قبل رمضان.. السوق السياحي بأسوان ينتعش بالبلح والأعشاب والمشروبات النوبية
يمتد السوق السياحي في أسوان لمسافة 7 كيلومترات، حيث تتجاوز محال العطارة والبلح والكركديه والبازارات في مشهد يعكس هوية المدينة ومنتجاتها الأشهر. ومع اقتراب شهر رمضان، تتكثف الاستعدادات داخل هذا الشريط التجاري الطويل، ويزداد الإقبال على البلح الأسواني، والكركديه، والدوم ، والتمر البلدي، إلى جانب الأعشاب والتوابل التي ترتبط بعادات المائدة الرمضانية.
الأعشاب والعطارة
تنشط الحركة في محلات العطارة قبيل الشهر المبارك بشكل كبير وملحوظ بسوق أسوان السياحي. حيث تتصدر وصفات الأعشاب والتوابل، التي تعد روشتة الصائمين في رمضان، المشهد. وروائحها التي تفوح بين الرفوف تحكي موروثا شعبيا متوارثا منذ القدم.
يقول شهاب محمد، عامل بأحد محال العطارة بالسوق: “محال العطارة بأسوان تكتسب زخما خاصا في هذه الفترة. حيث تتحول إلى وجهة رئيسية للأسر الباحثة عن الأعشاب الطبية والتوابل البلدية التي ارتبطت بعادات الصائمين منذ سنوات طويلة”. موضحا أن أسوان تشتهر بتنوع الأعشاب الطبية والتوابل بحكم موقعها الجغرافي. إذ يأتي جزء كبير منها من مناطق حلايب وشلاتين، إلى جانب أعشاب مستوردة من السودان.
وتابع: من أبرز الأعشاب، حلف بر، الدمسيسة، البابونج، البردقوش، المريمية. إلى جانب الصمغ السوداني المبلور الذي يقبل الزبائن على شرائه لاستخدامه في تنشيط وظائف الكلى. بالإضافة إلى الحرجل المستخدم في علاج الكحة ونزلات البرد. وحلف الليمون المعروف بكونه مدرا للبول ومطهرا للجهاز البولي.
وصفات طبيعية من العطارة
يؤكد “شهاب” أن أغلب الأعشاب المعروضة خلال شهر رمضان هي منتجات أسوانية خالصة. نظرا لما تشتهر به المحافظة من أصناف العطارة والأعشاب الطبيعية منذ القدم. مشيرا إلى أن الطلب يزداد بشكل ملحوظ على الأعشاب التي تعطي إحساسا بالشبع. مثل بذور الشيا التي تستخدم للتخسيس أو تقليل الإحساس بالجوع، إلى جانب أعشاب مخصصة لكبار السن. خاصة لعلاج مشكلات السكر والأملاح والكلى والحصوات.
ويوضح أن هناك إقبالا كبيرا أيضا على الأعشاب التي تساعد على زيادة الحرق بعد تناول وجبات الإفطار الدسمة وتعمل على تحسين الهضم، مثل القرفة والزنجبيل. لافتا إلى أن هذه الأعشاب أصبحت عنصرا أساسيا على موائد رمضان.
السبع بهارات
أما فيما يخص التوابل المرتبطة بموائد الشهر الكريم، أوضح شهاب محمد أن من أبرز بهارات الأكلات خلال رمضان: الكمون، الفلفل الأسود والأبيض، الكزبرة، ورق اللورا، والحبهان. وهي توابل أساسية لا تخلو منها أي مائدة رمضانية بأسوان.
وأشار إلى الإقبال على خلطات البهارات والأعشاب الجاهزة التي تستخدم في إعداد الأكلات الرمضانية. مثل خلطات المحاشي، الكبدة، المشويات، الشاورما، الحواوشي، الأسماك، المندي، والكبسة، مؤكدا أن أساس كل خلطة لا يتغير. بينما تختلف نسب كل صنف حسب ذوق كل عطار.
وأوضح أن خلطة السبع بهارات تعد من أشهر الخلطات المطلوبة خلال رمضان. وتتكون من مجموعة من التوابل مثل: الكبيبة الصيني، القرنفل، زر الورد، ورق اللورا، وغيرها من التوابل. حيث يقوم كل عطار بإعدادها بطريقته الخاصة. مؤكدا أن أهالي أسوان يفضلون الأعشاب الطبيعية التي تباع بالكيلو وتعبأ أمام أعينهم على الأعشاب المستوردة أو المعلبة.
