي المنفلوطي، 40 عامًا، موظف، إن الفيلا شاهدة على تاريخ كبير لمدينة منفلوط. وبعد القرار الأخير يبرز سؤال مهم: هل الحالة الإنشائية وحدها كافية لمحو مبنى من سجل الطابع المميز؟ وهل تم بحث إمكانية الترميم قبل اللجوء إلى الهدم؟
ويضيف أن الفيلا ليست مجرد جدران متشققة، بل شاهد على مرحلة إدارية وسياسية مهمة في تاريخ منفلوط. وعلى عائلة ارتبط أسمها بإدارة الأوقاف وحكم الإقليم في زمن كانت فيه الولاية المنفلوطية تمتد جغرافيًا لمسافات واسعة.
ويتابع: “الهدم قد يحل أزمة هندسية، لكنه يطرح تساؤلات أعمق حول آليات الحفاظ على المباني ذات القيمة التاريخية. خاصة تلك المرتبطة بأسر لعبت أدوارًا محورية في تشكيل ملامح الإقليم”.
قرار اللجنة: الشروخ طبيعية والهدم هو الحل
وسط هذا التاريخ الممتد، جاء القرار الذي فجر الجدل. حيث أعلنت وزارة الإسكان حذف الفيلا من سجل التراث المعماري لمحافظة أسيوط (حصر 1998).
وبحسب ما ذكره مسؤول باللجنة الدائمة للمباني غير الآيلة للسقوط وذات الطراز المعماري المميز بأسيوط – فضل عدم ذكر اسمه- فإن الفيلا تعاني من شروخ واضحة في جدرانها. وبعد معاينة ميدانية من أعضاء اللجنة، انتهت إلى قرار الهدم مع استبعادها من سجل المباني ذات الطابع المميز.
وأكد المصدر أن الشروخ – وفق التقرير الفني – ناتجة عن عوامل طبيعية وتقادم الزمن، دون أي تدخلات من الورثة. بالإضافة إلى هبوط أرضي حدث بالمكان. وأشار إلى أن القرار استند إلى الحالة الإنشائية للمبنى كما وردت في المعاينة الرسمية. وعقب القرار أعلنت وزارة الإسكان، ممثلة في الوزير المختص، حذف الفيلا لضمان سلامة الأهالي المقيمين بها ومن حولها.
ذاكرة مدينة على المحك
اليوم تقف الفيلا عند مفترق طرق بين قرار رسمي يرى أن الشروخ كافية لإنهاء عمرها، وذاكرة مدينة ترى فيها جزءًا من تاريخها الاجتماعي والسياسي. فهل يطوى هذا الفصل بهدوء تحت لافتة السلامة الإنشائية، أم يعاد النظر في مصير مبنى قد يكون آخر ما تبقى من زمن الولاية المنفلوطية؟ الفيلا مازالت قائمة، لكن السؤال الذي يتردد: إلى متى؟
اقرأ أيضا:
من قلب الصحراء.. كيف تحولت «محمية الوادي الأسيوطي» إلى ذاكرة حية للتنوع البيئي؟
«النحل الفرعوني» بأسيوط.. كنز بيئي وطبي موثق منذ آلاف السنين
«صالح رياض».. حكاية حرفي يضيء البيوت والكنائس بالمجسمات القبطية



