فيلم «Sinners»: أثر التناغم
«أتدري؟ تقريبا بشكل أسبوعي، أستيقظ مسترجعا تلك الليلة، والشلل متملكا مني. لكن قبل غروب الشمس، أعود وأراها أجمل أيام حياتي. هل كان الأمر كذلك بالنسبة لك؟»
فاتني عرض Sinners بدور العرض، وهو ما ندمت عليه بعد مشاهدته المتأخرة. فبعد الإعلان عن سبقه بالترشح لـ16 جائزة أوسكار، من بينها السيناريو والإخراج لريان كوجلر. راجعت أصدقاء أثق في آرائهم، وقد قاموا بدورهم في تشجيعي على مشاهدته.
كانت التجربة مثيرة، لا ينقصها قدر من التأمل إلى جانب متعة الرحلة. وأصفها بـ”التجربة” لأن الفيلم يحمل جانبا تجريبيا، على الرغم من كونه فيلما تجاريا بميزانية ضخمة. وهو ما أراه مؤشرا على ضخ دماء جديدة في إنتاج هوليوود السينمائي، ويظهر ذلك بوضوح في أفلام موسم الجوائز هذا العام.
أفلام تستدعي المشاهدين إلى دور العرض بعيدا عن المنصات، من خلال أدواتها وحكياتها وحتى تقنياتها، إذ يظهر اهتمام واضح بالتصوير الفيلمي واستخدام الحس ما قبل الرقمي بصريا، في استدعاء لروح سينمائية سابقة على القرن الحادي والعشرين.
***
تدور أحداث فيلم Sinners في يوم واحد، كما تشير المقولة الافتتاحية، وهو يوم مهم لعدة شخصيات في الجنوب الأمريكي خلال عصر التحريم. يستثمر توأم مبلغا مريب المصدر في شراء بيت من رجل أبيض ينتمي إلى منظمة “كو كلوكس كلان”، لتحويله إلى ملهى ليلي، وتكون الليلة هي ليلة الافتتاح.
يقوم الثلث الأول من الفيلم على تحضيرات الحفل، سويا ثم منفصلين، بدءا من الاتفاق مع الموسيقيين وحارس البوابة، وصولا إلى تجهيز المطبخ والمشروبات التي تم تهريبها من شيكاغو. يتم بناء هذا الجزء عبر الطريق، حيث نصاحب الشخصيات وهي تتجمع ويتم تقديمها لنا خلال هذا المشوار.
الغايات الأولى هي الإقناع بالمشاركة، وشراء المستلزمات، والوصول إلى مكان الحدث. الطريق، بطبيعته، بناء سينمائي تمهيدي للحدث وتأملي لما سبقه. وفي غيابه، يوظف المخرج اللقطات الطويلة لنقل ذات الشعور. فعندما ينفصل أحد التوأمين للاتفاق مع تاجر من أصل أسيوي في السوق، تخرج ابنته، والكاميرا المحمولة ترافقها، إلى الجانب الآخر من الشارع لتنادي أمها من متجر مقابل، وتعود مرة أخرى مع الأخيرة.
***
يوحي الفصل الأول أننا بصدد فيلم من نوعية، أو چونر، أفلام عصر التحريم أو عصابات الثلاثينيات. نرى توظيفا رائعا للمؤثرات البصرية التي تكمل أفق اللقطات التي تستعرض مزارع القطن ومحطة القطار. إلى جانب تصوير نهاري غير متكلف يعتمد بشكل كبير على الإضاءة الطبيعية وتوزيعها المتباين على أسطح الأماكن.
لكن فور الغروب، يقدم لنا الفيلم الخطر المرتقب القادم من الرجل الأبيض. والذي مهدته ومضات من لقطات سريعة في أول مشهد بالفيلم، بين عازف البلوز المصاب بجروح عنيفة ووالده القس داخل الكنيسة صباح اليوم التالي للحفل. خطر مصاصي الدماء. لا نرى افتراس أول ضحية لكن نرى الأثر والتحول.