البلح الأسواني يتصدر مائدة رمضان
يقول الحاج محمد أبو زرار، تاجر بلح بالسوق، إن البلح الأسواني يتصدر مائدة الإفطار في رمضان، مشيرا إلى أن محافظة أسوان من أشهر محافظات مصر إنتاجا للتمور الجافة. حيث تشتهر بأجود الأصناف مثل: الملاكابي، البرتمودا، الجنديلة، السكوتي، والإبريمي، إلى جانب أصناف أخرى مثل: الدجنة والجرجودة. ويرجع الموقع الجغرافي الطبيعي لهذه الأصناف إلى منطقة النوبة القديمة التي كانت تتميز بأجود أنواع النخيل. وسمي بلح (الإبريمي) نسبة إلى قرية إبريم في النوبة القديمة.
ويوضح أن تنوع المناخ في مصر ساهم في انتشار أنواع مختلفة من البلح. إذ تنتشر في الوجه البحري والدلتا أنواع الزغلول، السماني، الحياني، وبنت عيشة. بينما تشتهر مناطق الواحات والوادي الجديد وسيوة والداخلة والفرافرة بأنواع السيوي والصعيدي (نصف الرطب)، في حين يتركز إنتاج البلح الجاف في محافظات قنا والأقصر وأسوان. لتصبح مصر الدولة الوحيدة التي يزرع بها البلح الرطب ونصف الرطب والجاف معا.
شراء البلح وتخزينه
يقول محمد حسين شطه، صاحب محل عطارة آخر، إن الاستعداد لموسم شهر رمضان يبدأ قبل نحو ستة أشهر. حيث يتم شراء البلح عقب جنيه من النخيل. ثم تجفيفه جيدا قبل تخزينه في أجولة بلاستيكية معقمة، للحفاظ عليه صحيا وسليما ومنع وصول أي حشرات أو رطوبة إليه. مشيرا إلى أن البيع يبدأ فعليا في شهور رجب وشعبان ورمضان. حيث يحرص بعض المواطنين وزوار أسوان على الشراء المبكر قبل الشهر الكريم. سواء للاستهلاك المنزلي أو لإهدائه للأقارب في محافظات أخرى، نظرا لشهرة البلح الأسواني وجودته.
ويؤكد أن البلح الأسواني يتميز بتعدد أنواعه وجودته العالية، لافتا إلى أن البيع يختلف حسب طلب الزبائن، سواء من حيث نسبة السكر أو حجم ثمرة البلح. وأن الزوار القادمين إلى أسوان هم الأكثر طلبا للبلح الأسواني والمشروبات الرمضانية خلال الفترة الأخيرة.

الكركديه والتمر الهندي
يشير محمد حسين إلى أن الكركديه والتمر الهندي من المشروبات الرمضانية التي ترتبط بعادات ضيافة متوارثة، حيث اعتاد أهالي أسوان والنوبة تقديمها في المناسبات وشهر رمضان، لتصبح رمزا للكرم والطابع التراثي للمدينة. موضحا أن الكركديه يعد من أشهر المشروبات الرمضانية في أسوان، ويتميز بلونه القرمزي ومذاقه المنعش، ويساعد على خفض ضغط الدم، وتحسين الدورة الدموية، ويحتوي على فيتامين “ج”، كما يعمل كمهدئ للأعصاب ومطهر للجهاز الهضمي .
أما التمر الهندي فيتميز بطعمه المتوازن بين الحلو والحامض، ويُعد مقويًا لجهاز المناعة، ومنشطًا عامًا، وملينا لعسر الهضم، ومفيدًا لأمراض الصدر والقولون العصبي.
ويحضَر مشروب الدوم من ثمار شجرة الدوم المنتشرة في جنوب مصر، ويستخدم في الطب الشعبي لخفض ضغط الدم، وتقليل الكوليسترول، وتحسين الهضم، ويتميز الخروب بطعمه الحلو الطبيعي، ويساعد على خفض الكوليسترول الضار وتنظيم سكر الدم، بينما يعرف العرقسوس بنكهته القوية، ودوره في تخفيف التهابات الحلق والسعال، ورفع ضغط الدم لمن يعانون من انخفاضه.
اقرأ أيضا:
جيل وراء جيل.. حكايات بناة السد العالي عن العزيمة والتحدي
حوار| الأثري أحمد مسعود: جبانة الاغاخان تكشف الحلقة المفقودة في تاريخ جبانات أسوان
«شبابيك للثقافة والفنون».. ملتقى يفتح نوافذ الإبداع على مواهب الجنوب