نعود إلى الملهى وبداية الليلة. يتوافد الحضور، وتتفاعل الشخصيات الأساسية مع التحديات التي تم عرضها في التمهيد. تبدأ علاقات، وتتوتر أخرى، وتستقر إحداها. ويتقدم العازف ليحقق حلمه الموسيقي أمام جمهور، يعزف البلوز، مطلقا تلك الطاقة المخزونة التي تلتف حولها الجموع. الملاذ الذي يحفظ الهوية ويدعم وجودها، يحررها ويستوعب الاندماج والتغيير.
***
أغنية الفيلم I lied to you، المرشحة لجائزة الأوسكار لأفضل أغنية تبدأ بإيقاع ولون العصر، ثم تستحضر الماضي البعيد وإيقاع القارة الأم، لتعود إلى المستقبل وتطوراته في أشكال الروك والراب والانصهارات المختلفة في العالم الجديد. تتجول عدسة المخرج بين كل هذا دون فواصل، ملتقطة إياه في زمان ومكان واحد. حتى ومع تغير الديكور إلى صورة تجريدية، تستمر حالة النشوة تحت أعين مصاصي الدماء.
الموسيقى هنا لحظة تدفق زمني لا تقاطعها فواصل مرحلية، كحال حركة التاريخ الذي يصير بتكرارية وخفوت، يمهدا مجال افتراضي لفرص التطور.
يحمل النوع الموسيقي سينمائية خالصة، لما بين لغة الموسيقى والسينما من تقارب. فالتلاعب بالزمن، وما يخلفه من إعادة بناء للمشاعر، هو غاية الفنين بأدوات مختلفة. توجه الموسيقى المزاج وتستنبط اللحظة الزمنية للمشاهد كعامل مكمل للقطة المصورة. خصوصا وإن تفاعل الممثلين حركيا برقص يتخلله إيماءات بالشعور المقصود.
***
هذا التناغم كان نتيجة الفصل الثاني من الفيلم، بعد أن اتسعت رقعة الچونر، فضمت الموسيقي الاستعراضي وفتحت الباب لرعب مصاصي الدماء. رعب تمهده لقطات هادئة، وأحيانا طويلة ومتنقلة، قبل الهجوم الذي يبلوره المونتاج المباغت. حتى تنكشف الأمور وتصير المواجهة حتمية. والتي يستعد لها الطرف الآخر في استعراض خارجي في ضوء القمر، المقابل لضوء الملهى الدافئ، على موسيقى الفولك. ما زالت موسيقى الطرف الآخر الأيرلندية (مستضعفي الجانب الآخر من الأطلسي) مدمجة بريح الوطن الجديد.
في النهاية، تتم المواجهة. يتصاعد إيقاع المشاهد. وتطغى الحركة وأثرها في المعركة. يتقاتل الطرفان، وتكون الخسائر فادحة بينهما. بينما يظل الموسيقي هو الناجي الوحيد.
لا يخفى على المشاهد أن الفيلم يتعرض لقضية العنصرية. وأن المعايير الأخيرة التي أقرتها الأكاديمية حول التنوع والشمول دفعت كثيرين إلى تناول موضوعات تخص الفئات المهمشة. غير أن أعمالا عديدة وقعت في فخ الخطابية وفرض عناصر على العمل الفني تخلق قطبية توجيهية وبعد واحد لشخصياته وأفكاره. لم تكن تلك حالة Sinners.
***
الفيلم تعبير عن خلفية صُناعه بدون تكلف. وهو ما بدا لي واضحا في تناول الصراع وطرفيه. الطرف المعتدي لم يقتصر على الرجل الأبيض، بل توسع مع الوقت وتنوع، وضم حتى البقال ذو الأصول الآسيوية وواحد من الشقيقين التوأمين. بل كان أكثر تنوعا من جمع الحفل. أصبح الانتصار لفكرة بغض النظر عن ممثلها. ولم يعد هناك حاجة لإجابة جاهزة. بات السؤال وحده أقوى فعالية. السؤال الذي حملته التجربة. عبر عنه الشكل الفني المتنوع والمتناغم. وراهن بجمالياته على وقعه على المشاهد وفرص استمراريته أمام تحدي الزمن.
اقرأ أيضا:
«هامنت» لـ«كلوي چاو»: ثنائية الحياة والموت في فيلم يعيد تعريف شكسبير